آفات اجتماعية قاتلة … (1)رمضان بين “مواقع الرحمة “و”قنوات الصرف الصحي” الفضائية !!

احمد الحاج
رمضان 1440 هـ لم يختلف عن سابقه من الرمضانات من ناحية الغث والسمين الذي يبث على الشاشات والقنوات العربية والمحلية بل وحتى الوكاﻻت والصحف والمجلات وما أكثرها ، فبينما يطلع قسم ضئيل منها ببث روح التسامح والرحمة والتآلف والعمل الخيري بين الناس ، ينحصر أداء اﻷخرى وهي اﻷكثرية في إستعراض اللحم اﻷبيض المتوسط ، والعرق الزحلاوي ، والرقص والغناء وإثارة الغرائز والنعرات الطائفية ، وقد شخصت تزايدا وجرآة في الطرح هذا العام تخطت كل الحدود في الجانب المظلم وبذل الوسع في نشر الرذيلة في ذات الوقت الذي تتفانى فيه قنوات الرحمة لنشر الفضيلة بين الخلق بجهد المقل وسعي المجد !
وأشد ما لفت إنتباهي بعض البرامج الخيرية الجميلة ولعل من أبرزها برنامج ” كشفية ” للمبدعة آسيا كمال وفيه يتم كفالة عائلة فقيرة لديها مريض بحاجة الى علاج فيتولى البرنامج كافة مراحل علاجه مجانا ، وكذلك برنامج ” عتيك للبيع ” للمبدع محمد هاشم ، وفيه يشتري للعائلة المتعففة أبرز حاجاتها الضرورية ” طباخ ، ثلاجة ، مبردة ..الخ ” فيما يأخذ العتيق الذي لايعمل منهم بدلا منه ، وكذلك برنامج ” تمر ولبن ” للمتألق ماجد ياسين، وفيه يختار رب أسرة متعفف / متعففة ويتجول بهم في اﻷسواق لشراء كل ما يحتاجونه مع منحهم مبلغ من المال في نهاية الحلقة ، ومثلها العديد من البرامج الطيبة ذات البعد الإنساني وأكثر ما لفت إنتاهي هو حرص الكثير من الباعة على عدم تقاضي ثمن ما يتم شراؤه منهم لصالح المحتاجين عن طيب خاطر ما يعكس طيبة العراقيين وكرمهم برغم كل ما ألم َ بهم من كوارث لاتخفى على أحد ، اﻷمر اﻵخر أن مقدمي البرامج كانوا يحرصون على توجيه النصح للمشاهدين وحضهم على الصدقة والانفاق في الخير والتكافل الاجتماعي مستثمرين دقائق البرامج القصيرة في ذلك متجاهلين الساسة ومناشداتهم كما كان يحدث في السنين الماضية ﻷنهم وعلى ما يبدو قد أدركوا جليا بأن لانفع من تلك المناشدات وﻻ جدوى منها كالنفخ في قربة مثقوبة ، علاوة على توجيه اللوم المبطن والعتاب المعلن للساسة عبر المحتاجين أنفسهم بعبارات نحو ” شدكول للسياسيين ..شدكول للحكومة ؟ ..شوية خليها ادير بالها علينا “، وكأنهم يقولون ” أهزموهم بالمحبة ، إقهروهم بالتكافل والرحمة ” تراحموا وعلى أبواب الفقراء والجياع والمعوزين تزاحموا ..تُرحموا وللساعين لإفقاركم ، لتشتيتكم ، لتجويعكم ، لإذلالكم ..تَهزموا !
إقهروهم بحب بعضكم بعضا فإنما جاؤوا ليفرقوا جمعكم ، ليشتتوا شملكم ، ليمزقوا نسيجكم ، ليسرقوا خيراتكم ، لينهبوا ثرواتكم ، وليتسلقوا الى المناصب بأصواتكم وأصابعكم ، وكلكم بالنسبة لهم صوت وأصبع لاغير !
وبعيدا عن الفضائيات ولكن بالقرب من الحاجات إنتشرت صور لمشروع (( خذ ما يكفيك واترك الباقي لغيرك )) الخيري على مواقع التواصل الاجتماعي ، مشروع ينتشر بخجل حتى اﻵن في أحياء بغداد الفقيرة وخلاصته أن يتبرع أحدهم بثلاجة عامودية – عارضة – يضعها وسط السوق الشعبي ، فيما يتبرع الباقون وكل بحسب طاقته وإمكاناته باﻷجبان ، بالمياه المعدنية ، باﻷلبان ، بالمربيات ، بالزيتون ، بأنواع اﻷطعمة المبردة ويضعها داخل العارضة للمحتاجين تحت شعار ( رحماء بينهم ).
وكأني بهم يقولون إن كان الساسة يتسلقون على أكتاف الفقراء منذ 16 عاما بـ” صورني وآني ما ادري ” كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة تسبقها بالعادة الحملات الانتخابية وتتزامن معها ومن ثم ( راح وأيست منه ..غرق بالماي وووالمنصب ) ، فلنسحب البساط من تحت أقدام فتاتهم وصورهم وبخلهم ، وشحهم ، وريائهم ، ولنطعم الفقراء والمساكين والمحتاجين حسبة لوجه الله من غير صور وﻻ دعايات انتخابية كدأب اﻷخفياء الاتقياء الكرماء اﻷسخياء ومانقص مال من صدقة وليكن شعارنا (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) ، إنهم يزدحمون على المناصب وحطام الدنيا الفاني، فالنزدحم نحن على أبواب الفقراء والمساكين عسى الله تعالى أن يرحمنا ويقبل الشفاعة فينا يوم ..الزحام !
وهذه قصة أخرى ليست من قصص الف ليلة وليلة ..بل رائعة من روائع الرحمة ، فلي صديق ، بل أخ كريم وزميل عزيز هو من أفضل الصحفيين الوطنيين الشرفاء في العراق ، يمر يوميا في طريقه الى مكان عمله بمقبرة الشيخ عمر السهروردي وهي من أقدم المقابر في بغداد فيدعو للموتى بالرحمة والغفران وبالعفو والرضوان وهكذا كل يوم تقريبا على مدار الاسبوع ..قبل أيام أخذ إجازة فلم يمر بالمقبرة وبالتالي فإنه لم يدع للراقدين تحت ثراها بما كان قد إعتاد على الدعاء به فرآى في المنام ” مجموعة من الموتى وقوفا بأكفانهم وهم يسألونه – لماذا لم تدع لنا اليوم ؟!” .
ومذ حدثني بهذه الرؤيا وهو ثقة عندي وأنا أعيد حساباتي في كثير من اﻷمور وأولها ” الدعاء للموتى كلهم ، وآخرها وليس أخيرها (الرحمة) وكيف أنها تصل بعبقها حتى الى الغائبين والمغيبين حتى إنهم ليسألون عن صاحبها في المنام إن توانى بها يوما، فمابالك بالرحمة باﻷحياء ؟ !

أما الى قنوات العهر الفضائية العربية والعراقية فأقول بأن محاولة ربط ” العرق الزحلاوي “بالمثقف ، ” الويسكي ” بالممثل ، “الحشيش” بالملحن ، ” الكرستال “بالشاعر ، ” الماريجوانا ” بالعازف ، “المواخير ” بالفيلسوف ،و” بيوت الدعارة ” بالمفكر ، والسيجار الكوبي ” بالمنظر ” ، والسجائر والمقالات الصفراء الرخيصة ” بالصحفي ” ، وربط ” الراقصات والنساء الغواني ” بثورات التحرير ضد المستعمر الاجنبي ، هي أسلوب شعوبي رخيص جدا وستراتيجية خائبة تحاول أن تصور لنا بأن – جهنم وبئس المصير – لاتضم سوى ثلة من العباقرة والمبدعين والمفكرين والاعلاميين فيما لاتضم – الجنة – سوى اﻷطهار المفلسين من الذنوب والانقياء من الابداع على سواء !
وبالتالي فعلى من يريد الوصول الى الجنة بحسب ما يروج له فما عليه سوى الاصطفاف في طوابير الكسالى والمغمورين والمهمشين ، والعكس صحيح بالنسبة للمبدعين = ان البشرية ستقلب موازين تفكيرها بالتدريج لتخون اﻷمين وتستأمن الخائن ، تكذب الصادق وتصدق الكاذب ، تقرب الطالح وتستبعد الصالح ، تحب – الهز ياوز – وتكره – ابو ركعة – لتصل الى نتيجة نهائية شيطانية معكوسة في نهاية المطاف خلاصتها ” ان الجنة هي للعركجية ” وان النار هي ” للتنبلجية ” .
وعلى أهل الصلاح إثبات انهم اكثر إبداعا وتألقا وحضارة وعطاء واخلاصا وفي كافة المجالات من شياطين الانس والجن ، وهذا الاثبات لايكون بالكلام فحسب وإنما بثورة فكرية وتعبوية وواقعية شاملة تقلب عالي مفاهيم – الخدة والخدر – التي ارضعتها مجتمعاتنا في عصور الهزائم والانكسار والاستعمار وفي زمن العتمة ..سافلها !
وحقا ما قاله بعضهم بأن بعض “القنوات الفضائية” أدنى مرتبة من ” قنوات الصرف الصحي ” ذاك أن الثانية تعمل على التخلص من النفايات البشرية السامة حفاظا على الصحة العامة ، فيما تعمل اﻷولى على ضخ أكبر كمية ممكنة من المواد والنفايات السامة والعمل على تدويرها في اﻷدمغة والعقول لتعمل عملها في النفوس والقلوب ، وبالتالي فإن “قنوات الصرف الصحي ” هي أجدى وأنفع للبشرية من بعض ” القنوات الفضائية ” !اودعناكم اغاتي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close