بين الوعي بالحداثة وهوية المجتمع.. قطر تصنع عالمها

بين الوعي بالحداثة وهوية المجتمع.. قطر تصنع عالمها “إن شالله بترجع هذي دارك” عند مغادرتي قطر قبل 3 أعوام بعد زيارةٍ سريعةٍ كانت الأولى لي لهذه البلاد المطلة على ساحل الخليج لا زالت هذه العبارة التي قالها لي ضابط الجوازات في مطار حمد الدولي وهويتفحّص أوراقي عالقةً في ذهني

بعد ثلاث سنوات ها أنا ذا أحطُّ رحالي في هذه البلاد مرة أخرى ، بالنسبة لزائر مثلي كان في هذه البلاد قبل بضعة سنوات سيظن بلاشك أنَّ لا جديد فيها سوى أنها الان واقعة تحت تداعيات حصارٍ فرضته عليها بعض الدول المجاورة ومصر منذ عامين خلت، لكــن الأمـــــــر ليـــس كـــذلك.. فهذه البلاد متجددةٌ.. ولا تكُفُّ عن التحدي .. عند وصولي الى الدوحة قبل بضعة أيام تفحَّص ضابط الجوازات وثيقة سفري وسألني عن الحجزالفندقي وتذكرة العودة، أجبته أنّني للأسف لم أتمم إجراءات الحجز الفندقي ولم أقطع تذكرة عودة .. واجهني بابتسامة عتب ثم ختم الجواز وناولني إياه قائلاً ” هذي دارك”. يا لسخاء المحبة في هذه البلاد التي تستقبلك وتودعك بنفس العبارة “هذه دارك”

في الطريق من مطار الدوحة الذي يصنف كواحدٍ من أفضل المطارات في العالم إلى الفندق يلاحظ المرء بسهولة أعمدة الرافعات وأذرعها العملاقة في كل مكان في حركة بناء كبيرة و دون هوادة لأبراج ومنشات وطرق ومرافق حيوية تعكس حركة البناء السريعة للمشاريع العملاقة في هذه البلاد .. كنتيجة واضحٍة للنهضة الاقتصادية وحركة التنمية الهائلة التي تشهدها الدولة ، حيث يتم بناء مشاريع جديدة وتخضع المشاريع القديمة للتطوير والتجديد.. هذه البلاد الغنية بالنفط والغاز والطاقات البشرية التي كان يعتمد اقتصادها حتى بداية القرن الماضي على صيد اللؤلؤ تتهيأ اليوم لاستقبال أكبر حدثٍ رياضيٍّ في العالم في العام 2022 ونجحت أيضاً أن تكون أكبر المساهمين في بورصة لندن أحدى كبريات البورصات المالية في العالم وبخطواتٍ واثقةٍ ومدروسةٍ لا تقبل الخطأ.

من شرفة الفندق الذي أقطن فيه وسط المدينة يمكن مشاهدة بنايةٍ جميلةٍ من طابقين بلونٍ بنيٍّ رماديٍّ وتصميم تراثي هادئ بشبابيك ذات طراز قطري قديم تتوسط أحد جوانبها لافتةٌ كبيرةٌ كُتب عليها ( دار الكتب القطرية ) ،

حسناً، العنوان مغرٍ للغاية ، خصوصاً أنها قريبة جداً، بضعة أمتارٍ فقط عن محل اقامتي، توجَّهتُ إلى بناية دار الكتب في يومي الثاني و وجدتُ أنَّ المكان مغلق مع عبارةٍ توضيحيّةٍ تُفيد بأنَّ المبنى تحت الصيانة وأنَّ الدار انتقلت مؤقتاً إلى مبنى وزارة الثقافة ، لم أحظَ بفرصة زيارة الدار ، وعلى أمل أن أتمكن من زيارتها لاحقاً عدت للفندق .

مساءً وفي مكانٍ قريبٍ من أحد المساجد لفت نظري أنَّ سياراتٌ حديثةٌ تتوقف في المكان و توزِّع وجبات الإفطار على بعض العمال في المنطقة ، رجلٌ وامراة يرتديان الزي القطري ترجلا من سيارتهما وبدأوا بتوزيعها وغادروا المكان بسرعه بينما انشغل العمّال بتفحّص وجباتهم وما تحتويه من طعام..الجميع استلم وجباته مع اقتراب موعد صلاة المغرب، في هذا الوقت وبعد تناول شىءٍ من التمر واللّبن وبعض القهوة يتوجه الجميع للصلاة ، المساجد هنا كثيرةٌ جداً. بعد أداء الصلاة يتناول الصائمون إفطارهم المكوّن غالباً من الأكلات القطرية الشعبية كالمضروبة والثريد والمرقوقة والرز واللحم والحلوى القطرية وغالباً ما يتبادل الناس هنا دعوات الإفطار ، والحديث في الأمور العامة في مجالسهم المفتوحة للجميع. في اليوم التالي وُجِّهت لي دعوةٌ للإفطار من قبل أحد شيوخ ووجهاء قطر المعروفين وهو الشيخ نواف المغامس ، كان الكرم والعادات القطرية الأصيلة واضحاً وجلِيّاً فيها إلى أبعد حد ، في تجسيدٍ للقيمِ القبليةِ المتوارثةِ من الأجداد ، فرغم الحداثة التي تحيط بالمكان من سيارات الدفع الرباعي حديثة الطراز والشاشات المسطحة والأجهزة المتطورة ومظاهر رفاهية العيش والرخاء والسعة إلا أنَّ الحفاظ على الهوية والجذور سيلاحظه المرء بسهولة ، وهذا مايمكن أن يختزل وجه قطر الحالي : حداثةٌ وتنميةٌ هائلةٌ وسريعةٌ لكن مع التمسك بالموروث والقيم الأصيلة وهوية المجتمع ، ونجحت البلاد في تحقيق هذهالمعادلة إلى حدٍ بعيد، الموروث والتقاليد ينسابان ويعانقان الحداثة والتطور.

“قطر اليوم بلدٌ مهمٌ في العالم، والتنمية الحضارية كبيرة ومستمرة في هذه البلاد لكن عاداتنا القبلية وإرث الأجداد مستمرٌ أيضاً ، جذورنا وهويتنا ثابتةٌ وعميقةٌ وقديمةٌ قِدم الصحراء” يقول الشيخ المغامس. يتوسَّط مجلس المغامس الذي تزين جدارنه صور قديمة لأجداده بعض منها باللونين الاسود والابيض دلال القهوة والفناجين المذهبة وتُعدّ وتُقدَّم القهوة بنفس الطريقة التي تُقدم بها قبل مئآت السنين ، الشيخ نواف الذي يرتدي الزَّي العربي التقليدي ويعتمر العقال يمتلك ثقافةً عصريّةً ويُدير شركاته التجارية فضلاً عن إدارته لشؤون العشيرة في الوقت نفسه ، في ظاهرةٍ تعكس اندماج التراث بالحداثة والمظاهر العصرية المتطورة. الحكومةُ هنا سهَّلت حياة الناس ، أغلب المعاملات مثلا يمكن إنجازها إلكترونيّاً بواسطة الهاتف النقّال ، تطبيقاتٌ كفيلةٌ بكلٍ شيءٍ تقريباً من إنجازمعاملات المرور والسيارات والبيع والشراء ونقل الملكيّة ودفع الفواتير وإدارة الحسابات المصرفيّة إلى طلب وشراء الطعام والتبضّع، وهذه التسهيلات متاحة لجميع المقيمين في البلاد دون تمييز . في سوق واقف التاريخي وسط المدينة ذو التصميم المعماري المستوحى من الماضي كانت لنا زيارةٌ مسائيةٌ ممتعةٌ حيث السوق الأكثر شهرةً في الخليج بأزقّته المزدحمة بالمارة والسوّاح والمتبضعين ومحلاته التي تعبق برائحة البخور والهيل والعطور والزعفران وروائح الطعام والمشويات المغرية يلفت نظر المرء هناك انتشار الشعارات الوطنية وأعلام قطر وصور أمير البلاد الشاب وملصقاتٍ تشجِّع الإنتاج الوطني على الجدران وأبواب المحلات والسيارات والقمصان وحتى على البالونات وواجهات بعض المباني في دلالةٍ واضحةٍ على تحدي النّاس للحصار فالشعور بالوطنية بين القطريين في أعلى مستوياته. وليس بعيداً عن سوق واقف يمكن للمرء أن ينطلق في رحلةٍ رائعةٍ تحت الأرض من وسط المدينة إلى جنوبها حتى مدينة الوكرة حيث تمّ تدشين متروالدوحة الخط الأحمر لأول مرةٍ منذ مدة ليست ببعيدة ، هذا الخط يقلك من وسط المدينة إلى أقصاها جنوباً في عرباتٍ كأنها غرف فنادق بخمسةٍ نجومٍ بهواءٍ مكيّفٍ ومقاعدَ مريحةٍ وطرازٍ حديثٍ وتصاميمَ هندسيةٍ حضاريةٍ ومحطاتٍ بأرضياتٍ من الرخام وجدرانٍ مزينةٍ بالبلور ثبتت عليها لوحاتٌ إرشاديةٌ حديثةٌ وأنيقة ، ركّاب المترو من مختلف الفئات والجنسيات ، عربٌ و أجانبٌ و سياحٌ ومقيمون وموظفون ، أضحى شائعاً منظر الأوربيين

مثلا ذوو الشعور الشقراء وهم يلتقطون صور (السيلفي) في باحات المترو ، يتمتع المسافر في هذا المشروع الجديد برحلةٍ سلسةٍ وهادئةٍ وممتعةٍ يشعرخلالها أنَّه في القمة ، والمفارقة هنا أنَّك تكون في القمة من تحت الأرض! نعم ، هذه بعض مظاهر قطر اليوم التي عزَّزت نفوذها في المنطقة والعالم وبات القطريون يتمتعون بثقةٍ أكثر من ذي قبل ويشكلون رقماً مهماً وصعب التحدي بتنميةٍ سريعةٍ ومستقبلٍ واعد.. انتظرونا بمشاهداتٍ أكثر عن هذه البلاد ومعالمها.. عمر الريسان البو خليفة كاتب وصحفي عراقي مقيم في اوربا

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close