جزيرة اللاحلول مقبرة لصفقة القرن !

ساهر عريبي
sailhms@yahoo.com

كشفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أولى ملامح ما بات يعرف بصفقة القرن, التي ظلت معالمها مخفية ومنذ العام 2016 عندما ظهرت تسريبات صحفية تفيد بان البيت الأبيض بصدد وضع خطة لحل النزاع الأطول في المنطقة ألا وهو النزاع العربي الإسرائيلي , لكن ملامح تلك الخطة لم تتضح إلا في شهر مايو الماضي, عندما أعلن ترامب بان صفقة القرن ستنطلق من المنامة عاصمة البحرين!

إذ يستعد صهر الرئيس دونالد ترامب وكبير مستشاريه, ومهندس الصفقة جاريد كوشنر، لكشف خطة البيت الأبيض خلال الورشة الإقتصادية التي ستنطلق في البحرين أواخر هذا الشهر ومن المتوقع أن تناقش الفرص الاقتصادية للفلسطينيين، من خلال تمويلات يقدمها حلفاء واشنطن الخليجيين , تخصص لإعمار المناطق الفلسطينية بعد الإنتهاء من الصفقة التي تقوم على إقامة كيان فلسطيني يخضع للحماية الإسرائيلية.

لكن اللافت هو إختيار المنامة كمنطلق لحل أكبر نزاع في منطقة الشرق الأوسط, وهو النزاع الذي دخل فيه العرب في عدة حروب مع الإسرائيليين طوال القرن الماضي واوائل هذا القرن. وفشلت المؤسسات والمساعي الدولية في حل هذا النزاع وكان آخرها إتفاق اوسلو الذي وقعه الفلسطينيون مع الإسرائيليين في النروج اوائل التسعينات من القرن الماضي لكنه ظل حبرا على ورق الى اليوم, بالرغم من أن النروج دولة رائدة على صعيد حقوق الإنسان فضلا عن انها تمنح جائزة نوبل للسلام.

لقد ألقى إختيار المنامة كمحطة اولى تنطلق منها صفقة القرن ظلالا من الشك بنجاح الإدارة الأمريكية في تسويق هذه الصفقة ووضع حد للنزاع في الشرق الأوسط. لإن البحرين وببساطة هي جزيرة اللاحلول بل إنها الجزيرة التي تغيب فيها انصاف الحلول لحل أزماتها المستدامة فكيف يمكنها أن تتحول الى جزيرة لنشر السلام في الشرق الأوسط! فالبحرين تعاني ومنذ قرابة القرنين من الزمان من تردّ في العلاقة بين الشعب وعائلة آل خليفة الحاكمة منذ وطأت أقدام الأخيرة البلاد قادمة من منطقة الزبارة في قطر قبل اكثر من قرنين. ومنذ ذلك الحين أحكمت هذه العائلة قبضتها على موارد البلاد السياسية والعسكرية والإقتصادية ومارست سياسات الإقصاء والتهميش ضد الغالبية البحرانية من المواطنين.

وكنتيجة لذلك وقعت عدة إنتفاضات في البلاد , ففي اوائل القرن الماضي وعندما كانت البحرين محمية بريطانية إنتفض البحارنة عام 1922 بماعرف بانتفاضة المنامة مطالبين بالعدالة بعد ان أجبروا على دفع العديد من الضرائب التمييزية وبعد ان تعرضوا لسوء المعاملة والاضطهاد. تعهد حاكم البحرين حينها عيسى آل خليفة بالإستجابة لمطالبهم لكنه لم يفعل. وهنا تدخلت بريطانيا وأقدمت على خلع عيسى وتعيين ابنه البكر حمد محله ومن ثم تعيين البريطاني تشارلز بلغريف مستشارا للحكم لتبدأ مرحلة من الإصلاحات وفقا لمبدأ أنصاف الحلول , حيث إزاحة رمز الظلم وتعيين آخر محله وبدء حالة من الإنفراج سرعان ما تتلاشى ليعود التوتر من جديد.

لقد تكرر هذا السيناريو مرة اخرى في الخمسينات من القرن الماضي وكانت الإنتفاضة هذه المرّة ضد بلغريف الذي أصبح الحاكم الفعلي للبحرين, وكانت النتيجة هي تخفيض سلطات بلغريف بشكل كبير قبل مغادرته البلاد لاحقاوالسماح بإنشاء أول حزب سياسي قانوني وهو هيئة الإتحاد الوطني في خطوة تهدف لتحقيق إنفراج سياسي في البلاد.

ثم تكرّر سيناريو أنصاف الحلول مرة أخرى أوائل القرن الماضي عندما اعتلى سدة الحكم حاكم البلاد الحالي حمد بن عيسى آل خليفة خلفا لوالده ليبدأ بسلسلة إصلاحات بعد سنوات من القمع تمثلت بإزاحة مستشار الامن البريطاني إيان هندرسون الذي كان يشرف على الأجهزة الأمنية وإعلان ميثاق العمل الوطني الذي أريد منه فتح فصل جديد في العلاقات بين العائلة الحاكمة والشعب قائمة على إعطاء دور أكبر للبحرانيين في المشاركة في الحركة السياسية.

إلا ان النظام انقلب على الميثاق لاحقا مما ادى الى إندلاع شرارة الحراك المطالب بالتغيير في البحرين منذ فبراير 2011. دخلت البحرين ومنذ ذلك التاريخ أكبر ازمة سياسية في تاريخها كانت لها تداعيات كبيرة على البلاد. فهناك اليوم آلاف المعتقلين السياسيين بالرغم من أن البحرين جزيرة صغيره يبلغ تعدادا مواطنيها قرابة ال 700 ألف نسمة. وأغلقت السلطات الفضاء السياسي والمدني في البلاد وزجت بقادة المعارضة وبأبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في السجن فضلا عن إسقاط جنسية المئات.

لكن الأمر اللافت كان هو ان العائلة الحاكمة لم تلجأ الى انصاف الحلول لوضع حد لهذه الأزمة كما اعتادت من قبل ! بل إنها أغلقت كافة أبواب الحوار مع المعارضة متوسلة بخيار القمع , إذ لم تطرح أي مبادرة للحل او لتقديم انصاف الحلول كما اعتادت عبر التاريخ! ولازالت الأوضاع متأزمة في البلاد ولازالت الأزمة تراوح مكانها مستعصية على الحل. وفي ظل ذلك كيف يمكن للمنامة ان تكون منطلقا لحل أكبر وأقدم ازمة في المنطقة؟ مع الأخذ بعين الإعتبار ان أحد أسباب قبول المنامة إستضافة هذه الورشة الإقتصادية هو سعيها للتهرب من حل ازمتها عبر تقديم التنازلات للخارج عبر هذه الإستضافة التي لم يجرؤ آخرون في المنطقة على القيام بها.

لكل ذلك فإن مثل هذه البلاد التي تمتلك خزينا من الطاقة السلبية التي تقاوم الحلول بل وانصاف الحلول لن تكون بيئة مناسبة لإنطلاق السلام, ولقد أخطأت إدارة ترامب في إختيار المنامة محطة لإنطلاق صفقة القرن ولعلها بهذا الخطأ حوّلت هذه الجزيرة الى مقبرة ستشهد دفن هذه الصفقة في مهدها والى الأبد!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close