لماذا لقب الشاعر أحمد بن الحسين بالمتنبي؟

مقدمة:

في ذات مرة وأنا أتصفح النت، مرّ على ناظري قولاً يتصدر صفحة المدينة، للدكتورة نورة الشملان أستاذة الأدب في جامعة الملك سعود بالرياض، تدعي فيه” إن الشاعر العربي أبو الطيب أحمد بن الحسين الشهير بـ «المتنبي» قد وجد في إدعاء النبوة طريقًا قصيرًا لتحقيق المجد”.¹

فشغلني الأمر؛ لعدم إمكان تصديق ذلك! والغريب في الأمر إن رأيها لايدل على صدوره من مثقف ذو مستوى علمي رفيعٍ مرموق مثلها، وإنما على من يعلم الشيء القليل عن قدر وعظمة المتنبي في معاني أشعاره ونظمه ورفعة نفسه وذكاءه، فحدثتني نفسي رداً عليها: كيف أمكنه ذلك وهو الذي نشأ وتربى في مجتمع إسلامي لايسمح له بمثل هذه الحرية والإدعاء، ولو حصل فسأستغرب عدم قطع رأسه! كما لا أعتقد أن من مثله بهذا المستوى في التفكير، لايجد طريقاً غير الإدعاء بالنبوة للإشتهار كشاعر بسرعة الضوء، فلا هو غبي ولاغابت شواهد الحكمة وعمق الفكر في أبياته.
لذا قررت الخوض بحثاً في تفاصيل هذه الإشكالية للوقوف على حقيقتها لي ولكم.

…….

بدايةً:

الشائع بين الناس عامةً وخاصة: أن المتنبي لُقّب بهذا اللقب لإدعائه النبوة، ولكن عندما تبحث عن جذور هذه الأشكالية في النت، في حوارات ومقالات كتبت، تجد أغلب المثقفين قد إتفقوا على “يقال إدعى النبوة” أما ما ورد في الكتب ومنهم مؤلف كتاب ديوان المتنبي، فلاتُذكَر جلمة “يقال إدعى النبوة” وإنما يباشر بقول، إنه إدعى النبوة، ونشير الى قوله بتصرف :”وقد سمي بالمتنبي لأنه إدعى النبوة….الى أن قال: فلما ذاع أمره وفشا سره خرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيد فأسره ولم يحل عقاله حتى إستتابه”²

وعندما سُأل المتنبي عن المقصد من المتنبي:

” حكى أبو الفتح عثمان بن جني قال: سمعت المتنبي يقول إنما لقبت بالمتنبي لقولي:

أنا ثوب الندى ورب القوافي…..وسمام العدا وغيظ الحسود.

أنا في أمة تداركها الله …. غريب كصالح في ثمـــــود

وفي هذه القصيدة يقول:

وما مقامي بأرض نخلة….إلا كمقام المسيح بين اليهود”³

الى هنا وجدت شواهد سوء الفهم ومصدر الإشكالية، وربما هو مصدر قناعة الدكتورة نورة الشملان الوحيد، لأنه الأكثر إنتشاراً وإستدلالاً في كل مقال، وما دون هذه الأبيات والحبس والإستتابة، لانعتقد بقوتها، ومن هنا زاد فضولي أكثر فأكثر، أملاً في العثور على علة أخرى؛ لأن الأبيات أعلاه لاتدل على شيء إطلاقاً ولاتصلح كدليل على إدعائه بالنبوة، ولا قصة الحبس والإستتابة دليل صادق على فهم التشبيه حقيقي بالأنبياء، لتثبت عليه قضية الإدعاء بالنبوة وليُلقب بالمتنبي! هذا ما لايمكن وقوعه، وسنبين ذلك لاحقاً.

إطلعت بعدها على رأي مؤلف ديوان المتنبي في حكاية أبن جني، فوجدته قد أنكر حكاية جواب المتنبي وبيان سبب التلقيب، بالرغم من إن بن جني من أصدقاء المتنبي المقربين، وحجته في إنكاره، يقول :

” فهو يعلم ( أي: المتنبي) إن الناس لايطلقون عليه ذلك تشبيهاً له بالأنبياء. وإن كانت هذه الصيغة قد تستعمل لأفادة التشبيه”. ⁴

لو تفحصنا الأبيات أعلاه وجدنا، إن التشبيه فيها مرسل وليس مؤكد، ومنه لا إمكان لعده دليلاً على إدعاء النبوة، كما يدعون ويشيعون، فكيف إقتنعت الدكتورة نورة الشملان بمثله دليل؟

ولذا نعتقد إن أعداءه من الشعراء خاصة، هم من أشاعوا الفهم الباطل للأبيات بين الناس، ولقبوه بالمتنبي لإثارة حفيظة الناس وخليفتهم عليه دينياً، ومنه لرواج سوق أشعارهم التي كُدّست ونفقت بسبب أشعار المتنبي، وعليه لا نستغرب عندما نتفحص فيما كتب عن المتنبي، أن نجد آثار للقصص حول عدم صلاته أو قصص إفتروها عليه، تجعل منه شخصاً مرسل من الله وله كرامات، وشواهد خصوم المتنبي كثيرة، نذكر منها صدر الشعراء المشهور بأبو الحسن لنكك البصري* والذي أنشد وقال:

ما أوقح المتنبي …… فيما حكى وإدعاه
أُبيح مالا عظيما … …….حتى أباح قفاه
يا سائلي عن غناه ……مِن ذاك كان غناه
إن كان ذاك نبياً … …….فالجاثليق* إله.⁵

لقد أستغل خصومه التشبيه الحاصل بالمسيح ونبي صالح في أبياته، لتوثيق ذاك الإدعاء والإستشهاد به في كل مقال.
ولتفكيك وإيقاف ثقافة سوء فهم الأبيات، وحكم إدعائه للنبوة، أوضح الأمر كالتالي:

إن التشبيه الحاصل بالمسيح وصالح في أبياته، هو تشبيه مرسل لامؤكد، فمقام كلماته كرفعة وعظمة قول وحكمة بينهم كمقام كلمات نبي لكنه ليس نبي أو يدعى النبوة، والله نفسه إستخدم التشبيه المرسل عن نوره بقوله ”
ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةࣲ فِیهَا مِصۡبَاحٌۖ “⁶

فهذه لغة وهذا هو اللسان التعبيري العربي، نلجأ للتشبيه لحاجتنا الى إيصال معنى صوري لانصل اليه إلا به، كقولنا ركض فلان كالغزال، أو وثب فلان كالأسد، فالتشبيه للتمثيل، وفي مثال وثب زيد كالأسد، فالتشبيه هو لتتَمَثُّل شجاعة الأسد بزيد في عيون المتلقي السامع/ القاريء للجملة، ليصيبه شعور التعجب والإنبهار من شجاعته. ولذلك حقاً يعلم المتنبي أن الناس لايطلقون هذا اللقب عليها تشبيهاً بالأنبياء، لعلمهم أن المتنبي لم يُصَيِّر نفسه نبيا أو إلهاً في تشبيه مكانته بصالح والمسيح، لأن التشبيه في الحقيقة كما فهمه الناس، هو لمكانة القول من حكمة وقول سديد، بمكانة قول صالح والمسيح، ولعلم مسبق للناس وللمتنبي عن قوم صالح الذين كانوا دون مستوى الفهم، لايذعنون لصالح، ولايفقهون حديثه، وكذلك لعلم مسبق عن قوم المسيح، فالمسيح كما هو معلوم قال:

لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ».” ⁷

فللمبالغة بالتعالي بشأن عظمة معانيه في شِعره وكلماته ومكانته بين قومه ، جعل منزلة كلماته من منزلة أقوال الأنبياء ومكانتهم التأديبية والأصلاحية لمن حولهم، مع فارق أنه يأتي بعلمه وحكمته من ذاته وهم يأتونها وحياً من الله، وكما لكلامهم بطون من المعاني، كذلك تخفى المعاني في شعره على أعظم الفحول اللغوية والشعرية، ونستشهد بقول الواحدي في مقام لغة وشعر والمتنبي.

يقول الواحدي:

“ولهذا خفيت معانيه على أكثر من روى شعره من أكابر الفضلاء والأئمة العلماء حتى الفحول منهم والنجباء كالقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب الوساطة وأبي الفتح عثمان بن جنى النحوي وأبي العلاء المعري وأبي علي بن فورجة البروجردي رحمهم الله تعالى وهؤلاء كانوا من فحول العلماء وتكلموا في معاني شعره مما اخترعه وانفرد بالاغراب فيه وأبدعه وأصابوا في كثير من ذلك وخفى عليهم بعضه فلم يكن لهم غرضه المقصود لبعد مرماه وامتداد مداه”⁸

وقال الواحدي فيه أيضاً:

أنه كان صاحب معان مخترعة بديعة ولطائف إبكارٍ منها لم يسبق إليها دقيقة ولقد صدق من قال:

ما رأى الناس ثاني المتنـبـي…
أي ثان يرى لبكر الـزمـان
هو في شعره نبـي ولـكـن…
ظهرت معجزاته في المعاني”⁹

لذا نعتقد كخلاصة وإستنتاج، إن سبب ولادة هذا الفهم عند البعض من المثقفين والأدباء، سابقاً وحاضراً: هو من رحم ثقافة الإفتراء والتصيد بالماء العكر للمتنبي، وثقافة التنابز بالألقاب لتسقيطه بين الشعراء والخلفاء والناس كافة، ومن إعتقد بإدعائه حقيقةً، فقد أساء فهم مقصد التشبيه بالأنبياء دون أدنى شك وصدَّق خصومه.

علاء هاشم الحكيم
2010602

المصادر:

¹..موقع المدينة. دليل الخبر :أن الشاعر العربي أبو الطيب أحمد بن الحسين الشهير بـ «المتنبي» قد وجد في ادعاء النبوة طريقًا قصيرًا لتحقيق المجد.

²..ديوان المتنبي كتاب الكتروني – ١٩٨٣- بيروت، صفحة ٥

³..أبو الطيب المتنبي له وماعليه كتاب الكتروني ص ٢١.

⁴ ..نفس المصدر ص٢١.

⁵..أبا الطيب المتنبي له وما له عليه ص٤١.

⁶..سورة النور ٣٥.

⁷..(مت 15: 24)

⁸ ..شرح ديوان المتنبي الكتروني- مكتبة مشكاة-ص٣.

٩ .. نفس المصدر ص٢

* أبو الحسن المعروف بابن لنكك البصري الشاعر الأديب، كان فرد البصرة وصدر أدبائها في زمانه، أدركته حرفة الأدب فقصر به جهده عن بلوغ الغاية التي كانت تسمو إليها نفسه، إذ كان التقدم في زمنه لأبي الطيب المتنبي وأبي رياش اليمامي فكسدت بضاعته بنفاق سوقهما وانحط نجحه عن مطلع سعادتهما فولع بثلبهما والتشفي بهجوهما وذمهما فكان أكثر شعره في شكوى الزمان وأهله :معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب)
الجزء والصفحة : ج٥، ص٤١٥-٤١٩.

* ..الجاثليق: الجاثَلِيق عند بعض الطوائف المسيحية الشرفية : مقدَّم الأَساقفة والجمع : جثالقة. قاموس المعاني.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close