(ايها الانسان اعرف نفسك) !

* د. رضا العطار

هذه العبارة التي اعتبرها سقراط وحيا سماويا، قد بدّلت تاريخ الفلسفة وصرفت المفكرين عن النظر الى العالم الخارجي لتفسير الكون والتبحر في الطبيعيات واتخاذ المحسوسات اساسا للبحث واشغال العقل في العناصر الاربعة :
– الماء والهواء والنار والتراب – الى التفكير في الانسان نفسه، لا في جسمه بل في عقله. او بتعبير آخر بدأ الانسان يتعقل عقله – – اي ان الفكر اخذ يدور على نفسه. ومن هنا كانت نقطة انطلاق المثالية التي رافقت الفلسفة في خلال العصور اللاحقة.

يزعم بعضهم ان سقراط اتى ببعض محاولات الديالكتية، اذ كان يقابل بين الاضداد ويقايس بينها في الجدل. ليستخرج منها معا شيئا جديدا. بل كان يستهدف توليد الحقيقة – كما كانت امًه القابلة تستولد النساء فيعارض بين الادلة ليبين وهن بعضها وقوة بعضها الاخر ويتظاهر بالجهل على حين انه يبغي تجهيل خصمه واقحامه – – وكثيرا ما كان يتركه معلقا فريسة الشك. ومعلوم ان هذه الطريق ليست من الديالكتيكية في شئ ولكنها سبيل الى ترسيخ المفاهيم الاساسية العامة في الاذهان. اخذها افلاطون عن استاذه سقراط ورفعها الى الاوج فاصبح بذلك حامل لواء المثالية.

ورب معترض يقول ان هذا الراي افتئاتا على الحقيقة. فلقد كان افلاطون امير الديالكتيك حتى صار مضرب الامثال. لا ريب ان افلاطون حاول تركيز هذا المذهب ووسع مجال الجدل واخرج المحاورات عن النطاق الاخلاقي وبسطها جميعا فلبى بذلك نداء العبقرية واستجاب عقله البناء ومخيلته الشعرية الرائعة، برغم تعريضه بالشعراء ونبذهم من جمهوريته. وقد افضت به ابحاثه الى الميتافيزيقية – – الى فكرة الخير والكمال القائم بذاته، اي الله.

وقد افضت جهود افلاطون المباركة الى وضع الاضداد او بالاحرى المتقابلات، فقال بالمتساوي واللامتساوي، والجمود والحركة، والكل والجزء، البداية والنهاية، الكائن بذاته والكائن بغيره، وقد رسّخ المفاهيم العامة على مبدأ التناقض، فكان يسأل ويهمل الجواب. يزرع ولا يحصد. وكان الشبه بينه وبين الرومانسية الالمانية، في الخلط بين الصراع الميتافيزيقي اي المثالي والصراع في صميم الوجود. الذي يجري في صدر الكائن الحي. في قلبه النابض لا في عقله المفكر فقط.

اذن فماذا فعل افلاطون ؟ – – لقد لملم ما بعثره اسلافه من المفكرين واسبغ عليه حلّة من عبقريته ووضع له نظاما محوره (المثل) الازلية وبهذا تم النصر للميتافيزيقيا.
لقد شاهد النبي الله موسى ارض الميعاد ولمح خصبها وجودتها التي تدر لبنا وعسلا. وتاق اليها. ولكنه لم يدخلها.
لقد لاحت في الافق بوادر انهيار العالم القديم وبدأ الغليان على اشده – لكن هذه البذور لم تخصب، نظرا لاضطراب الحالة الاجتماعية في فرنسا، وتقصير الطبقات المسحوقة، غالبية الشعب في ظل الارستقراطية والطبقة المحكومة عن بلوغ الحكم.
ان الصراع الفكري المتمثل في الطبقة العاملة يستمد غذاءه من المحسوسات وهو صورة لها، ومن اين تاتي الصورة اذا انعدم الاصل ؟

* مقتبس من كتاب (الصراع في الوجود) لمؤلفه بولس سلامة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close