عيد الفطر يفرقنا؟!

علاء كرم الله
أن واحدة من أهداف الأحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 هو تمزيق وتدمير البناء الأجتماعي والفكري والمذهبي للأمة العراقية وذلك من خلال أثارة الفتن وزرع وخلق الأختلافات بين مكونات المجتمع العراقي.
وقد نجح الأمريكان في ذلك نجاحا باهرا!، معتمدين في مخططهم الجهنمي هذا على دول المنطقة ودول الأقليم الذين تدخلوا بالشأن العراقي الداخلي، حتى أوصلوه الى ماهو عليه من حال لا يحسد عليه ومن فرقة وخلاف بين جميع مكوناته الأجتماعية والدينية والمذهبية والقومية.
المؤلم في تحقيق ذلك المخطط التدميري هو أن العراق كان مهيئا لذلك بسبب من تكوينه الديني و الأثني والعرقي والطائفي والقومي والعشائري!، وخاصة بعد ما مر به من حروب وأزمات وحصار أبان فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي،
والتي أحدث خللا كبيرا وتصدعات واضحة في نسيجه الأجتماعي وكذلك في البنية التحتية الفكرية والأخلاقية للمواطن العراقي، فلم يجد الأحتلال الأمريكي وكل عملائه في الداخل والخارج أية صعوبة! في خلق وأثارة الفتنة الطائفية والمذهبية.
ندخل الى صلب الموضوع، فعلى الرغم مما يفترض أن يكون عليه عيد الفطر المبارك مناسبة للسلام والتسامح والمحبة ووأد الخلافات أيا كانت وخاصة المذهبية منها،
بأعتبار أن هذا العيد هو الأحب عند الله لأنه يأتي من بعد أنتهاء شهر رمضان وهو من أحب الشهور عند الله عز وعلا حيث أنزل في ليالي القدرمن هذ الشهر القرآن المجيد، ألا أنه ومع الأسف يأتي عيد الفطر في كل عام، ليفضح حقيقة بقاء أختلافنا وفرقتنا ، مهما أدعى وصرح رجالات هذا المذهب وذاك بأنهم لا يختلفون ولا فرق بينهم!.
المؤلم في الأمر أن كل الحكومات التي قادت العراق من بعد 2003 ولحد الآن ومع الأسف نأت بنفسها بعيدا عن ذلك الأختلاف وكأن أمر هذه الأمة وتمزقها وتشتتها وفرقتها لا يعنيها بشيء!،
فلم تبذل أي جهد أو حتى تحاول في كيفية حسم الأختلاف في هذا الأمر وبشيء من المركزية حفاظا على وحدة النسيج الديني والمذهبي والطائفي للشعب من أية تمزق، والمتمثل في تحديد يوم بداية صوم شهر رمضان وتحديد أول أيام العيد؟!، وتركت الأمور على علاتها، وأكتفت فقط بجعل عطلة عيد الفطر فيها يوم زيادة !، وذلك لأرضاء كلا الطرفين وتلافي الأحراج من هذا الطرف المذهبي أو ذاك!.
وهنا لا بد من الأشارة بأن حكومات ما بعد 2003 ساهمت بقصد أو بدون قصد في تعميق هذا الخلاف وتجذيره!، عندما أنشأت وزارة الأوقاف ديوانين!، أحداهما للوقف السني والآخر للوقف الشيعي، وهذا الوقفان في حقيقة الأمر أصبحا هم عين المشكلة الطائفية والمذهبية بالعراق وبؤرتها، بل هم صاروا بؤرة الخلاف والأختلاف بين العراقيين!.
المضحك في أمر الأختلاف بين الطرفين في تحديد بداية شهر رمضان ويوم عيد الفطرهو فقط يوم واحد لا غير!.
حتى صار هذا الأختلاف والخلاف موضع تندر وضحك لا يخلوا من أستهزاء بين العراقيين!، حيث صار معلوما لدى عموم العراقيين، بأنه أذا صاموا السنة يوم السبت فالشيعة يصومون يوم الأحد حتما!
أن كان برؤية الهلال أو بدونه، بالعين المجردة أو عبر المراصد والتلسكوبات!، وأذا أعلن الوقف السني أن العيد يوم الأحد فالوقف الشيعي سيعلن العيد يوم الأثنين حتما!، وهكذا جرت الأمور منذ 2003 ولحد عيد الفطر الحالي الذي ظهر الأختلاف فيه كبيرا وواضحا ليس في العراق فحسب بل بين عموم الوطن العربي!؟، والمصيبة الأكبر أنك لا تعرف من هو على خطأ ومن هو على صواب؟!.
من جانب آخر وبسبب كل هذه المنغصات وغيرها بات الكثير من العراقيين في دواخل انفسهم لا يعيرون أهتماما مثل ذي قبل لتلك المراجع أيا كانت؟! ،لأنهم يرون بأن تلك المراجع لم تجلب لهم، ولم يجنوا منها غير المصائب والأختلافات والفرقة والموت!.
ومن النكات التي يتداولها العراقيين في أحاديثم بهذا الخصوص ، بأنه أذا السنة دخلوا الجنة يوم السبت، فالشيعة يدخلوها يوم الأحد! وهكذا. ( يا أمة ضحكت من جهلها الأمم )!.
ومن أطرف نكات العراقيين على هذا الأختلاف، ما رواه احد العراقيين وبكل طيبة وبراءة قائلا ( عمي وله خبصتونه هذا يكول باجر عيد وذاك يكول أكمال العدة، وأحنه كبل ألله كفيلكم، جنه نروح لمكتب أبو شمس بمنطقة الحبيبية لبيع المشروبات الكحولية تالي الليل، أذا شفنا مفتح يعني باجر عيد وأذا معزل يعني أكمال العدة! بله دوخة راس ولا كلشي).
وكم كان بودي أن يتفق العراقيين ولو مرة واحدة على تحديد يوم الصيام ويوم العيد بعيدا عن رؤية الهلال بالعين المجردة أو عن طريق المراصد، وأن يكون أتفاقهم من أجل لحمة العراقيين ومحاولة لرتق ولو جزء بسيط مما تعرض له نسيجهم الأجتماعي من تمزق، وأنا على يقين تام! بأن الله عز وعلا سيجزيهم بذلك خير الجزاء لأنه الأرحم بعباده.
ولأن الأعمال بالنيات كما يقال، فأذا كانت نية ورغبة الوقفين ( السني والشيعي)، هو تقوية أواصر العراقيين ولم شملهم وتمتين وتقوية نسيجهم الديني والطائفي فلا شك بأن تلك الخطوة ستكون الأقرب الى الله عز وعلا والأكثر ثوابا ومغفرة!، ولكن هيهات هيهات أن يفكر الوقفين في ذلك ولا حتى مراجعهم العليا!.
أخيرا نقول: لكل مراجعنا العظام ولدوائر أوقافنا السنية والشيعية منها ، منذ زمن ليس بالقصير والعراقيين لم يعرفوا طعم العيد وفرحته بل صار العيد مناسبة لزيارة قبور الأحبة وفلذات الأكباد الذين فقدوا وماتوا في ظروف وأسباب كثيرة ومتعددة منذ ثمانينات القرن الماضي(الحرب العراقية الأيرانية) ولحد الان.
أقول كفاكم خلافا وأختلافا وأتفقوا ولو لمرة واحدة رحمة ورأفة بالعراقيين ولا تجعلوا من رؤية الهلال من عدمه بالعين المجردة أو بالمراصد سببا في خلافكم وكونوا عراقيين قلبا وقالبا ولا تتبعوا هذه الدولة أو تلك في موعد صيامكم وعيدكم وكونوا مراجع لأنفسكم فأنما الأعمال بالنيات ولا يزكي الأنفس ألا الله، ولا تجعلوا من عيد الفطر مناسبة لفرقتنا بل أجعلوه عنوانا لوحدتنا ومحبتنا وتآلفنا. والله من وراء القصد.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close