الثقافة الموتية والإنتحار!!

المتعارف عليه وفقا للدراسات والملاحظات أن نسبة الإنتحار تقل في زمن الحروب والويلات الجسام , وتزداد في وقت السلام , وهذا سلوك بشري يصعب تفسيره في أغلب الأحيان , لكن الذي يشد الإنتباه أن في بعض المجتمعات المبتلاة بالويلات والحروب والنواكب , يتم التحدث عن زيادة نسبة الإنتحار مما يعني أن هناك ما يساهم في دفع السلوك البشري إلى خارج مجراه المتعارف عليه.

وفي هذه المجتمعات التي تتفاقم فيها الإنتحارات مع تعاظم النواكب والويلات هناك مشترك واحد وسائد , وخلاصته أن الأحزاب التي ترفع رايات الدين هي المتسلطة على مصير الناس , وأن ذوي العمائم هم الذين يقودون المجتمع ويحشون الرؤوس والنفوس بالأضاليل والأفكار , التي تحولهم إلى قطيع خانع ومستسلم ومتيقن أن هذا هو قدره الذي عليه أن يقبله ولا ينبس ببنت شفة.

وفوق ذلك فأنها تصدح على المنابر وفي وسائل الإعلام والمواقع بثقافة الموت الذي يأخذ الناس إلى جنات النعيم , فما يعظون به هو الدفع بإتجاه الموت وتحبيبه إلى النفوس ونكران قيمة الحياة وتبخيسها , وإعتبارها إثما وخطيئة على البشر أن يتخلص منها ويتحرر من أوزارها.

ويبدو أن لهذه الثقافة السوداوية التيئيسية ربما دورها الفعال في دفع الناس وخصوصا الشباب منهم إلى الموت إختيارا , لأنه سيخلصهم من وجيع الحرمان والقهر والتيهان في دروب الحياة المحشوة بالعثرات والمصدات العدوانية الشرسة.

ويغفل الباحثون والدارسون لسلوك الإنتحار دور ثقافة الموت الشائعة في المجتمع , ربما خوفا أو رهبة أو تجنبا للمساس بالأوثان المقدسة , التي صار الناس يتعبدون في محاريب أضاليلها ودجلها الفتان.

ولا يمكن لبحث أن يكون رصينا إذا إتخذ منهج الإنتقاء وغابت عنه الجرأة المتطلعة للحقيقة العلمية والسلوكية الفاعلة في تحقيق الحالة أو الظاهرة.

ولا بد من القول وبكل قوة ووضوح , أن الثقافة الموتية التي تعبر عنها المنابرالمؤدينة بأنواعها لها الدور الكبير في تعزيز قيمة الموت وتدمير الحياة , لأنها تلغي قيمة الإنسان وتحوله إلى عبد أو رقم تفعل به ما تشاء وترغب بإسم الدين الذي تدّعيه , وهو على قياس هواها ورغباتها المطمورة.

ولهذا فأن العلاقة واضحة وتتناسب طرديا مع زيادة عدد ودور هذه المنابر في المجتمع , فكلما زادت زاد الإنتحار والإجرام , وهذا ينطبق على الأحزاب التي تسمي نفسها دينية , وما هي إلا إجرامية تلبس قناع الدين.

وعليه فأن الإنتحار سيتفاقم مادام دور الوعاظ الموتيين في تزايد , وسلطتهم صارت مطلقة وتأثيرهم شديد وفعال.

فهل من شجاعة ومواجهة والقول بأن الثقافة الموتية تحث الناس على الموت , وتمنعهم من ممارسة الحياة الحرة الكريمة , لأنهم قد حولوها إلى خطيئة عند غيرهم ونعيما لذيذا عندهم؟!!

وإن أكثرهم ماركات تجارية مسجلة في دواوين أباليس الشرور!!

د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close