المؤامرة وعدم الايمان بنظرية المؤامرة

عبد الرضا حمد جاسم

كُنتُ انوي ترك تعليق على مقالة الأستاذ الفاضل الدكتور صادق السامرائي: (مؤامرة ولا مؤامرة/المثقف /10/06/2019) لكن عدلت عن ذلك حيث وجدته تعليق طويل…فقررت ان اُعيد ترتيبه ليكون بهذا الشكل.

أسجل الشكر والتقدير والاحترام للأستاذ الفاضل دكتور صادق السامرائي على تطرقه لموضوع نظرية المؤامرة تلك التي تحيط بنا وتربك الكثير من أمور حياتنا على كافة الصُعد الشخصية و”المناطقيه” والعامة عراقياً والعامة عربياً والعامة اسلامياً والعامة عالمياً.

معروف تاريخ استخدام مفهوم (نظرية المؤامرة) او من أطلقها حيث يمكن ان يجد من يبحث عن ذلك، ما يريد في أرشيف الانترنيت. ولكن ما اريد ان اضيفه هو انه انتشر اعلامياً بشكل هائل في محيطنا الجغرافي على الاقل عندما اشتدت الحالة لتمرير المؤامرات فبدأ استخدامه في وسائل الاعلام الغربية بشكل كبير موجهاً نحو المنطقة بعد عام1990 أي بعد دخول الجيش العراقي للكويت وتم التركيز عليه ليتلقفه المقصود بتمريره اليهم وهم المثقفين او الكتاب والقراء والناشطين السياسيين ومعهم المجموعات المتملكة للمال والسلطة بأشكالها في الشرق و الغرب العربي والاسلامي وذلك عن طريق العاملين في مراكز الدراسات في الغرب و الشرق من العرب وغير العرب حيث بدأوا بأطلاق عدم ايمانهم بها في مقدمة كل ما يكتبون او في بداية كل مقابله اذاعيه او تلفزيونيه لترسيخ ذلك واشاعة استخدامه و نجحوا في ذلك ليظهر المثقفين العرب وحتى السياسيين منهم سواء من الحكومات او من خارجها وغيرهم يقدمون كل موضوع بإعلان براءتهم من “عار” نظرية المؤامرة حيث صارت “بسملة” كل فرد منهم “”أنا لا أؤمن بنظرية المؤامرة”” حتى لو كان الحديث عن خطأ حكم مباراة بكرة القدم، خوفا من ان يوصم بانه يؤمن بها، وهذا عار لا يريد ان يوصم به و يرافقه في حله و ترحاله ورزقه و نشاطه حيث سيكون في منزلة ادنى من زملاءه الغربيين و الشرقيين الذين اطلقوها و نشروها كما يتصور… يقابل قوله هذا مُقابِلُه المعني بابتسامه و انشراح تدخل الطمأنينة الى قلبه، حيث سيعرف انه صار من علية القوم، و هنا تحقق لمن اطلق عدم الايمان بنظرية المؤامرة ما يريد حيث صار الأجير المقابل له سهل الانقياد وبذلك تخلص “المُطْلِقْ” من حالات الشك التي تراود كل من يتعامل معه ليسهل الطريق له مع تفوق اعلامي كبير ادى الى ترسخ هذا “المفهوم”. حيث إذا نطق به “الكبار” “النُخَبْ” وتداولوه لصق على شفاه “الصغار” العامة الذي تربوا على قال فُلان ورد/ عَّلَقَ علانْ وساروا ينشرونه في مكانه وخارج مكانه، في محله في كل محل، في وقته وخارج وقته…

وكان اول اختبار لها ” نظرية المؤامرة” ما تسرب عن لقاء السفيرة الامريكية في بغداد “كَلاسبي” بعد ان شرحت للصحافة ما تيسر لها من لقائها مع صدام حسين قبل ايام من اوامره بدخول الكويت وما تبع ذلك من اكاذيب سرقة حاضنات الخدج (الولادة قبل الوقت المحدد) من مستشفيات الكويت ورسائل التطمين التي حملتها الشخصيات التي التقت صدام حسين والتي وصلت بغداد من سياسيين عرب وأجانب ورجال دين ومسؤولين وغيرهم. اللذين توسطوا لإطلاق سراح الأجانب الذين احتجزهم صدام كدروع بشريه.

وما سميت بنظرية المؤامرة هي ليست نظرية بالمعنى الدارج العام للكلمة حيث تقبل الدحض والتشكيك حالها حال الرأي والفرضية بل هي أقرب الى النظرية العلمية كما اعتقد حيث تدعمها الحقائق وهي تقدم تنبؤات وتتوقع نتائج او تحدد مسار يوصل الى نتيجة واحتمال تحققها عالي وبُنيت عليها آمال واضعيها والمخططين لها والمنفذين المطبقين لبرنامجها

هي حقيقية في الحياة حققت نتائج هائلة تقترب من اي نظرية علمية وربما تفوق النظرية النسبية فيما حققته… وفي محاولتهم التشكيك بتلك الحقيقة والعمل على الغائها وتحويلها الى وهم قالوا انها نظريه عامة. اي انها مجرد رأي او فرضية اي يمكن ان تكون صح او خطأ أي انها قابله للدحض والتشكيك والمناقشة التي لا تنتهي بين ادلة اثبات وادلة النفي وهذا يعني ان مجال الشك بوجودها وتأثيرها وارد ويمكن انتقادها وتفنيدها ومن ثم نفيها وربطها بالضعف والتخلف عن الركب و عدم القدرة على الانتصار او النجاح لخلل عميق في التكوين الشخصي و الوطني و القومي و الديني بالتالي يشاع عدم الايمان بها او يعمل على نشر ثقافة عدم الايمان بها ليسهل تمرير كل المؤامرات وتمرير نتائجها واثارها وتقبل الاخر لما تسفر عن تلك المؤامرات من اضرار وخسائر. وهذا الذي حصل وأنتج ما نحن فيه/عليه اليوم…فلا تقول احتلال العراق مؤامرة ولا تقول ان صفقة القرن مؤامرة ولا تقول ان سيطرة داعش على أكثر من ثلث مساحة العراق وسوريا مؤامرة ولا تقول ان “الربيع العربي” مؤامرة ولا تدمير سوريا مؤامرة ولا تدمير ليبيا مؤامرة ولا تقطيع الخاشقجي مؤامرة…

فلا تشك ولا تسأل ولا تفكر ولا تحلل فكل شيء جاهز وخلاف الجاهز هناك وصمة العار أي ايمانك بنظرية المؤامرة. “خلي راسك بارد ولا تدوخ نفسك وهاي قسمة ونصيب وما قدر الله فعل والداء فيكم وهذا من ضعف الايمان…الخ من مثل هذه الاقوال”

وقد استطاع الاعلام ودوائر المخابرات أطلاق الكثير من المفاهيم التي ارادوا ترسيخها في عقل السياسيين والكتاب والمواطنين العاديين ليتسنى لتلك الدوائر تنفيذ ما تريد ويريدون من إطلاق تلك المفاهيم ومن الامثلة على ذلك ما اُطلق عليه مناطق حظر الطيران في العراق جنوب وشمال العراق لحماية الاكراد في الشمال والشيعة في الجنوب بعد احداث 1991 وخروج الجيش العراقي مهزوما من الكويت وتم التركيز ليتلقفها المثقفين والسياسيين في كل العالم ومن كل المدارس الفكرية من اقصى اليسار الى اقصى اليمين ورددوها وبنوا عليها لتعتبر بعد ذلك واقع مررت من خلاله كل مخططات تفتيت وتدمير العراق (شمال كردي ووسط سني وجنوب شيعي) ونسوا ان اكثر الشيعة هم في وسط العراق(كنا هنا نعاني وحتى يتم التشكيك بما نقول عندما نخبر البعض من الاوربيين و حتى العرب ان مراقد الشيعة هي خارج خطي العرض 32 و36 وعندما نقول لهم ان اكثر من نصف سكان بغداد العاصمة هم من الشيعة وفيها احد مراقدهم المهمة/الكاظمية…وعدد الاكراد في بغداد ربما اكثر من 10%من الشعب الكردي).

وبعد عام2003 اطلق الاعلام الذي تواجد في العراق مفهوم(دولة الرئيس) على رئيس الوزراء ورئيس البرلمان وهذ المفهوم غير متداول قبل ذلك في العراق أطلاقاً ليتلقفه الصحفيين العراقيين ويتمنطقون به معتبرين ذلك جزء من تطور قدراتهم لينتقل الى السياسيين واصبح هو السائد حتى ان احد الصحفيين العراقيين خاطب رئيس العراق الراحل جلال طالباني بقوله سيادة دولة الرئيس فأجابه انه رئيس جمهوريه وليس دولة الرئيس التي تطلق على رئيس الوزراء.(هذا مثال على تلقف الضعفاء ما يطلق امامهم من فقاعات او مفاهيم وكيف يتحول ذلك الى الاستعمال اليومي حتى عند عامة الناس).

وعندما تسأل عن محاولات اثارة المشاحنات الطائفية في المنطقة تسمع الكثير من المعلومات عن الجهات والاتجاهات والفاعلين والممولين والمتطوعين والفقه الذي يثير تلك الأمور ولا تسمع عن مؤامرة. وعندما تسأل عن استهداف الكنائس ومحلات الصابئة في العراق يقولون انها خطه لتهجير السكان الاصليين وسرقة املاكهم كما حصل عند منتصف القرن العشرين مع اليهود في العراق وغيره. هنا فقط يقولون انها خطه ولم تسمع منهم في كل ما قالوا ان في ذلك الذي جرى ويجري ولو 1%منه مؤامرة. لأن المؤامرة في خزينهم العميق هي من الغرب على العرب فقط لذلك يعللون البراءة من الايمان بها.
لا اقصد بان المؤامرة غربيه فقط كما رَسَخَ في أعماق الأغلبية و لو أن اكثر المؤامرات منهم ،انما اقصد انها موجوده ومستخدمه بدقه وبكثره لذلك تراها على كل الألسن وبكل اللغات وبكل العصور والازمان ولكن توقف التفكير او توجيه التفكير بها باتجاه محدد هو الغرب وهو ما يثير الشكوك.
ان الإشارة الى وجود المؤامرة أو الايمان بوجود المؤامرة لا يُقصد به ضرب مصالح الغير أو منعهم من تحقيقها وانما يقصد به التحسب لخططهم في تحقيق مصالحهم تلك ومواجهتها بالعمل والتفكير وحتى التواصل مع “المتآمرين” ومناقشتهم لتفهم اسباب حياكتها وليس اللطم والتباكي كما يتصور البعض، لأن “المتآمرون” عندما لا يجدون من يعرف كيف يدير تلك النقاشات او من يتحسب او إذا لم تكن هناك خطط تواجه خططهم…سيفرضون ما يريدون وبذلك تتحقق المؤامرة في تفسير العامة من ان الأخر غدر أو استخدم الحيلة او استغل عدم الفهم او استغل الضعف والتشتت.
أي شخص عندما يشعر بوجود شيء يحاك ضده سيدفعه ذلك الى التحسب وتحسين اداءه والانتباه والتفكير به وفرز العناصر ليحدد مصدر تلك الاخطار ومن ثم يتهيأ لها و يجهز ما يلزم وربما مما يلزم هو مراجعة الذات لمعرفة ماذا دفع الغير لمحاولة الايذاء او التآمر فربما تصرفات او افعال مشينه قام بها الشخص نفسه ادت الى ان يحفز الاخرين عليه ليتم له اصلاح ما يمكن وربما طرق باب الغير للاستفسار والتوضيح والتصالح وازالة الغموض والشكوك والعيش بأمان
وهذا ينسحب على الدول والمجتمعات وهكذا ترى ان المبعوثين يتنقلون في كل مكان والوسطاء ولقاءات الحوارات والمفاوضات التجارية والسياسية تجري في كل مكان في العالم لجس النبض و معرفة ردود الأفعال و تحديد نقاط الضعف و القوة عند المقابل.
لكن عندما تقول لشعب ان لا عدو امامك يحيك لك ما يحقق به مصالحه وان تخلفك هو فيك ومن جذورك العميقة دينيا واجتماعياً تثير الشكوك فيه والحيرة وهو مؤمن مما كنز من معلومات انه مسالم ومشارك ومساهم في الحضارة…هنا انت تدفعه للجنون والاعتكاف والانطواء والتخلف والشك بالجميع و الانكسار وربما سلوك طريق العنف في محاولته للدفاع عن نفسه وهنا الخطورة من التثقيف بعدم الايمان بنظرية المؤامرة او محاولات تحديد اتجاهاتها بشكل ضيق.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close