فنون العراق الجميلة، ابراهيم الموصلي

* د. رضا العطار

ولد ابراهيم الموصلي سنة 126 هجرية، لُقب ب(الفردوس السعيد).
و قد نال حظوة بالغة عند الخليفتين المهدي والرشيد على وجه الخصوص.
يعتبر ابراهيم الموصلي اول من وقع الايقاع بالقضيب وانشأ مدرسة موسيقية في بغداد تتولى تعليم الموسيقى ونشرها بين الناس – – – ومن سوء الحظ ان ما يذكره التاريخ عن هذه المدرسة البغدادية خال من اية قيمة فنية يمكن الركون اليها في معرفة مناهجها التعليمية واصول التدريس، وكل ما نعلم انه كان في مدرسته في بغداد ثمانون جارية يعلمهن فن الغناء. وان هارون الرشيد الذي كان يبذخ في بذل العطاء لمغني قصر الخلافة الى حدّ دفع بأبراهيم الموصلي ان يصرح مرة :
لو استمر خلفاء بني العباس في اكرامهم للفنانين لبنينا حيطان منازلنا من ذهب. والجدير بالذكر ان الرشيد قد طلب من ابراهيم الموصلي ان يختار بعض الالحان التي جائت بعدئذ في كتاب الاغاني لأبي فرج الاصبهاني الذي يروي لنا كذلك ان ابراهيم الموصلي قد ترك لنا بعد رحيله 900 لحن، حتى كان بعضها – لرقة مشاعرها الانسانية – عندما تُغنًى، تبكي الحاضرين (1)

لكن براعة ابراهيم الموصلي في تاثيره بمخلفات سابقيه التقليديين اذ يكن اعجابا كبيرا وعميقا لاشهرهم وهو ( معبد ) الذي يعتبر مثالا، غير ان هذا التاثير لم يكن مكبلا بحرفية محافظة بل بتجديد واسع النطاق في جانبين اساسيين يتعلقان بالحس والافق، الحس هو ما افاضت به عبقريته، والافق هو ما دفع به الى ان يمزج روح الشرق بالنغم العراقي.

هاجر ابراهيم الموصلي بعد ان تتلمذ على يد ( سياط ) في مكة المكرمة الى مدينة الموصل. وقبل ان تفتح له بغداد ذراعيها اتقن الغناء والضرب على العود. ومن هذه المدينة العريقة اكتسب لقب الموصلي ومضى ابراهيم في تقليد (عزة الميلاء )
فاسس مدرسة موسيقية على غرار ما قامت فيه عزة الميلاء، على شكل معهد يعطي تدريبا كاملا للغناء والالقاء والشعر والضرب على العود. وتخصصت هذه المدرسة بتثقيف الجواري اللواتي اشتهرن بجمالهن وصوتهم وبراعتهن الغنائية والادبية. وكانت شروط القبول في هذه المدرسة الفنية (ان تكون حسن الصوت والبراعة في الفن ثم الجمال فالذكاء والادب).

وقد نالت بعض القيان من المنتميات لمدرسة ابراهيم شهرة واسعة في الوقائع التاريخية الموسيقية مثل الجاريات عنان وعلايب ودنانير وبصيص ومحبوبة وغيرهن. ويحكي لنا التاريخ عن قيمة الحس الموسيقي عند ابراهيم الموصلي انه وضع يوما بين ثلاثين ضاربة على العود يعزفن مقطعا موسيقيا في تساوق تام، فتعرف ابراهيم بفضل قدرته الفنية الفائقة على واحدة منهن، كانت تخطيء على الوتر – – –

اما عن حنكته الغنائية فيقول كتاب الاغاني (انه كان يبدأ غالبا باصوات حادة فيبقى اللحن فترة ثم يبدأ بالتخفيف تدريجيا حتى يصل الى الصوت الرخيم ثم القرار، وبعد ذلك يرتفع من جديد نحو الاصوات الحادة وينتقل مرة اخرى من القوي الى البسيط وهكذا حتى ينتهي )

وفي مجال تقنية الغناء حاول ابراهيم الموصلي تحسين نظام المقامات والايقاعات بايجاد فوارق بين الانواع وبادخال ايقاع جديد وضعه بنفسه وفضله وهو (الماخوري) الذي يبدو انه الغناء الطويل المؤدي في ايقاع تقليدي.

توفي ابراهيم المو صلي عن عمر يناهز 62 عاما واعتبرت وفاته يوم حداد وطني في بغداد اذ بكاه الخليفة العباسي وحضر بنفسه الصلاة عليه وفي ذلك تقييم فائق لشخص الفنان القدير المبتكر ولفنه الراقي الجليل الذي لم يحضى به احد في ذلك التاريخ البعيد.

* مقتبس من كتاب حضارة العراق لعادل الهاشمي مع تعليق لكاتب السطور ا

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close