نظرات في كتاب: “مقالة في السفالة” للدكتور فالح مهدي الحلقة الحادية عشرة

كاظم حبيب

البعثية أو التوحش البعثي (1968-2003)

يتناول الباحث العلمي المتميز الدكتور فالح مهدي هذه المرحلة الممتدة بين 1968-2003 بوضوح رؤية ودقة عالية في تشخيصه طبيعة حزب البعث وبنيته وأهدافه الأساسية في العراق، وعلى الصعيد العربي عموماً. وإذ هو يحدد التوحش البعث مع العام 1968-2003، إلا إنه في الواقع بدأ بانقلاب شباط عام 1963، إذ ما جرى في خضم هذا الانقلاب وما بعده جسد مرحلة مديدة تمتد إلى 2003، بل إلى غنها ماتزال مستمرة حتى الآن من حيث الاستبداد والعنف السادي المرضي، وإن ما يجري الآن يعبر عن أشد وأقسى وأمرّ أنواع السفالة التي مورست في السياسة والاقتصاد والمجتمع. يبدا الزميل فالح مهدي هذا المقال من الكتاب بقوله النابت:

“تمثل هذه المرحلة البداية الفعلية لدمار العراق في العصر الراهن، أي بعد أن أصبح العراق دولة معترف بها عالمياً. سأطلق على هذه المرحلة (البعثنة) فهي كالعثمنة ساهمت في دمار العراق. في تقديري إن انقلاب شباط الدموي والفاشي والمبرمج مع وكالة الاستخبارات الأمريكية في عام 1963، مثَّل البداية النزقة التي لم تستمر أكثر من تسعة أشهر، إنما التصفيات البربرية بحق الشيوعيين والقوى المناصرة لهم، مثلت منهجاً لجأت إليه وكالة الاستخبارات الأمريكية لتصفية الشيوعيين في أفريقيا وأمريكا اللاتينية لاحقاً.” (مهدي، الكتاب، ص 140). في هذا المقطع المكثف يكشف الباحث ثلاث مسائل جوهرية في انقلاب شباط الدموي، والتي يستكملها فيما بعد بأفكار مهمة أخرى عن كامل المرحلة الممتدة من 1963حتى العام 2003، وهي:

** إن هذا الانقلاب أعاد العراق إلى مرحلة ما قبل التمدن في العراق بسبب الأساليب الهمجية والأدوات والطرق التي مارست في مواجهة الرأي الآخر أو المخالفين للبعث؛

** وأن هذا الانقلاب جاء بالتعاون والمساندة والتخطيط المشترك بين حزب البعث والقوى المساندة لها من قوميين يمينيين متطرفين من جهة ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي كانت قد وضعت قوائم كاملة عن الشيوعيين وعناوين دورهم، إضافة إلى أسماء الضباط والعناصر المدنية التي كانت تؤيد الزعيم من غير الشيوعيين، وكذلك العناصر والشخصيات الديمقراطية بهدف إبادة الشيوعيين أولاً وقبل كل شيء وكذلك من هم ضد البعث. وبهذا فهو يقول بأن حزب وحكم البعث في عام 1963 كانت اليد الفعلية للمخابرات المركزية الأمريكية في العراق لتصفية من تريد الوكالة تصفيتهم، وبالدرجة الأولى تصفية الشيوعيين والديمقراطيين وأنصار عبد الكريم قاسم.

** العمل على بعثنة الدولة فكراً وممارسة. ولم يكن فكر البعث سوى الفكر القومي اليميني المتطرف والمماثل من حيث الجوهر لفلسفة الفريد روزنبيرغ (1893-1946م)، فيلسوف النازية الألمانية ومنظرها السياسي في الموقف من القوميات والشعوب الأخرى انطلاقا من تفوق الجنس الآري، وفي الموقف من الحكم الفاشي وأساليب ممارسته ومن الحروب، ومن ثم حول موقع ألمانيا في العالم.

ويستكمل الزميل فالح مهدي هذه اللوحة غير البهيجة برأي سديد حول أساليب الحكم وشخصية صدام حسين المشوهة، إذ كتب: إننا أمام إحدى مآسي شكسبير ولاسيما ريتشارد الثالث، ذلك الإنسان القميء الذي تملكته شهوة السلطة والحكم مهما كان الثمن، فقام بقتل كل من اعترض طريقه. لقد صور شكسبير إن الاستيلاء على السلطة بالقوة وسيادة مفاهيم الاغتيالات ينطوي ومن لحظة بناءه على جرح قاتل، ذلك إن هذا الصنف من الحكم ليس له أسس فيتساقط بمرور الزمن.” (الكتاب، ص 143).

في مقال لي تحت عنوان “هل المأساة والمهزلة اجتمعتا في شخص واحد في العراق؟” نشر في الحوار المتمدن في عام 2008 كتبت فيه ما يلي:

“عرف التاريخ الكثير من الشخصيات التي اعتبرت مأساة حقيقية على مجتمعاتها، إذ كبَّدت تلك الشعوب الكثير من الدماء والدموع وحملتهم الكثير من العداء إزاء الشعوب الأخرى، وعرضتهم إلى شتى أنواع الكوارث والمآسي. كان هذا قد حصل حين ظهر نابليون الأول في فرنسا وتحول خلال فترة وجيزة إلى دكتاتور أهوج نظم وقاد الحروب للاستيلاء على أوروبا والعالم وانتهى إلى منفاه ومنها إلى مزبلة التاريخ. وحين ظهر نابليون الثالث في فرنسا أيضاً كان نسخة مشوهة وبائسة لنابليون الأول، وكان ملهاة أو مهزلة في الحكم بكل معنى الكلمة. وتاريخ العراق مليء بمثل هذه المآسي والمهازل. فحين ظهر الحجاج بن يوسف الثقفي وعين والياً على أهل العراق اعتبر مأساة حقيقية لأهل العراق، إذ قتل الكثير منهم وحبس الكثير تحت أشعة شمس العراق المحرقة، فنزيف الدم لم يتوقف، وسيل الدموع لم ينقطع وتمنى الناس أن يذهب دون رجعة. فهو القائل بحق أهل العراق ” أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وأني لصاحبها …” ونفذ قوله. وحين ظهر صدام حسين، صرخت امرأة من أهل العراق بأعلى صوتها وبعد أن رفعت رأسها نحو السماء مستغيثة: “لماذا عدت يا حجاج “! ولكن الحجاج الجديد كان صدام حسين لا غيره. لم تكن عودة حجاج العراق بشخص صدام حسين مأساة فحسب، بل ومهزلة أيضاً. وأي مهزلة تلك حين نضع أمام أعيننا لوحتين، وهما: لوحة وهو يحمل سيفه ويهزه في الهواء أو يحمل بندقيته بيد واحدة ويطلق منها النار، وبين اللوحة الثانية حين اكتشفه الأمريكيون، وهم الذين جلبهم بسلوكه الفاشي والعدواني إلى العراق، أمره وهو مختبئ تحت الأرض وفي حفرة وبتلك اللحية الشعثاء وبجواره مسدسه الذي لم يستخدمه حينذاك، بل كان أحد أسلحته في قتل الناس العراقيين من نساء ورجال. ثم انتهى أمر هذا الدكتور-الذي جسد في سلوكه وافعاله المأساة والمهزلة في العراق- ليستقر في حفرة أخرى هي القبر ويحط كأي دكتاتور أهوج في مزبلة التاريخ. وما أن انتهى العراق من صاحب هذه المأساة والمهزلة حتى ظهر نظير له، شخص آخر ليحتل هذا الموقع ويلعب نفس الدور، ظهر ليشكل في العراق مأساة جديدة ومهزلة جديدة في آن واحد، وكأن العراق مبتلى بالمآسي والمهازل لا تتركه واحدة إلا لتستتلي أخرى … وهلمجرا، إنه الواقع الاجتماعي الذي يعيد إنتاج هذه المآسي والمهازل.” (راجع: كاظم حبيب، هل المأساة والمهزلة اجتمعتا في شخص واحد في العراق؟”، الحوار المتمدن 17/08/2008).

يقدم الكاتب مقالات مهمة في تحليل شخصية صدام حسين ويعتمد في ذلك على مجموعة من الباحثين العراقيين ولاسيما زهير الجزائري ومجيد خدوري وفالح عبد الجبار وغيرهم، وهي ذات أهمية فائقة. ولكني هنا أحاول أن اتطرق إلى الفكر الذي يقف وراء ظهور مثل هذه الشخصيات التي لعبت دوراً تدميرياً في الفكر والممارسة الاجتماعية في العراق طيلة خمسة عقود والتي يمكن أن يعود بها التاريخ ثانية لتعيد صياغة المآسي والمهازل من جديد لاسيما ونحن اليوم نعيش فكراً مماثلاً ومن زاوية أخرى، فكراً دائرياً إسلامياً مغلقاً يمارس الآن قولاً وفعلاً “المآسي والمهازل في العراق” في عراق ما بعد 2003. في هذه الحلقة أحاول أن أسلط الضوء على المصطلح الذي أطلقه زميلي الفاضل (البعثنة) لأهميته فيما

حصل في العراق طيلة 50 عاماً، وبتعبير أدق منذ تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، إنه التفسير العقلاني لمفهوم “البعثنة” الذي مارسه البعث في العراق وحين كان في سوريا أو في أي دولة يمكن أن يصل فيها إلى السلطة.

إن معالجة موضوع من نوع “البعثنة” تتطلب معالجة هذا الموضوع التعرف على المراحل التي مر بها تطور ذهنية وسياسات وممارسات حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق منذ تأسيسه حتى الوقت الحاضر. وسنعالج هذه النقطة بكثافة شديدة فيما يخص العراق وحده والجناح العفلقي-الصدامي في حزب البعث العربي الاشتراكي فقط. وعليه يمكن تقسيم فترة النصف قرن المنصرمة منذ نشوئه في العراق إلى خمسة مراحل، وهي:

1. المرحلة الأولى: فترة التأسيس 1951/1952 – 1958؛

2. المرحلة الثانية: فترة التميز والتهيؤ والانقضاض على السلطة 1959-1968؛

3. المرحلة الثالثة: فترة تكريس النظام ورسم السياسات الاستراتيجية والتكتيكية 1968-1974/1975؛

4. المرحلة الرابعة: مرحلة البدء بالتهيئة الفعلية لتنفيذ السياسات الاستراتيجية 1975-1979؛

5. المرحلة الخامسة: مرحلة الهجوم التوسعي وممارسة فعالة للسياسات العنصرية على الصعيد الداخلي، والسياسة التوسعية والعدوانية وشن الحروب على الصعيد الإقليمي ابتداءً من 1979 حتى الوقت الحاضر، وستستمر هذه السياسات ما دام النظام الراهن قائماً في العراق.

المرحلة الأولى: : فترة التأسيس 1951/1952 – 1958.

تبلورت الأفكار القومية في الصراع ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي في المشرق العربي، في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، وتنامت في الأربعينات وفي ظل الاحتلال والصراع من أجل انتزاع الاستقلال والسيادة الوطنية، وكذلك حول القضية الفلسطينية ووعد بلفور بإقامة دولة عبرية على أرض فلسطين في عام 1917. وفي هذه الفترة برزت مجموعات فكرية وسياسية قومية في مواقع عديدة في بعض الأقطار العربية وبشكل خاص في سوريا ولبنان والعراق. وكانت الجامعة الأمريكية في بيروت إحدى تلك المواقع حيث كان الطلاب العرب من مختلف الأقطار العربية يلتقون للدراسة فيها. وفي داخل الأحزاب والقوى القومية تبلور تدريجاً الاتجاه القومي البعثي وتشكل حزب البعث العربي الاشتراكي من حزب البعث ومن حزب العمل العربي في سوريا في عام 1947. ونقل الطلبة العراقيون الدارسون في لبنان وسوريا وكذلك بعض المعلمين العرب العاملين في العراق أفكار واتجاهات البعث القومية إلى العراق. حيث تشكلت كتلاً صغيرة في الكليات العراقية، ووجدت لها مواقع في داخل حزب الاستقلال. وفي نهاية عام 1951 وبداية عام 1952 تشكل حزب البعث العربي الاشتراكي لأول مرة في العراق، باعتباره فرعاً قطرياً آخر للحزب القائم في سوريا. واعتمد الحزب الجديد في تكوينه على عناصر منحدرة من أصول برجوازية صغيرة وبرجوازية بيروقراطية ومن أبناء ذوي المهن الحرة كالمحامين والأطباء والقوات المسلحة. ولم يكن يخلو الحزب من بعض أبناء شيوخ العشائر وكبار الملاكين، إضافة إلى احتوائه على عناصر منحدرة من أصل شبه بروليتاري. وإذا كان حزب البعث عند تأسيسه الأول قومياً يمينياً بشكل عام، فأنه لم يكن في تلك الفترة حزباً طائفياً أو عشائرياً. إذ كانت في عضويته عناصر من كربلاء والنجف والحلة أو بغداد، وعناصر أخرى من لواء الدليم (الأنبار لاحقاً) وديالى مثلاً، كما برز فيما بعد في صفوفه بعض الأكراد المستعربين، الذين قطعوا صلتهم بالقومية الكُردية وتبنوا نهائياً القومية العربية، وهم قلة قليلة جداً، ومن بينهم على صالح السعدي على سبيل المثال لا الحصر. وتبنى هذا الحزب النضال الوطني والقومي، أي الكفاح ضد الهيمنة البريطانية على العراق ورفض المعاهدات الموقعة مع

بريطانيا وتبنى الاتجاهات الأساسية لتي ظهرت في حركة القوميين العرب في نادي المثنى في الثلاثينات أو حزب الشعب السري الذي ترأسه مفتي الديار الفلسطينية في العراق حينذاك. ومنذ بداية تكوين هذا الحزب في سوريا أشار المؤسس الأول له إلى أن جاء تأسيس الحزب ليناهض الشيوعية والأممية في الدول العربية. وهكذا كان نهج هذا الحزب منذ البدء في العراق أيضاً. فقد كتب ميشيل عفلق يقول: “إن خلافنا مع الشيوعيين خلاف مبدأي وأساسي”، ثم يواصل قوله” “إن ظهور حركتنا العربية الانقلابية بأفكارها ومبادئها وسياساتها وأسلوبها النضالي الشعبي قد جاء تعبيراً عميقاً عن انعدام مبررات الجدية الإيجابية لقيام شيوعية وحزب شيوعي في بلاد العرب … وينتج عن ذلك أننا في أساس موقفنا السياسي، لا نقبل التعايش مع الشيوعية”. ثم يواصل قوله في مكان آخر: “يجب أن نعتبر أنفسنا مسؤولين ليس فقط عن المستقبل القريب فحسب، بل وعن المستقبل البعيد أيضاً، وألا نسمح للشيوعية أن تصبح في يوم من الأيام منافسة جدية لحركتنا عند جمهور شعبنا”. والأخطر من ذلك ما يقوله ميشيل عفلق لاحقاً، إذ ورد ما يلي: “إن مكتب البعث العربي الذي لم يفتر منذ سنين عن مكافحة الخطر الشيوعي وتحذير الشعب العربي منه بالنشرات والاجتماعات يرى من واجبه أن يهيب بعرب سوريا مرة أخرى أن ينتبهوا إلى هذا الشكل الجديد من الاستعمار فيجمعوا كلمتهم للقضاء على هذا الخطر قبل أن يفوت الوقت ويتمكن الحزب الشيوعي من تسميم الروح العربية وتقطيع أوصال الكيان العربي”. ويستكمل المؤسس الأول لحزب البعث هذه الفكرة في فترة لاحقة، في عام 1963 فيقول: إن الأحزاب الشيوعية ستمنع وتقمع بأقصى ما يكون من الشدة في كل بلد عربي يصل إليه حزب البعث إلى الحكم”. وتبدو لي في هذا المقتطفات ثلاث مسائل جوهرية تحتاج إلى إمعان النظر في مضمونها واتجاهات تأثيرها والقوى التي تخاطبها على الصعيد الدولي، وهي: أ) نشأت الحركة البعثية في الوطن العربي لتقاوم أساساً الشيوعية فيه؛ 2) وترى الحركة بأن هناك خطراً شيوعياً يهدد الروح العربية والتراث والتقاليد العربية؛ 3) وأن السوفييت يشكلون خطراً استعمارياً جديداً على العالم العربي، وأن الحركة تلتزم أمام “الغرب الروحي” على مقاومة الشيوعية حتى النهاية حيثما وصلت إلى الحكم في الأقطار العربية. وهذه النقاط الملموسة التي نجدها مركزة في النصوص السابقة هي التي تسمح بالتفكير المباشر عن طبيعة العلاقة القائمة بين الانقلابات الناجحة التي قام بها البعث العفلقي في بعض الأقطار العربية، وبين هذا الالتزام المباشر على مكافحة الشيوعية دون هوادة باعتبارها الخطر الأساسي على الروح والتقاليد العربية، وبين واقع قدرات البعث الذاتية الضعيفة في الوصول إلى السلطة، وبين الدعم الدولي الذي تحقق لهم بفعل ذلك الالتزام للوصول إلى السلطة. وكان هذا يعني عملياً موقفا مناهضاً من منطلقات قومية شوفينية ابتداءً ضد القوى الشيوعية والماركسية أولاً، وضد الجماعات أو القوميات غير العربية التي تطالب بحقوقها القومية المشروعة ثانياً. فالمعلومات المتوفرة لدينا من خلال منشورات البعث ذاته تؤكد إلى أن هذا الحزب يدعو بشكل صريح ومجاهر به إلى “صهر” تلك القوميات والأقليات القومية” غير العربية في “البوتقة” العربية. ويتجلى هذا الموقف في المادة الخامسة عشر من دستور حزب البعث التي تنص على ما يلي: “الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة أمة واحدة وتكافح كافة العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية”. ولكن ماذا يعني ذلك، وإلى ماذا يهدف هذا النص الدستوري لحزب البعث العربي الاشتراكي؟ أنه يعني وبلا لف أو دوران، إلى ما يلي:

أ) يسعى حزب البعث إلى إقامة الدولة العربية في كل “الوطن العربي”، باعتبارها أرضاً عربية ويعيش عليها الناس العرب لا غير؛ ب. يرفض الاعتراف بوجود قوميات أو أقليات قومية في الدول العربية كافة، وبالتالي يفرض عليها الانصهار بالقومية العربية أو الأمة العربية الواحدة من المحيط ومروراً بالنيل والفرات فشط العرب أو الخليج. ج) وبالتالي، ومن باب

تحصيل حاصل يرفض الاعتراف بالحقوق القومية العادلة للشعوب والقوميات الأخرى، ومنهم الشعب الكُردي والأمازيغ في المغرب والجنوبيين في السودان وغيرهم في مختلف الأقطار العربية. د) العمل على تعريب كل الناس غير الناطقين بالعربية والقاطنين في “الأرض العربية” شاء هؤلاء الناس أم أبوا. ه) وأن حزب البعث يكافح كافة العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية عند الشعوب والأقوام الأخرى، ولكنه يحافظ عملياً على عصبيته القومية والعرقية.. إلخ، إزاء الآخرين. يقول قادة حزب البعث العربي الاشتراكي في معرض تحليلهم للموقف من القوميات والأقليات القومية في العالم العربي ما يلي: “العربي هو من كانت لغته العربية، وعاش في الأرض العربية، أو تطلع للحياة فيها، وآمن بانتسابه إلى الأمة العربية. إن هذا التحديد يعني شمول الهوية العربية لكل الأفراد والمجموعات التي ينطبق عليها هذه الشروط دون اشتراط العامل العنصري، وهو يفسح المجال واسعاً لتعميق امتزاج الأقليات والأقوام الصغيرة في الأمة العربية”. ولكي يقطع هؤلاء القادة الشك باليقين يتحدثون عن “الأرض العربية” فيرد عندهم ما يلي: “… فالأرض التي تعيش عليها هذه القوميات كانت جزءاً من الدول العربية التي نشأت منذ ألاف السنين والتي كان أخرها الدولة العباسية الكبرى، وهذه الأرض هي في الوقت نفسه، موطن هذه الأقليات لم تأت عن طريق القهر والاستعمار والاستلاب، وإنما أتت نتيجة الواقع التاريخي الممتد عبر ألاف السنين ولم يكن حول تلك الحقبة التاريخية الطويلة أي جدال أو نزاع”.

يبدو أن هؤلاء القادة نسوا المقاومة التي أبدتها شعوب هذه المنطقة للفتح العربي الإسلامي لهذه المناطق، والقتلى الذين سقطوا على سفوح جبال وسهول كُردستان على امتداد القرون السابقة حتى الوقت الحاضر، وأن مصادرة حق هؤلاء الناس لا يمكن أن يتم بمجرد تأكيد قوميين عرب متطرفين بعدم أحقية الشعوب الأخرى بأرضهم وإقامة وطن مستقل لهم أو حقهم في تقرير المصير. وينبغي أن نجد في هذا الموقف ما بنيت لاحقاً من مواقف سياسية وعسكرية ضد الشعب الكُردي مثلاً في العراق، والتي سنأتي عليها لاحقاً.

ورغم أن حزب البعث نشأ ببعض المواصفات العلمانية، وأن كثرة من المسيحيين كانوا أعضاء في هذا الحزب في سوريا، وكذا البعض منهم فيما بعد في العراق، إلا أن الحزب ربط اتجاهه القومي العربي بالاتجاه الديني الإسلامي، وبالتالي أضاف إشكالية أخرى غير الاتجاه القومي والفكري المناهض للأممية والقوميات الأخرى، هي مناهضته عملياً للديانات الأخرى، وأن جاءت بصورة غير مكشوفة أو مبطنة بمواقف تدعو للحضارة الإسلامية العربية لا غير وتضع القيود والحواجز بين القومية والأديان الأخرى، وكان أكبر تتويج لهذا الاتجاه هو إعلان الحكم في العراق عن تحول ميشيل عفلق عن دينه المسيحي الذي ولد عليه إلى الدين الإسلامي بعد موته وأثناء إجراء ممارسات الدفن. كما إن حزب البعث قد تبنى شاء أم أبى المذهب السني في الإسلام وبشكل مشوه حين اعتبر شيعة العراق شعوبيين من جهة، وانتفض على القيادة التي كانت في اغلبيتها شيعية في عام 1963 ليجعل من قيادة حزب البعث القطرية في العراق كلها سنية وكذلك مجس قيادة الثورة تقريباً،

وكان حزب البعث يتبنى منذ البدء العنف في نشاطه العام المناهض للقوى الأخرى أو للسلطة السياسية التي يعارضها. وخلال فترة التأسيس استطاع حزب البعث أن يجد قواعد له في بغداد وعدد من مدن الوسط والجنوب واستفاد من تصاعد تأثير التيار القومي بعد انتصار الناصرية في مصر وبدء معارك تأميم قناة السويس وإقامة السد العالي وما إلى ذلك من توسيع قاعدته الحزبية وتأثيره في بعض الأوساط الطلابية والشبابية، وخاصة مع وبعد انتفاضة الشعب العراقي تأييداً لمصر في عام 1956، وتوجه الحكومة العراقية إلى اعتقال بعض نشطاء الحزب وزجهم في المواقف أو الحكم على

بعضهم بالسجن. وساعدت تلك الانتفاضة على إدراك واقتناع القوى السياسية العراقية بضرورة تعاونها من أجل الإطاحة بالحكم الملكي والتخلص من الحكومات التابعة في سياساتها وقراراتها للحكومة البريطانية وسفارتها في بغداد، مما خلق مناخاً مناسباً لقيام جبهة الاتحاد الوطني في عام 1957، حيث أصبح حزب البعث العربي الاشتراكي عضواً فيها إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال، إضافة إلى التعاون غير المباشر مع الحزب الديمقراطي الكُردستاني عبر علاقته بالحزب الشيوعي العراقي. وأمكن تحقيق التعاون بين حركة الضباط الأحرار وجبهة الاتحاد الوطني. ونتيجة لتلك الجهود نجحت انتفاضة الجيش بإسقاط الحكم الملكي وإقامة الجمهورية العراقية الجديدة وتشكيل حكومة الثورة التي أصبح حزب البعث ممثلاً فيها أيضاً.

المرحلة الثانية: فترة التميز والتهيؤ والانقضاض على السلطة 1959-1968

ساهم حزب البعث في الحكومة الأولى التي تشكلت برئاسة اللواء الركن عبد الكريم قاسم، رئيس حركة الضباط الأحرار. ومنذ بداية الثورة ظهر الخلاف بين القوميين وبقية القوى السياسية، أي بين حزب البعث وحزب الاستقلال من جهة، والشيوعيين والديمقراطيين من جهة أخرى. واتخذ مواقف واضحة في عدد من المسائل، ومنها موضوع الوحدة العربية مع مصر وسوريا أو إقامة اتحاد فيدرالي معهما. ولم يقتصر على هذه القضية، رغم أنها كانت السبب في تفكك التحالف الجبهوي الذي رافق وساند الانتفاضة العسكرية وحولها إلى ثورة شعبية، بل شمل مسائل عديدة أخرى. وبدأ حزب البعث، وبالتعاون مع بقية القوى القومية العربية في العراق وبدعم مصري وسوري واسع، إضافة إلى دعم خارجي، بسبب مواقف عبد الكريم قاسم من شركات النفط الأجنبية واستعادته لحقوق العراق في الأراضي التي وضعت تحت تصرفها للتنقيب فيها عن النفط وجمدت عملياً تلك العمليات، إلى العمل المشترك من أجل إشاعة الفوضى في البلاد وتنظيم الإضرابات وعمليات الاغتيال لأعضاء من الحزب الشيوعي العراقي أو من مؤيدي سياسة عبد الكريم قاسم، ثم محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم ذاته في عام 1959، التي شارك فيها صدام حسين أيضاً، وأخيراً محاولات الانقلاب على قاسم. ووقف الإقطاعيون الذين تضررت مصالحهم بقانون الإصلاح الزراعي، والكومپرادور التجاري وقوى التعاون مع الغرب تحديداً، بسبب انفتاح عبد الكريم قاسم على الاتحاد السوفييتي وبقية بلدان المنظومة الاشتراكية، إلى جانب تلك المؤامرات ومولوها بالمال والأفراد والسلاح. وزاد في الطين بلة سياسات عبد الكريم قاسم الفردية في اتخاذ القرارات، وتراجع في الحريات الفردية والديمقراطية وكذلك سياسة الحزب الشيوعي التي تميزت بالعنف أيضاً في موجهة القوميين وغيرهم وفي طرح شعارات لم تكن ضرورية، بما فيها الحزب الشيوعي في الحكم مطلب عظيمي أو حتى شعار الاتحاد الفيدرالي الذي يلم يكن مناسباً للمرحلة اصلاً. ثم جاء الطلاق بين عبد الكريم والحزب الديمقراطي الكُردستاني بقيادة الملا مصطفى البارزاني والحرب في كُردستان، الذي ساند القوى القومية في نشاطها ضد عبد الكُريم قاسم، مما عجل بنجاح المؤامرات وسقوط حكومة عبد الكريم تحت ضربات القوى القومية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي وبالتعاون الوثيق مع الضباط القوميين وعلى رأسهم عبد السلام عارف. وصل البعث، ومعه القوى القومية الأخرى، إلى السلطة ولكنه حصل على المركز الأول في السلطة والتمثيل في مجلس قيادة الثورة. وتميزت سياسته بإجراءات عمقت الاتجاهات اليمينية والشوفينية والعنف التي أشرنا إليها سابقاً في فكر وممارسات البعث، إذ عمل حزب البعث على:

• إقامة نظام حكم الحزب الواحد في البلاد، حزب البعث العربي الاشتراكي، رغم وجود قوميين في مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء، إذ بدأ البعثيون يخططون لإزاحتهم تماماً واحتكار الحكم لهم.

تنظيم المجزرة البشعة ضد أبرز قادة الحكم في العراق، ومنهم عبد الكريم قاسم وفاضل عباس المهداوي ووصفي طاهر وجلال ألأوقاتي وماجد مصطفى وغيرهم، ثم أنزل الضربات الدامية بالحزب الشيوعي العراقي وبقادته سلام عادل وجمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وبمئات آخرين من قياديي وكوادر وأعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي، كما زج بالألوف منهم في السجون والمعتقلات ومارس أبشع أشكال التعذيب بحق المعتقلين. ومارس نفس أساليب التعذيب الوحشي بحق عدد كبير من أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي والمستقلين من السياسيين وأعضاء حركة أنصار السلام والشبيبة وأفراد المقاومة الشعبية واتحاد الطلبة العام. وتمت في هذه الفترة مأساة قطار الموت، هذا القطار الذي ضم عددا كبيراً بلغ 450 ضابطاً شيوعياً وديمقراطياً ومستقلاً غادر بغداد قاصداً سجن نقرة السلمان في جنوب العراق، في شهر تموز/يوليو شديد الحرارة، تم فيه إغلاق أبواب عربات الشحن المليئة بهؤلاء الضباط بشكل محكم، ولم يزود المعتقلون بالماء والغذاء، إذ تكدس هذا العدد الكبير في عدد قليل من عربات شحن البضائع أدت إلى صعوبة التنفس ووقع حالات شبه اختناق، مما أدى إلى مآسي كبيرة بما فيها وفاة أحد الضباط.

• ولم تستمر الهدنة مع الحركة الكُردية، إذ سرعان ما بدأ التحالف البعثي – القومي بممارسة سياسته العدوانية ضد الشعب الكُردي والإرهاب والحرب ضده ابتداءً من العاشر من حزيران/يونيو 1963؛

• وخلال تلك الفترة الوجيزة التي بقي البعث فيها على رأس السلطة، حاول تكريس السياسات التربوية بالاتجاهات اليمينية والشوفينية وفرض الاستبداد والهيمنة الكاملة على الدولة والمجتمع والمنظمات المهنية وبث الرعب في صفوف الجماهير من خلال أوامر بالقتل بصورة مباشرة، كما في بيان الحاكم العسكري رقم 13 لعام 1963 الخاص بقتل الشيوعيين دون محاكمة؛ • واتخذ البعث إجراءات رجعية في مجال الأحوال المدنية، إذ ألغي القانون التقدمي الذي وضعته حكومة عبد الكريم قاسم، الذي تضمن بعض المواد التي تنصف المرأة وتسعى إلى تحريرها النسبي ومساواتها بالرجل كمنع الزواج المتعدد النساء والمساواة في توزيع الإرث بين الإناث والذكور من الورثة؛

• وبرز لأول مرة بشكل حاد مظهر الانقسام في صفوف البعثيين على أساس طائفي، أي بين الشيعة والسنة ، رغم أن بوادر ذلك برزت في فترة حكم قاسم وبصدد الموقف من جملة من الممارسات التي نظمها البعث في العرق حينذاك. وكما تشير دراسة الأستاذ حنا بطاطو، فأن المجلس الوطني لقيادة الثورة قد ضم في عضويته 5 من العرب الشيعة و12 من العرب السنة وكُردياً واحداً مستعرباً هو على صالح السعدي، أي بنسب 27،5 %، و66،7 % و5،5 % على التوالي. • ولم يكن هذا الشكل الوحيد من مظاهر التخلف والارتداد عما حققته ثورة 14 تموز/يوليو عام 1958، الذي برز في سياسة البعث الجديدة، ونعني بها محاولة الاعتماد على العشائرية في العلاقات الحزبية والسياسية، كما صدرت قرارات عطلت عملياً تنفيذ الإصلاح الزراعي لصالح الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية.

• كانت التجربة الأولى لحزب البعث في السلطة تشير إلى تعمق اتجاهاته اليمينية المتطرفة في الحكم، سواء بممارسة العنف والقوة ضد المخالفين له بالرأي أو ممارسة السياسات الشوفينية ضد القوميات والأقليات القومية الأخرى، إذ عانى الأكراد الفيلية لا من الاعتقال والتعذيب والسجن والقتل في السجون فحسب، بل وإلى المطاردة مما دفع الكثيرين منهم إلى الهرب من طغيان النظام واللجوء إلى البلدان الأخرى.

وبسبب كل ذلك حصد البعثيون كراهية الغالبية العظمى من المجتمع وهيأ الأجواء المناسبة لمحاولات انتفاضية وانقلابية ضد النظام، ومنها محاولة الانتفاضة على حكم البعث التي قام بها الشيوعي العسكري حسن سريع ومجموعته في معسكر الرشيد في الثالث من تموز/ يوليو 1963 ولتحرير 450 ضباطاً كان معتقلاً لإنقاذهم من الموت، والتي قضي عليها من قبل الحرس القومي وقوى البعث بالحديد والنار وأحكام الإعدام بحق قادة الحركة. وكان الصراع على السلطة بين أجنحة البعث من جهة، وبين البعث والقوى القومية من جهة أخرى قد اشتد وقاد إلى إضعاف مواقع البعث في الحكم لصالح الانقلابين الجدد. وأصبح الظرف مناسباً تماماً للقوى القومية الناصرية، وعلى رأسهم عبد السلام عارف وطاهر يحي وصبحي عبد الحميد وعبد الغني الراوي وغيرهم، لتوجيه الضربة لقيادة وحكم البعث والقيام بحركة انقلابية ناجحة في الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1963 وتسلم السلطة، واعتقال الكثير من البعثيين وهزيمة البعض الآخر وحل الحرس القومي الذي أرتكب وحكومة البعث والقوميين الذين شاركوهم في انقلاب شباط الكثير من الجرائم بحق الشعب العراقي حينذاك. وبدأ القوميون اليمينيون المتطرفون من أمثال عبد السلام محمد عارف وعبد الغني الراوي وغيرهما، يبدون وكأنهم من الأبطال المنقذين للشعب العراقي من دنس وجرائم البعث، في حين كانوا شركاؤهم في كل شيء، ولكن الصراع على السلطة والموقف من عبد الناصر هو الذي أدى إلى انقسامهم وإلى قفزهم السهل على السلطة. وخلال الفترة الواقعة بين 1963 و1968 بدأ البعث المطرود من الحكم يعمل على إعادة تنظيم صفوفه وحشد قواه في الجيش ومناصريه في القصر الجمهوري للانقضاض على الحكم ثانية. وتمكن فعلاً من تحقيق هذه القفزة في السابع عشر من تموز عام 1968، خاصة وأن الحكم العارفي، أي حكم الأخوين العارفين عبد السلام وعبد الرحمن، لم يستطيعا العمل باتجاه يسهم في تحقيق الديمقراطية في البلاد، بل مارسا السياسات الفردية الاستبدادية وسكتا عن الفساد الحكومي الذي ساد البلاد والهيمنة على موارد البلاد ونهب قطاع الدولة من الباطن وعنجهية عالية واستمرا على التوالي في السكوت على إرهاب نظام الحكم ضد قوى المعارضة، رغم تخفيفه النسبي بالقياس إلى فترة حكم البعث الأولى. كما عاد القوميون إلى شن الحرب ضد الشعب الكُردي ومارسوا أساليب التهجير ذاتها، مما خلق التربة المناسبة لإسقاط حكم القوميين العرب في العراق، ومجيء البعث ثانية إلى السلطة.

انتهت الحلقة الحادية عشرة وتليهاالحلقة الثانية عشرة (التتمة لموضوع الحلقة 11)

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close