هكذا كانت اوضاع الحكم زمان السلطنة العثمانية ! ؟ ح5

* د. رضا العطار

مقتبس من كتاب عصر التكايا والرعايا للمؤلف د. شاكر النابلسي الذي يقول :
يعود الفضل في تهيئة هذا البحث الى امين كازاك، استاذ العلوم السياسية في جامعة كولورادو في الولايات المتحدة، والى عزت سوبرو مدير المكتبة الالكترونية في بيروت اللذان لعبا دورا محوريا في توفير المصادر النادرة لهذا الموضوع، علما ان معظم تاريخ فترة حكم الدولة العثمانية مازال مخطوطا في خزائن الدول الاوربية والتركية، وهي غير محقق وغير منشور.
اما عن تاريخ بدأ ظهور الاتراك، يقول المؤرخ بطرس البستاني : اندفعت قبائل متوحشة، وهم عنصر مغولي من اواسط آسيا غربا واستقرت في آسيا العليا التي هي الان تركستان، فسماها الفرس توران، ومن هنا نشأ لفظ ترك، كما سماها اليونانيون تيران، ومعناها الطغاة.

مفاسد سلاطين الدولة العثمانية، وسوء الحالة الاقتصادية فيها !

لقد توالت الصدامات المسلحة بين قادة الانكشارية المختلفين على الحصص والغنائم، ولم يعد في الامبراطورية من جاد مستقر او مخلص دائم، في ظل تولي عدد كبير من المسؤولين المناصب لمدد قصيرة ثم تغيرهم بآخرين الذين ابدوا استعدادهم ان يدفعوا اكثر لوسطاء السلطان من الجواري والخصيان.

ولولا ظهور الصدر الاعظم الالباني الشهير (بركوبريللي)، وكان أميّا في السبعين من عمره والذي تمكن من لوي ذراع الانكشارية والحد من غلوائهم. ومحاربة الفساد في الدولة، اعدم خلال فترة حكمه، التي دامت خمسة سنوات، 36 الف فاسد.
ولفظة بركوبري في اللغة التركية معاني كثيرة منها : برطيل، وقره قوز، وصرماية، ونعال خفيف.

كان الصدر الاعظم هو السلطان الحقيقي في ظل وجود سلاطين ضعفاء، وكان اتعس هذه الصدور العظماء مصطفى باشا الذي دخل حربا مع النمسا، العدو التقليدي للدولة العثمانية، لكنه فشل في دخول فيينا وهُزم هزيمة منكرة، مما كان اثره السيء على مستقبل الامبراطورية العثمانية – – فبعد فشل حصار فيينا بدأ الصراع بين الغرب والعثمانيين يتحول لصالح الغرب – وبدأ العد التنازلي لهذه الدولة.

ثم جاء السلطان سليمان الثاني، بعد ان خنقت المؤسسة الدينية والمؤسسة العسكرية اباه السلطان ابراهيم الاول، الذي قضى فترة حكمه وهي ثلاث سنوات في حروب عدة، فسقطت بلغراد عام 1688 وتقدم النمساويون، وهاجم الروس بلاد القرم. ومات السلطان صغيرا لم يترك اولادا – – فجاء السلطان احمد الثاني الذي منيت الدولة العثمانية بفقدان بعض اراضيها حين احتل الايطاليون البنادقة جزيرة ساقز.

والسؤال الان : اذن لماذا كل هذه الحروب، وكل هذه الدماء والقتلى الذين راح ضحيتها، في بعض بلدان القارات الثلاث بعشرات الالوف. ونحن نعلم علم اليقين ان الدولة العثمانية لم تكن تخوض تلك الحروب لنشر العقيدة الاسلامية وانما لمنافع دنيوية اقتصادية بغية زيادة واردات الجزية والخراج. ؟

وما فائدة هذه الحروب التي الهت الدولة عن تطوير التعليم وعن الاهتمام بالصحة وعن الاصلاح الاداري، وعلى سبيل المثال بقى العراق محروما من التعليم المفيد طيلة اربعة قرون متتالية، كان من النادر جدا ان تجد فردا عراقيا يعرف ان يقرأ ويكتب ! ونتيجة لانعدام الثقافة العصرية، ظهرت في مجتمعات الامبراطورية العثمانية اجساما اقوى من الجواميس، ذوي رؤوس خاوية.

وهل قارنت وحسبت الدولة العثمانية مقدار ربحها وخسارتها من كل فتح ومن كل غزو لبلدان اوربا الشرقية ؟ – – وهل كانت مبالغ الخراج والجزية التي تجبيها من البلدان التي اخضعها العثمانيون لسلطانهم، تساوي او تزيد عن تكاليف هذه الحروب من عتاد ورجال ومؤون وخلاف ذلك ؟ – – ام ان هذه الحروب كان يفتعلها العثمانيون لمزيد من النهب والسلب، ناهيك عن الاعداد الكبيرة من الجواري والغلمان وألأماء و العبيد ؟

لا اظن ان احدا في الدولة العثمانية وخاصة في القرن السابع عشر قد حسب حساباته بشكل دقيق على هذا النحو، ووازن بين منطق الربح والخسارة في هذه الفتوحات، وانما كان قرار الحرب في الادارة العثمانية تخضع لامزجة السلاطين والصدور العظام وقرار الانكشارية الذي هو القرار الحاسم – – فلم يكونوا بناشري دين، او مدافعين عن عقيدة، او منافحين عن مبدأ.

ورغم كل هذه الحقائق الساطعة نرى ان بعض المؤرخين العرب يفسرون التاريخ العثماني تفسيرا دينيا متعصبا، دون بحث او تفكير او رؤية علمية، وفي راي ان هذا التفسير يستند على التسليم اكثر مما يستند على حقائق السياسة والاقتصاد. وهم يعتقدون ان الدولة العثمانية قامت بكل هذا في سبيل نشر الاسلام في البلاد المسيحية في الغرب. لكن الحقيقة اظهرت ان الدولة العثمانية كنت تفضل وتحبذ ان يبقى المسيحيون على دينهم حتى يدفعوا الخراج.

ومن خلال المئة عام هذه، حكم البلاد العربية تسعة سلاطين، لا نجد منهم من قال للعرب : صباح الخير ! ولم يكونوا يذكرون العرب المسلمين الا عندما يثور باشا على السلطان متمردا، حينذاك يدخل السلطان حربا ضده، ويرسل امره الى خطباء الجوامع في مشارق الارض ومغاربها من بلاد العرب و المسلمين لكي يدعوا للسلطان النصر المبين.

وفي هذا السياق يقول كاتب السطور : انه من سخرية القدر بمكان، ان يرفع المسلمون ايديهم بالدعاء في صلاة الجمعة في بلاد المسلمين، يدعون الله ان ينصر سلطانهم العثماني هذا، في الوقت الذي يكون السلطان في معظم الحالات ابن جارية اوتي بها من بلاد الصرب، لا تربطه بالاسلام ولا بالعروبة صلة، وقد يكون السلطان الخليفة في هذه الساعة بالذات، مخمورا ماجنا متهتكا محاطا بالجواري والغلمان وسط نغم الناى ودق الطبول.

* مقتبس من كتاب عصر التكايا والرعايا لشاكر النابلسي مع تعليق لكاتب السطور.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close