نحو إستراتيجية براغماتية للتعليم العالي في العراق

16 حزيران/ يونيو 2019

د. وجيه العلي

“بالعلم والأخلاق ترتقي الأمم”
مقدمة:
في جهودها الرامية إلى تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار وتلبية الإحتياجات الوطنية والمجتمعية؛ تواجه الحكومة العراقية المنتخبة حديثاً برئاسة الدكتور عادل عبد المهدي تحديات هائلة ومهمات شاقة لعل أبرزها يتمثل في حماية الوطن والدفاع عنه ضد الإرهاب والمخاطر الداخلية والخارجية، وإعادة بناءالقطاعات والمدن التي دمرتها يد الإرهاب الداعشي، وإرساء أسس التنمية المستدامة، ومعالجة جذور الفساد المالي والإداري، والتصدي للبطالة ونقص الخدمات، والقضاء على ظاهرة الفقروالتشرد والتلوث البيئي، وتوفير الرعاية الصحية والإجتماعية للمواطنين، وتحقيق الأمن والسلم الإجتماعي، وتثبيت الإستقرار السياسي، والتخفيف من عبء الدين الخارجي، وإعادة العراق إلى مكانته الدولية التي يستحقها، وكذلك إعداد مواطنيه لمواكبة التطورات المتسارعة في مجالي التكنولوجيا والمعلوماتية، وأخيراً وليس آخراً إستيعاب التوجهات الجديدة للإقتصاد العالمي القائمة على المعرفة والإبتكار والتنافس.
وبتقديرنا المتواضع، إن هذا الكم الهائل والمتراكم من المشاكل والأهداف وإن بدا شائكاً ومعقداً؛ إلا انه قابل للسيطرة والتحقيق إن إعتمدت الحكومة الجديدة الإستراتيجيات والبرامج الذكية والصحيحة وإتخذت المسارات والسياقات المناسبة لحلحلة الخلافات وحل المشكلات ومعالجة الملفات العالقة وفقاً لرؤية وطنية خالصة تغلب مصلحة الوطن العليا على أية مصالح أجنبية أو حزبية أو فئوية ضيقة.

التحديات والفرص المتاحة:
ورث قطاع التعليم العالي في العراق بعد سقوط الدكتاتورية عام 2003 تركة ثقيلة تمثلت في تقادم البنى التحتية، وفي النقص الحاد في الكوادر والتجهيزات الجامعية، وكذلك في إنعدام الرؤية المستقبلية، وغياب معايير الجودة والإعتمادية؛ فضلاً عن إنخفاض الإنتاجية، وهبوط الروح المعنوية، وتراجع القدرات المعرفية والإبداعية، وطغيان البيروقراطية، وإنعدام الشفافية، وغياب البيئة الأكاديمية الداعمة للبحث والإبتكار، وكذلك ضعف فاعلية الأنظمة المالية والرقابية، وتدني معايير وقواعد الحوكمة والقيادة الجامعية.
كما لا يمكننا أن نغفل ما قامت به القوى الشريرة وأزلام النظام السابق بعد عام 2003 من دمار وخراب ممنهج للبنى التحتية وللمعالم الحضارية، ومن تأجيج مبرمج للفتنة الطائفية، ومن حملات إعتداء وخطف وإغتيال بدم بارد للعلماء والمثقفين وأساتذة الجامعات وذوي المهن الطبية؛ ناهيك عن سيطرة الفاسدين وغير المهنيين على مراكزالدولة القيادية، وطغيان المحسوبية والمحاصصة الطائفية على المعايير الوظيفية، وهيمنة الأحزاب السياسية على الجامعات، وهجرة العقول والكفاءات، والتزايد غير المسبوق للرديء من المعاهد والجامعات، وإنتشار تعاطي المخدرات بين الطلبة والطالبات، وإستفحال ظاهرة الغش في الإمتحانات، والإنتشار الواسع لعمليات تزوير الوثائق والشهادات، وغيرها من الممارسات والتداعيات المقلقة والمزعزعة للأمن الإجتماعي والتربوي وكذلك الإستقرار السياسي والبناء الإقتصادي والتي طالت عموم قطاعات المجتمع ومرافق الدولة الإنتاجية والخدمية بما في ذلك المؤسسات التربوية والجامعات ومراكز البحوث ورعاية العلماء والمبدعين والموهوبين والشباب.
واليوم، وإزاء واقع دراماتيكي كهذا، بات القائمون على إدارة قطاع التعليم العالي في مواجهه مصيرية وقاسية أمام هذه المشكلات أو التحديات وليس هناك من منفذ صائب للخروج من هذا الواقع المزري وتداعياته المأساوية سوى التصدي الحازم والشجاع لهذه التحديات والتعامل معها بكل جدية وحرفية وتحويلها الى فرص للتغيير والتطوير من خلال تطبيق إستراتجيات وبرامج ذكية تتبنى الإبتكار والإبداع العلمي والمشاركة الفاعلة في صنع الحضارة الإنسانية؛ مستلهمين في ذلك تجارب الأمم المتقدمة في هذا المضمار ومراعين بذات الوقت خصوصية وإحتياجات المرحلة الراهنة التي يمر بها العراق وتطلعات مواطنيه المستقبلية.
مرتكزات الإستراتجية المقترحة:
بشكل عام، تهدف الإستراتيجية المقترحة إلى تقديم رؤية مستقبلية وواقعية لتطوير أداء قطاع التعليم العالي خلال السنوات الأربع أو الخمس القادمة والإرتقاء به إلى مستويات عالمية لإنتاج مخرجات عالية الجودة، ورفد المجتمع بما يحتاجه من معارف وتقنيات ومهارات وكوادر متسلحة بالعلم والمعرفة، ومتمسكة بالقيم الأخلاقية والوطنية، ولديها روح المبادرة والإبتكار، ومنفتحة على العالم المتقدم بقيمه الحضارية والإنسانية، وقادرة بنفس الوقت على الإيفاء بمتطلبات التنمية وبناء الإقتصاد المعرفي وتأمين مستقبل أفضل للعراق وللأجيال القادمة.
ولدعم تنفيذ هذه الرؤية، لابد أن ترتكز الإستراتيجية المقترحة على أربعة محاور أساسية نستعرضها هنا بإختصار شديد:
1) محور الجودة والتميّز
2) محور الحوكمة الرشيدة
3) محور بناء القدرات المعرفية والإبداعية
4) محور المسؤولية المجتمعية وخدمة المجتمع

محورالجودة والتميز:
عموماً، يرتبط مفهوم الجودة بالتميّزوالتمايزعن الآخرين وبالتالي القدرة على البقاء والنمو والتنافس عالمياً. وفي المجال التعليمي، تُعرّف الجودة عى إنها إستراتيجية إدارية مستمرة التطوير تنتهجها المؤسسة التعليمية معتمدة على مجموعة من المبادئ والمعايير بهدف الحصول على مخرجات متميزة ومتوائمة مع إحتياجات المجتمع ومتطلبات السوق الداخلية والدولية.
وتشير أحدث التقارير المتعلقة بجودة التعليم والصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لعام 2018؛ إلى أن كل من سنغافورة (وهي جزيرة صغيرة منسية سابقاً ودولة متألقة حالياً) وسويسرا قد تصدرتا عالمياً مؤشر جودة التعليم بينما تذيلت موريتانيا المؤشر، وجاءت دولة قطر في طليعة الدول العربية وحصلت على المرتبة الرابعة عالمياً؛ في حين غاب العراق وبعض الدول العربية مثل ﻟﻴﺒﻴﺎ والسودان ﻭﺳﻮﺭﻳﺎ ﻭﺍﻟﻴﻤﻦ ﻭﺍﻟﺼﻮﻣﺎﻝ عن التصنيف لأنها ﺩﻭل ﻻ ﺗﺘﻮﻓﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﺑﺴﻂ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺠﻮﺩة ﻓﻰ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ !!!
إن عدم تأهل العراق للدخول ضمن إطار مؤشر جودة التعليم العالمي لعام 2018 هو دليل واضح على فشل مؤسسات التعليم العالي وعدم قدرتها على التكيَف وتطبيق المعايير الدولية المعتمدة لضمان الجودة، ومن أن الوضع الراهن يتطلب الإصلاح والتحديث لا بل وحتى التغييرالجذري والشامل. ذلك إن الممارسات الأكاديمية والإدارية الجامدة ومعايير ضمان الجودة التقليدية الجاري تطبيقها في عموم جامعاتنا؛ لم تعد قادرة على إنتاج مخرجات متوافقة مع حاجات المجتمع ومتطلبات السوق المحلية والعالمية وما تشهده من تطورات وتبدلات سريعة في ظل عصر العولمة وتأثيرات الثورة المعلوماتية.
ومن هنا، بات لزاماً على القيادات السياسية والتعليمية إدراك الأهمية الإستراتيجية لـ “جودة التعليم” بإعتبارها المفتاح والوسيلة التي لا غنى عنها للإرتقاء بجامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية والبحثية والوصول بمخرجاتها المتنوعة إلى مستويات عالمية؛ ولن يتحقق ذلك إلا من خلال:
1) إشاعة ثقافة الجودة في عموم مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة، والنظر إلى قضية تطوير جودة التعليم على أنها مسؤولية الجميع (أساتذة، باحثين، طلبة، إداريين، فنيين،…)، ومن أنها إستراتيجية وطنية ثابتة ومطلب دائم.
2) إحداث تغيير أو تحسين دراماتيكي في البيئة الأكاديمية وفي البنية التكنولوجية للجامعات بما يعزز قدرتها على البحث والابتكاروالتطوير والمساهمة بشكل فاعل في إنتاج المعارف وبناء المهارات وتقديم الخدمات التعليمية المتميزة بإستخدام التكنولوجيات الرقمية المتقدمة والتحول التدريجي الى جامعات ذكية (جامعات الجيل الرابع) من حيث البرامج والمناهج وطرق التدريس والمختبرات والتجهيزات الحديثة.
3) إنشاء مراكز للإبداع التكنولوجي وريادة الأعمال بالجامعات العراقية من أجل إستقطاب وفرز الطاقات الشبابية المبدعة ودعمها في إطار سياسة الجامعة لنشر ثقافة التميّزوتشجيع الأعمال الإبتكارية وحماية الملكية الفكرية وبالتعاون مع المؤسسات والقطاعات التقنية والصناعية.
4) إجتذاب أعضاء هيئات التدريس من ذوي الكفاءات العالية لاسيما العراقيين المتواجدين في الخارج والبارزين عالمياً في مجالي البحث والتدريس؛ ليكونوا بمثابة نواة لمراكز التميّز الأكاديمي، والتعاون الدولي، والتنافس في إنتاج المعارف والتقنيات والتطبيقات العلمية الحديثة.
5) بناء شراكات أكاديمية/علمية/بحثية مع مؤسسات وجامعات عالمية رصينة ودعم البحوث والبرامج المشتركة ضماناً لجودة المناهج التعليمية وتطورها ومواكبتها لمتغيرات العصر ولمناهج الجامعات العالمية.
6) تشجيع مبدأ التنافسية ودعم التميّز في أداء ومخرجات مؤسسات التعليم العالي وتخصيص الموارد المالية اللازمة لتطوير بنيتها التحتية والإرتقاء بها إلى مستوى نظيراتها في الأمم المتقدمة.
7) الإهتمام بجودة العملية التعليمية بكل مكوناتها وفي جميع مراحلها بدءاً من عملية القبول وإختيار المرشحين، مروراً بعملية التسجيل، ثم عملية التعليم، وأخيراً عملية تقويم المخرجات الجامعية، والوصول بها إلى مستويات متميزة من الجودة والإتقان وبأقل التكاليف الممكنة عبر تطبيق منهجيات إدارية حديثة مثل (سيغما 6) الهادفة إلى رفع مستوى الأداء وتقليل الأخطاء ومعالجة الإنحرافات بطرق علمية وإحصائية دقيقة.
8) وأخيراً وليس آخراً، التركيز على جودة الخريج الجامعي والتأكد من إكتسابه لمهارات القرن الحادي والعشرين كالتفكير النقدي والإبداعي، والقدرة على الإتصال الفعَال وإستخدام التكنولوجيا الرقمية، والقدرة على التكيَف وإتخاذ القرارات وتقييم المخاطر وحل المشكلات، والقدرة على العمل بشكل تعاوني ومثمر مع الأخرين؛ وكذلك القدرة على الحوار والتفاوض وإحترام وجهات النظر المختلفة، وغيرها من المهارات والكفاءات التي يتطلبها سوق العمل والإقتصاد المعرفي.

محور الحوكمة الرشيدة:
الحوكمة، بكلمات بسيطة، تعني التحكم أو السيطرة والقدرة على التسيير الفعّال وإتخاذ القرارات الملائمة. والحوكمة بهذا المفهوم، تتمثل في مجموعة القواعد والقوانين والأنظمة التي تقرر كيفية ممارسة السلطة، وكيفية صنع القرارات، وكيفية حماية التصرفات المالية والإدارية من الأخطاء أو الإنحرافات. ولا يقتصر دور الحوكمة الجيدة أو الرشيدة على نشر ثقافة الإنضباط والإبداع وإحترام حقوق الإنسان ودرء المخاطر وتجنب الفساد وإرساء قيم الديمقراطية والعدالة والمساواة في الفرص داخل المؤسسة؛ بل يمتد دورها أيضاً إلى تعزيز مبادىء النزاهة والشفافية والمساءلة والمشاركة الواسعة من ذوي العلاقة وأصحاب الشأن في صياغة التوصيات والقرارات ومناقشتها. كذلك تسعى الحوكمة الجيدة إلى ترشيد ممارسات وقرارات القادة الإداريين والرؤساء التنفيذيين من أجل الإستخدام الأمثل للموارد المتاحة وبلوغ الأهداف المقررة وتدعيم المركز المالي والتنافسي لمؤسساتهم، إضافة إلى تعزيز ثقة المستثمرين والمجتمع في البيانات والأوراق المالية التي تصدرعن تلك المؤسسات وبالتالي جذب المزيد من الإستثمارات لتمويل المشاريع الجديدة وتنشيط الإقتصاد الوطني.

وبالرغم من أن الحوكمة وتطبيقاتها المختلفة قد ظهرت أولاً في قطاع الأعمال للحد من ظاهرة الفساد المالي والإداري الذي طال العديد من الشركات الأمريكية والأوربية والآسيوية في عقد التسعينات من القرن الماضي، والذي قاد إلى إنهيار وإفلاس عدد كبير من الشركات العالمية العملاقة أمثال (أنرون) و(زيروكس) و(آرثر – أندرسون) و(وورلد كوم)؛ إلا إنه سرعان ما إنتقلت مبادىء وتطبيقات الحوكمة إلى العديد من القطاعات الأخرى ومنها القطاع التعليمي نظراً للأثر الإيجابي الذي أحدثته على أداء وإنتاجية الشركات والمؤسسات التي تبنتها. وبذلك غدت الحوكمة بالنسبة للمؤسسات التعليمية معياراً لتحديد جودتها وخياراً إستراتيجياً هاماً لتعزيز فاعليتها وكفاءتها في مواجهة التحديات وتحسين مخرجاتها التعليمية.

كذلك أثبتت الدراسات الحديثة التي أجريت على مستوى المؤسسات التعليمية في العديد من دول العالم النامي والمتقدم (مثل إستراليا، المملكة المتحدة، اليابان، ماليزيا، كوريا الجنوبية، الولايات المتحدة الأمريكية، سنغافورة، كندا، شيلي، جنوب أفريقيا، المكسيك، نيوزلاند، …) عن نجاح وتفوق المؤسسات التي إعتمدت على الحوكمة الجامعية كأسلوب إداري في العمل؛ وأن المسؤول الأول عن كل هذه النجاحات هو العنصر البشري، وتحديداً “القائد الإداري” بإعتباره العنصر الحاسم في تحديد النجاح أو الفشل. وهذا ما تؤكده المقولة الشهيرة التي أطلقها أحد تلامذة الفيلسوف اليوناني أرسطو والقائد العسكري الشهير الإسكندر المقدوني: (جيش من الخراف يقوده أسد، أفضل بكثير من جيش من الإسود يقوده خروف).

وهكذا تتأكد أهمية إختياروتعيين قيادات جامعية ذات قدرات إبداعية متميزة ومهارات إدارية عالية قادرة على إدارة الأزمات ومواجهة التحديات وتطوير العمليات وتحسين جودة المخرجات. ذلك أن القيادة الجامعية، ممثلة برئيس الجامعة وعمداء الكليات ورؤساء الأقسام ومدراء المراكز البحثية، هي الإدارة التنفيذية المسؤولة عن قيادة التغيير وتنفيذ البرامج وبلوغ الأهداف المرجوة؛ وإن رئيس الجامعة هو العنصر الأكثر دينامكية وفاعلية في تطوير الجامعة وإحداث التغيير المطلوب، هذا فضلاً عن دوره المحوري في إدارة وتنفيذ المشاريع الإستراتيجية، وفي توفير البيئة التعليمية الإيجابية، وفي ممارسة الضغط على صناع القرارللإهتمام بقضايا الجامعة والوصول الى حلول ناجعة لمشاكلها الحالية والمستقبلية. ويسود إعتقاد راسخ عند الكثير من الباحثين والتربويين بأن الجامعات الناجحة والرائدة كان وراءها دائماً رؤساء كبار يمتلكون قدرات قيادية وعلمية وأخلاقية متميزة.

وفي العودة إلى قطاع التعليم العالي في العراق، يلاحظ المتتبع أن هذا القطاع يعيش اليوم تحت وطأة العديد من الأزمات والمشاكل الخانقة وإنه غير قادر على الخروج منها أو التخفيف من حدتها رغم حصوله على فرص كثيرة للإصلاح خلال السنوات الماضية، ورغم الإعتمادات المالية الكبيرة المخصصة له ضمن الموازنة العامة للدولة. وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن الأزمة الحقيقية التي يعاني منها هذا القطاع هي ليست أزمة مادية أو مالية؛ وإنما سببها الأول والأهم يكمن في كونها أزمة قيادة وحوكمة رشيدة (إنخفاض الإنتاجية، تدني مستوى المخرجات التعليمية، غياب المشاركة، التفرد في سلطة إتخاذ القرارات، فساد مالي وإداري، إنعدام الرؤية المستقبلية والتخطيط الإستراتيجي، غياب المساءلة والرقابة الفعّالة، غياب الشفافية ومعايير تقييم الأداء، تراجع الإبداع الفكري والمعرفي، تدني في مؤشرات التصنيف العالمية، ضعف التحصيل الأكاديمي للطالب مقارنة بالمعايير العالمية،…).
لذلك، بات تبني مفهوم الحوكمة وتطبيق مبادئها وتطوير ممارساتها من الضرورات القصوى لإصلاح هذا القطاع الحيوي والوصول بمخرجاته إلى مستوى العالمية والريادة. ولكي يتحقق ذلك، يتعين التأكيد على عدد من الإجراءات والآليات الضامنة لنجاح التطبيق السليم لتلك المبادىء والممارسات، نذكر أهمها:
⦁ إدخال تغييرات أساسية في أنظمة وتشريعات مؤسسات التعليم العالي المختلفة وتطوير ممارساتها الإدارية وهياكلها التنظيمية لمواكبة المستجدات العلمية والتكنولوجية ومواجهة تحديات العصر ومتطلبات التنمية المستدامة.
⦁ وضع آليات سليمة لإختيار وتعيين رؤساء الجامعات وعمداء الكليات تقوم على مبادىء الحوكمة الرشيدة، والتي تعتمد في جوهرها على تفعيل مبدأ الجدارة والإستحقاق والمساءلة والشفافية وحماية المستفيدين وأصحاب المصالح.
⦁ إشراك فئات المجتمع الأكاديمي (أساتذة، طلاب، باحثين، إداريين) في صناعة القرارات ووضع السياسات العامة، وتفعيل مبدأ المشاركة المجتمعية للحد من إستغلال السلطة والنفوذ.
⦁ تعزيز مبدأ سيادة القانون وإحترام حقوق الآخرين ومقاومة مظاهر الهدر والفساد الأكاديمي والمالي والإداري.
⦁ دمقرطة الحياة الجامعية وإشاعة الحريات الأكاديمية والسماح للتبادل الحر للمعلومات والأفكار.
⦁ تدعيم إستقلالية الجامعات وإطلاق حريتها في علاقاتها وفى صياغة رؤاها الاستراتيجية وخططها المستقبلية واختيار نموذجها التعليمي والبحثى وآلية تمويله، شريطة أن يقترن هذا الإستقلال بمستوى عال من المسؤولية وفي إطار المساءلة والشفافية التامة من قبل الأجهزة الرقابية، وبما يضمن لهذه الجامعات تحقيقها لأهداف التميّز العلمي والتمايز عن أقرانها والإسهام فى بناء الإقتصاد المعرفي.
⦁ إشاعة روح المسؤولية وثقافة الإلتزام بالقيم الأخلاقية والوطنية والتقاليد الجامعية وتعزيز آليات التقييم والمراجعة الذاتية.

محور بناء القدرات المعرفية والإبداعية:
 نعيش اليوم في عالم سريع التغيّر تحيطه تحديات محلية وإقليمية ودولية عديدة، لعل أهمها العولمة والإنفجار المعرفي والتطور التكنولوجي والنمو الاقتصادي. كما ان ثورة المعلومات وسرعة الإتصالات تسببتا في إنتشار وتضاعف المعرفة الانسانية وفي مقدمتها المعرفة العلمية والتكنولوجية، وبذلك تحول الاقتصاد العالمي الى اقتصاد يعتمد على المعرفة وتحولت المعلومات وتقنياتها المتعددة الى أهم مورد أو مصدر من مصادر القوة والثروة إلى جانب الموارد الطبيعية. كما بات الإبتكار العلمي والتقدم التكنولوجي في كل مجتمع هو الركيزة الأساسية لبناء المستقبل والشرط الأساسي لنموه وتطوره وتحسين نوعية الحياة.
وما دام الإنسان يمثل حجر الأساس في الإقتصاد المعرفي، فلا بد من بناء الإنسان ورعايته وتمكينه وتطويرقدراته ومهاراته ليكون قادراً على ممارسة دوره الإيجابي في التفاعل مع مجتمعه وفي ومواجهة المشكلات المعقدة ومسايرة رياح التغيير والإنطلاق نحو المستقبل. وتعد مهارات الإقتصاد المعرفي كالتفكيرالنقدي والإبداعي وحل المشكلات واتخاذ القرارات من أهم الكفاءات التي ينبغي أن يكتسبها المواطنون لتلبية إحتياجات القرن الجديد. ولكي يتحقق ذلك، لابد للمؤسسات التعليمية من تحديث برامجها ومناهجها وأساليب عملها والتركيز على تلك المهارات والإتجاهات والمعارف التي تساعد المتعلم على التكيّف والتعامل مع متغيرات العصر السريعة والدائمة. وهذا ما عبرت عنه بوضوح منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) عندما أشارت إلى أهمية تبني سياقات وبيداغوجيات جديدة ونشطة للتعليم والتعلم من أجل إكساب المواطنين مهارات وكفاءات القرن الحادي والعشرين وتأهليهم للعمل والتكيَف والإستجابة على نحو أفضل لتحديات ومتطلبات العصر الرقمي الذي نعيشه.
كذلك، يرى خبراء التربية والتعليم أن إسلوب الحفظ أو التلقين الببغائي والمتكرر للمعرفة أو إلقاء المحاضرات وتوصيل المعلومة من خلال المدرس و/ أو الكتاب المنهجي — بالرغم من إستمراريته وإنتشاره في معظم أنحاء العالم — بات عديم الفاعلية لتنمية المعارف والمهارات المطلوبة للتعامل مع التحديات العالمية المعقدة وتحسين جودة التعلم. وفي رأيهم أيضاً، أن هذا الإسلوب من التدريس كان السبب المباشر لظهور حالات اللامبالاة والكراهية والملل عند معظم المتعلمين، وإنهم بدلاً من ذلك يرغبون في تعليم يزيد من شغفهم وإلهامهم ويشحذ فكرهم ويتيح لهم الفرصة لإجراء التجارب والإستكشاف والمناقشة والإبداع وتقديم العروض وحل المشكلات من خلال المعارف والمهارات التي إكتسبوها.
ويسود إعتقاد لدى الباحثين وواضعي السياسات التربوية وقادة التعليم بضرورة تغيير التعليم الرسمي ليساعد على خلق أنماط جديدة وجذابة من التعلم تجعله أكثرنجاعة وأكثر تعاوناً وتفاعلاً من خلال التركيز على منهجية “التعلم النشط” والتي تنادي بنقل محور الإهتمام من المعلم الى المتعلم أو الطالب، وتفعيل مشاركته من خلال البحث والتجريب والعمل في فريق، وإعتماده على ذاته في الحصول على المعلومات وإكتساب المهارات. وبذلك تتغير ديناميكية العلاقة بين المعلم والطالب لينحصر دور المعلم على توجيه المتعلم ومساعدته في تنمية مهاراته التحليلية والسلوكية وتطوير قدراته على التفكير النقدي والإبداعي وتشجيعه على الإستقلالية والإبتكار وتنفيذ المشروعات وإيجاد حلول واقعية لمشكلات حقيقية. وهذا التحول من فلسفة التعليم المتمحور حول المعلم إلى التعليم المتمحور حول المتعلم، وإن بدا غير مريحاً أو مرحباً به لدى العديد من التربويين التقليديين، إلا أنه بات حتمياً ويستلزم وجود مدرسين أكفاء مدربين تدريباً جيداً ولديهم الدافعية وملتزمين بتطبيق البيداغوجيا النشطة والحديثة.
وهكذا يبدو واضحاً أن ثمة إشتراطات لابد من مراعاتها بغية التقدم في بناء القدرات المعرفية والإبداعية وتضييق الفجوة المعلوماتية ، ندرج أهمها فيما يلي:
1) التأكيد على الدور الريادي والحضاري والتنموي للجامعات، ومن أنها أبعد من أن تكون مجرد مؤسسات تعليمية تقليدية؛ وإنما هي صروح علمية وأكاديمية تعنى بخلق أجيال قادرة على الإبداع والابتكار ورفد سوق العمل بما يحتاجه من كوادر وكفاءات قادرة على إحداث التغيير المطلوب والمساهمة في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
 2) تطبيق إستراتيجيات تعلم نشطة وتفاعلية من أجل إكساب المتعلمين ما يلزمهم من معارف ومهارات وبناء شخصيتهم وإعدادهم لمواجهة تحديات القرن الجديد من خلال التأكيد على إستخدام منهجية التعلم المتمركزة حول الطالب والقائمة على تنفيذ المشروعات المشتركة، وإتخاذ القرارات، والتوسع في إستخدام الحالات الواقعية، وحل المشكلات المعقدة، وكذلك إستخدام الشهادات المهنية الإحترافية لتقييم الكفاءات ولرفع تنافسية الكوادرالوطنية من الجنسين في سوق العمل وزيادة الإنتاجية.
3) أن لا يقتصر بناء الكفاءات والمهارات على العناصر المعرفية والنظرية، بل لابد أن يمتد ليشمل أيضاً الجوانب التطبيقية، فضلاً عن المهارات الإجتماعية والسلوكية والإدارية من أجل سد النقص في الكوادر الإدارية والفنية وإعداد قيادات إحترافية وإبتكارية تكون مستعدة لإدارة التغيير وقادرة على تلبية احتياجات المجتمع وطموحاته المستقبلية في الرخاء والتقدم .
4) دمج قيم وغايات الهدف الرابع من خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 في مناهج وإستراتيجيات التعليم العالي والتي تشمل ضمان تقديم تعليم جيد ومنصف وشامل مع تعزيزالتعلم للجميع، وضمان تنمية المهارات الفنية والقدرات الإبداعية اللازمة للحصول على وظائف لائقة، وضمان تحديث المناهج وأساليب التعليم والتقويم، وضمان ترويج ثقافة السلام ونبذ العنف وتقدير التنوع الثقافي؛ وأخيراً وليس آخراً، ضمان توفير فرص متكافئة للنساء والرجال في الحصول على التعليم المهني والتعليم العالي الجيد والميسور التكلفة.

5) الإهتمام بهيئات التدريس والنهوض بقدراتهم الفكرية والمهنية والإرتفاع بمستواهم الإقتصادي والنظر إليهم بإعتبارهم ثروة وطنية لما يقومون به من دور محوري في بناء العقول وإعداد الكفاءات البشرية ونشر المعارف والحفاظ عليها والبحث عن الجديد فيها، إضافة إلى تحملهم مسؤوليات التدريس والتقويم والبحث العلمي والإرشاد الأكاديمي والإشراف على بحوث ورسائل الطلبة بما يسهم في تجويد مخرجات التعليم الجامعي ومطابقتها للمعاييروالمواصفات العالمية وبالتالي إفادة المجتمع بمؤسساته المختلفة.

6) التخلي عن طرق التدريس التقليدية في التعليم والتعلم والتي اعتمدت على الطباشير والتلقين الممل وإستبدالها بأساليب وأنماط حديثة وتقنيات رقمية متطورة تعتمد على الحاسوب ووسائطه المتعددة من صوت وصورة والشبكات المرتبطة به وخاصة الإنترنيت والتعليم عن بُعد لتكون البديل البيداغوجي والحضاري لنقل وتلقي المعارف وإكساب المهارات وتوفير فرص التعلم الذاتي والمستمر بالإضافة إلى خفض تكاليف العملية التعليمية وتحسين جودة المخرجات.

7) العناية بالكفاءات العلمية والمهنية والحد من هجرة الأدمغة والعقول وإستقطاب تلك الموجودة في الخارج ورعاية العلماء والمفكرين والموهوبين والمبدعين بإعتبارهم ثروة بشرية وطاقة دافعة نحو التقدم والرقي.

محور المسؤولية المجتمعية وخدمة المجتمع:
الجامعات هي مؤسسات إجتماعية / أكاديمية هدفها التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع؛ وأن هذه الأهداف أو الغايات مترابطة ومكملة بعضها للبعض الآخر. كذلك ينظر إلى الجامعات على إنها مراكز للتنوير والإبداع الفكري، وصروح للإشعاع العلمي والحضاري، ومنابع للثروات والخبرات والمهارات البشرية، وحواضن ثقافية وتربوية لترسيخ مبادئ العمل الجاد والقيم الإنسانية والتعاون المثمر وإحترام الرأي الآخر فضلاً عن تعزيز ثقافة الحوار والتسامح ونبذ العنف والتطرف.
ولا تنحصر مهمة الجامعات في نقل أو نشر المعارف والحفاظ على الإرث الإنساني وإيصاله إلى الأجيال القادمة؛ بل لابد لها من إنتاج المعارف العلمية وإثراءها وتحديثها بصفة مستمرة من خلال الأبحاث والتجارب الميدانية والسعي لتوظيفها لحل المشكلات المختلفة التي يواجهها المجتمع. وتقع على عاتق الجامعات أيضاً مهمة إعداد الكوادر البشرية التي تتولى مسؤولية العمل في قطاعات الإنتاج المختلفة وتأهليهم نفسياً وثقافياً ووطنياً وتشكيل وعيهم وتطوير قدراتهم ومهاراتهم لمواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية ومواجهة التنافس الدولي واللحاق بركب الحضارة العالمية. وبذلك غدت مؤسسات التعليم العالي لاعباً أساسياً في تحريك ودفع عجلة الاقتصاد الوطني وفي الحفاظ على كيان المجتمع وقيمه الإنسانية وتراثه الحضاري وتحقيق تطلعاته في التنمية الشاملة والمندمجة مع الإقتصادات والمجتمعات الأخرى.
ومن هنا تأتي أهمية وخطورة الدور الذي تلعبه هذه المؤسسات وضرورة دعمها ومدها بما تحتاجه من موارد ومستلزمات وتهيئة الأجواء المناسبة لها لكي تتحمل مسؤولياتها وترتقي بمستوى أداءها وتنفذ وظائفها الثلاث المتمثلة في إعداد وتأهيل الموارد البشرية وإجراء البحوث العلمية ومعالجة القضايا والمشكلات الإجتماعية. ويرى عدد كبير من المحللين والمتابعين أن خدمة المجتمع والمساهمة في معالجة مشكلاته وتوفير متطلباته (الوظيفة الثالثة) هي من أبرز وظائف جامعات اليوم؛ إلا أن مستوى الإهتمام بالمسؤولية المجتمعية في جامعاتنا الوطنية، وللأسف الشديد، ما زال ضعيفاً إن لم يكن منعدماً عند البعض؛ إضافة إلى عدم وجود إستراتجية واضحة وشاملة تحدد أولويات المسؤولية المجتمعية وآليات تطبيقها وتقويم أنشطتها.
ولتعزيز فاعلية المسؤولية المجتمعية في جامعاتنا وإخراجها من عزلتها وتنشيط دورها في خدمة المجتمع، لابد من عمل الآتي:
1) الإعتراف بالدورالمحوري للجامعة في خدمة محيطها ومجتمعها، ووضع المسؤولية المجتمعية في صلب إستراتيجيتها، وإعتبار مسألة الإندماج مع قضايا المجتمع والمساهمة في معالجة مشكلاته وتوسيع أفاقه المعرفية والثقافية واجباً وطنياً؛ وإتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بتفعيل هذا الدور في ضوء الأهداف العلمية والتربوية والثقافية لرسالة الجامعة ورؤيتها الإستراتيجية.
2) تأسيس مراكز دراسات مستقلة وظيفتها تحليل وتفسير الظواهر والمشكلات التي يواجهها المجتمع ومحاولة تقديم الحلول الناجعة لها، فضلاً عن عقد المؤتمرات وإلقاء المحاضرات وتنظيم المنتديات لتسليط الضوء على قضايا إستراتيجية تهم طلبة الجامعة والمجتمع (مثل التلوث والطاقة وحقوق الإنسان والتعليم ونقل التكنولوجيا والعولمة والهجرة والصحة والمياه والتنمية والغذاء وأسواق المال والعمل)؛ وتخصيص الموارد المالية الداعمة لإستدامة نشاط هذه المراكز.
3) إعتماد نماذج تعليمية غير تقليدية بما فيها التعليم المفتوح والتعليم الإلكتروني أو ما يسمى بالجامعات الإفتراضية أو أي وسائل أخرى تسمح بها التكنولوجيا الحديثة لتوفير تعلم تفاعلي ومستمر خارج الفصول الدراسية التقليدية وبتكاليف بسيطة تستفاد منه جميع شرائح المجتمع من دون التقيد بمكان أو زمان معينين .
4) نشر ثقافة المسؤولية المجتمعية بين منتسبي الجامعة وفي المجتمع المحلي عبر وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة لتصبح سلوكاً إنسانياً وحضارياً يترسخ في وجدان الأفراد والمجتمعات والمؤسسات.
5) تبني نموذج “الجامعة المنتجة” بإعتبار أن التعليم العالي عملية إنتاجية، وأنه يعطي مخرجات لها مردودات اقتصادية واضحة من خلال تصميم وتسويق منتجات معرفية متفوقة نذكر منها: برامج تدريب القيادات الإدارية وبرامج الدراسات العليا (بشقيها الأكاديمي والإحترافي) وبرامج التعليم المستمر والاستشارات والبحوث التعاقدية وغيرها من الأنشطة الإنتاجية التي تلبي حاجات التنمية والتطور وبناء المجتمع المعرفي. وقد طبقت كثير من دول العالم هذه الفلسفة كمحاولة منها لإيجاد مصادر إضافية لتمويل الجامعة تنعكس إيجابياً عليها وعلى العاملين فيها وعلى المجتمع الذي يحتضنها.
6) ضرورة ربط الجامعة بالمجتمع وأن لا تكون الجامعة منكفئة على ذاتها، بل عليها أن توسع دائرة نشاطاتها لتشمل ما هو أكثر من التعليم والبحث العلمي، مثل تقوية علاقاتها مع منظمات المجتمع المدني، والعمل على نشر مبادىء الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، وترسيخ قيم التسامح والحوار والمواطنة الحقة، ومحاربة الفساد والنزعات العرقية والطائفية وهدر الموارد والجريمة المنظمة والمخدرات، وغير ذلك من الممارسات والآفات الخطيرة التي تُهدد السلم والأمن والإستقرار المجتمعي، بل وتتسبب في تعطيل تقدمه وإزدهاره المستقبلي.

خاتمة:
لا جدال من أن التعليم بشكل عام والتعليم العالي على وجه الخصوص، هو أحد الإستثمارات الأكثر إنتاجية والتي يمكن للدول من خلالها أن تحقق لمواطنيها ومجتمعاتها الأمن والإزدهار الدائمين. لذلك بات ينظر إلى مسألة تطوير أداء هذا القطاع والنهوض بجودة مخرجاته على إنها إستراتيجية وطنية وقضية أمن قومي تؤثر سلباً أوإيجاباً على مصالح المجتمع ومستقبل الأجيال القادمة.
قطاع التعليم العالي في العراق تواجهه اليوم تحديات كبيرة وخطيرة، وإنه يعاني من أزمات ومشكلات متراكمة وإخفاقات هيكلية ومالية وإدارية عديدة. ولعل الوقت قد حان للإعتراف بهذه التحديات والمشكلات والبدء بمواجهتها والتصدي لها من خلال بلورة وتطبيق إستراتيجيات ذكية تتبنى الإبتكار والإبداع العلمي، وكذلك من خلال إجراء إصلاحات جذرية وشاملة في سياساته وأساليب عمله وفي تشريعاته وفي برامجه وفي مناهجه وفي أنظمة التسيير والحوكمة المطبقة في مؤسساته بهدف إخراجه من أزماته وحل مشكلاته وإعادة تأهيله لمواجهة تحديات العصر المعقدة، ومواكبة الثورة المعلوماتية، وتلبية إحتياجات السوق المحلية، والوصول بجودة مخرجاته إلى المستويات العالمية؛ هذا فضلاً عن فسح المجال واسعاً أمامه للمساهمة الجادة والنشطة مع بقية القطاعات الإقتصادية والإجتماعية لبلوغ أهداف التنمية المتوازنة والمستدامة التي طال أمد إنتظارها.

د. وجيه العلي
أكاديمي عراقي مقيم في كندا
16 حزيران / يونيو 2019

د. وجيه العلي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close