المجلس الأعلى لمكافحة الفساد بين التصريحات السياسية والواقع القانونيالجزء الأول (1-2)

د. حسن الياسري

بغداد

الجزء الأول (1-2)

لم أشأ الحديثَ عن هذا الموضوع طيلة المُدَّة المنصرمة من بداية هذا العام، ولقد كنتُ مُتردِّداً في الكتابة عنه لأسبابٍ عديدةٍ ؛ لعلَّ من أبرزها أنّ الإعلان عن اجتماع المجلس برئاستهِ الجديدة المُتمثِّلة بالسيِّد رئيس مجلس الوزراء قد أسفرت عن عدم علم الكثيرين بحقيقة هذا المجلس وطبيعة دوره، بل إنّ المُدَّة المُنصرمة قد أماطت اللثامَ عن حقيقةٍ مُؤلمةٍ، مفادها عدم علم وإحاطة كثيرٍ من أوساط المجتمع ببعض الأمور البديهيَّة التي يُفترَضُ العلم بها.

وحينما تواجهُك هذه الحقيقة فإنك ستحتار وتتردَّد كثيراً في الحديث عن أمرٍ، تحسبه بديهياً، ويحسبه غيرك من الغالبيَّة العظمى أمراً غير معلومٍ !!! وتزداد الحيرة أكثر حينما تُدرك أنَّ الذين لا يعلمونه هم من علية القوم، سياسيِّين وبرلمانيِّين وإعلاميِّين. ولعلَّ هذه المشكلة تتفاقم أكثر عندما لا ينبري أحدٌ لبيان الحقيقة، فلا مناص والحال هذه من التصدِّي لإيضاحها، ولو أفضت إلى سخط البعض، من المُستفيدين من ظاهرة التجهيل في المجتمع .

الأمر الديوانيُّ المُتعلق بالمجلس:

عند صدور الأمر الديوانيِّ الجديد في عهد الحكومة الجديدة المُتعلِّق بالمجلس الأعلى لمكافحة الفساد، بدأ المنظِّرون والخبراء والمحللّون بالحديث عن أمرٍ وكأنه سابقةٌ جديدةٌ غير معهودةٍ، وبدأوا بوضع تصوراتٍ طوباويَّةٍ من عند أنفسهم لأمورٍ سيقوم بها المجلس، وهي ليست بالأساس من وظائفه وصلاحياته.

فلقد أفتى أحد هؤلاء، ووافقه البعض ، بضرورة إلغاء الأجهزة الرقابيَّة، وهي :

ديوان الرقابة المالية – هيئة النزاهة – مكاتب المُفتِّشين العموميِّين – ، والاكتفاء بهذا المجلس ، بدعوى أنه يمارس صلاحيات هذه الأجهزة ذاتها ؛ لذا لا بد من إلغائها؛ بغية القضاء على الترهل.

ودعا ثانٍ إلى ضرورة محاسبة الفاسدين من قبل هذا المجلس، وطالب ثالثٌ بإحالة ملفات الفساد إلى المجلس لغرض التحقيق بها، وتقدم رابعٌ بطلبٍ إلى المجلس يروم فيه إثبات برائته ومنحه صك الغفران … الخ. ثم ضجَّت من بعد ذلك القنوات الفضائية ببرامجها المعروفة ، واستضافت العديد من هؤلاء المنظِّرين الذين تحدثوا لساعاتٍ طويلةٍ ، في برامج متعددةٍ ، عن موضوعٍ ليس له وجودٌ إلاّ في مخيلتهم.

وقد لا أكون مستغرباً حينما ينشأ هذا الخلط والخطأ الفاحش من بعض السياسيين والبرلمانيين ؛ فتلك صفةٌ اتصف بها بعض أولئك منذ العام 2003 ، ولطالما تحدث بعضهم بأمورٍ ونظرّ لقضايا لا تعدو عن كونها أوهاماً لا وجود لها في أرض الواقع.

بيد أنَّ الاستغراب ينشأ حينما يقع في الخطأ ذاته بعض المحسوبين على البيئة القانونية أو بعض الإعلاميين ، إذْ انجرفوا كسواهم ، وخاضوا كالذي خاضوا ، فتوهموا وأوهموا ، في الوقت الذي كان ينبغي لهم التحلّي بالدقة والبحث بموضوعيةٍ ؛ فتلك صنعتهم.

وفي الواقع ليس مرامي من هذه المقالة الإساءة إلى أحدٍ مهما كان ، بل كل ما أصبو إليه إيضاح الحقيقة التي تاهت في وسط هذا الجو المتلاطم ؛ ولذا ذكرتُ قبل قليل ترددي في الكتابة عن هذا الموضوع لأشهرٍ عديدةٍ.

هل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد تشكيلٌ جديدٌ ؟ :

إنّ المجلس الأعلى لمكافحة الفساد ، بإيجازٍ ، ليس تشكيلاً جديداً كما يعتقد هؤلاء ؛ بل هو قائمٌ وقديمٌ ؛ فلقد أُسِّس منذ العام 2007 ابان حكومة السيد المالكي الأولى ، بمقتضى الأمر الديواني المرقم 99 في 30/5/2007 ، وقد أُسِّس تحت عنوان (المجلس المشترك لمكافحة الفساد)، وكان برئاسة السيد الأمين العام لمجلس الوزراء ، وعضوية رئيس هيئة النزاهة ، ورئيس ديوان الرقابة المالية ، وممثل عن المفتشين العموميين . ولقد كان الغرض من إنشاء المجلس آنذاك التنسيق بين الأجهزة الرقابيَّة الثلاث، وإزالة العقبات التي تقف حائلاً دون إنجازها مهماتها.

لقد ظلَّ المجلس المشترك لمكافحة الفساد مستمراً في العمل منذ عام 2007 حتى انبثاق حكومة السيد العبادي في عام 2014 ، وعند مجيئنا إلى هيئة النزاهة في منتصف عام 2015 كان المجلس قائماً ويجتمع دورياً برئاسة السيد الأمين العام لمجلس الوزراء ، وقد حضرنا العديد من الاجتماعات في أثناء مدة عملنا والتي أسفرت عن إصدار العديد من القرارات والتوجيهات التي تهدف إلى التنسيق وإزالة العوائق التي تعتري طريق الأجهزة الرقابية . وقد تقدمنا في حينه بمقترحٍ يرمي إلى إدخال ممثلٍ عن السلطة القضائية في المجلس ليحصل التنسيق الكامل ؛ إذ لا فائدة من عمل الأجهزة الرقابية الثلاث دون وجود القضاء ، وفعلاً وافق مجلس القضاء الأعلى على المقترح الذي تبناه المجلس ، وأُدخِل ممثلٌ عن السلطة القضائية (وهو السيد رئيس جهاز الإشراف القضائي) ، ليكون عضواً في المجلس آنذاك.

وبعد الإعلان عمّا سُمّي بـ (حزمة الإصلاحات) إبَّان حكومة السيد العبادي في عام 2015 ، صدر الأمر الديواني المرقم 340 في 27/8/2015 ، الذي بمقتضاه تم تغيير اسم المجلس من (المجلس المشترك لمكافحة الفساد) إلى (المجلس الأعلى لمكافحة الفساد) ؛ لكونه أصبح برئاسة السيد رئيس مجلس الوزراء ( السيد العبادي ) ، وبقيت الجهات السابقة ممثلةً فيه ، وهي :

1. الأمين العام لمجلس الوزراء.

2. رئيس هيئة النزاهة.

3. رئيس ديوان الرقابة المالية.

4. ممثل عن السلطة القضائية.

5. مدير عام الدائرة القانونية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء مقرراً.

ما يعني أنَّ التغيير في هذا الأمر هو دخول السيد رئيس مجلس الوزراء في عضوية المجلس ، لأول مرةٍ منذ تأسيسه ، وترؤسه إياه . ومنذ نهاية شهر آب من عام 2015 أصبح اسم المجلس ( المجلس الأعلى لمكافحة الفساد ) ، ويترأسه السيد رئيس مجلس الوزراء. وقد عقد المجلس آنذاك العديد من الاجتماعات الدورية , التي أسفرت عن إصدار العديد من القرارات والإعمامات والتوجيهات التي سهلت بالمحصلة عمل الأجهزة الرقابية , وبقيت وظيفته الرئيسة التنسيق بين الأجهزة الرقابية الثلاث والقضاء . وظل المجلس قائماً طيلة مدة حكومة السيد العبادي , بل بقي قائماً ومنعقداً حتى بعد أن تحولت تلك الحكومة دستورياً إلى حكومة تصريف أعمالٍ.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close