الإستراتيجية الأمريكية في التعاطي مع إيران

ساهر عريبي
[email protected]

كانت إيران حليفا استراتيجيا مهمّا للولايات المتحدة الأمريكية قبيل إنتصار الثورة الإيرانية في العام 1979, حيث إضطلعت بدور شرطي الخليج الذي يضبط إيقاع دول الخليج التي نالت معظمها إستقلالها في السبعينات من القرن الماضي. إذ كانت تلك الدول تنظر لإيران بعين العظمة لجهة كونها دولة مترامية الأطراف ولكونها الحليف الأكبر لأمريكا بعد أسرائيل.

لكن تلك المعادلة إنقلبت رأسا على عقب بعد انتصار الثورة الإيرانية لتتحول ايران بعدها إلى أكبر عدو للولايات المتحدة في المنطقة فيما تغيرت نظرة الممالك الخليجية لإيران وباتت تعتبرها عدوا لها حتى تحولت بمرور الوقت الى أكبر عدو بنظر بعض تلك الدول وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية حتى لم تعد اسرائيل عدو العرب الأول بل أصبحت حليفهم الأول!

تغيّرت الإستراتيجية الإمريكية بعد انتصار الثورة الإيرانية وبعد فشل السياسية الأمريكية في إحتوائها ووصلت الأمور بين الطرفين الى حالة عداء شديد منذ اقتحام طلاب موالون للثورة لمقر السفارة الأمريكية في طهران, وإحتجاز منتسبها لأكثر من عام حيث قطعت العلاقات بين البلدين منذ ذلك الحين وخاض الطرفان تنافسا شديدا طوال هذه العقود الأربعة في ساحات الصراع في المنطقة.

إعتمدت الإستراتيجية الأمريكية ومنذ ذلك الحين على العقوبات الإقتصادية والعسكرية كسلاح لتحجيم نفوذ ايران فيما تحاشت الصدام معها عسكريا بشكل مباشر إلا عند الضرورة, وتركت المهمة لوكلاءها في المنطقة. كانت باكورة تلك العقوبات هي اصدار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارت أمرا تنفيذيا في نوفمبر 1979 بتجميد نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية، بما في ذلك الودائع المصرفية والذهب وغيرها من الممتلكات.

وبعد إعلان النظام العراقي السابق الحرب على ايران في العام الذي تلاه ، زادت الولايات المتحدة من العقوبات المفروضة على إيران. وفي عام 1984، تمت الموافقة على العقوبات التي تحظر مبيعات الأسلحة وجميع المساعدات الأمريكية
لأيران فيما عرف بقانون العقوبات الإيرانية (ISA) الذي هو أساس العقوبات الحالية. ثم صوت المشرعون الأمريكيون في العام 2013 لصالح تشديد العقوبات على ايران على خلفية برنامجها النووي.

لكن هذه الإستراتيجية الأمريكية القائمة على شقي العقوبات وحروب الوكلاء لم تفلح في تحجيم النفوذ الإيراني فضلا عن فشلها الذريع في إسقاط النظام, بل على العكس من ذلك فإن ايران وبعد مرور أربعة عقود على فرض العقوبات فإنها تحولت الى دولة عظمى في المنطقة من حيث قدراتها العسكرية ونفوذها وإمكانياتها العلمية والتكنولوجية. بل إن هذه الإستراتيجية جاءت بنتائج معكوسة تماما حتى أصبحت ايران رقما لايمكن تجاوزه لتمرير أي مخطط في المنطقة.

لم تلجأ الولايات المتحدة الى الخيار العسكري المباشر الى عند الضرورة وكما حصل في العام 1988 عندما أسقطت قواتها بامر من الرئيس رونالد ريغان, طائرة مسافرين ايرانية كان على متنها عشرات الإشخاص وهي متجهة نحو دبي. كانت تلك الضربة السبب الأساسي وراء وقف ايران للحرب وقبولها بالجلوس على طاولة المفاوضات مع نظام صدام حسين, الذي أنهك موازنة دول الخليج التي تولّت تمويل حربه التي شنها على ايران.

ويعود هذا التوجه الأمريكي لعدم خوض حرب مباشرة مع ايران الى أن الولايات المتحدة التي تنظر بعين الشراهة الى نفط الخليج بحاجة الى ابقاء الممالك الخليجية في حالة من الرعب والخوف من ايران وبمايدفعها الى ابرام عقود تسلح فلكية مع واشنطن. حتى أصبح الشرق الأوسط المنطقة الأكثر استيراداً للأسلحة في العالم بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.وكانت آخر تلك العقود هي تلك التي امضتها السعودية مع إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب والتي بلغت قيمتها 460 مليار دولار معظمها لشراء السلحة, فضلا عن مبيعات الأسلحة الأوروبية الى دول المنطقة.

إن مبيعات الأسلحة الى دول الخليج والى باقي دول المنطقة ماكن لها أن تنمو بهذا الشكل لولا التخويف الأمريكي من ايران, واذا ما اخذنا بنظر الإعتبار أن مبيعات الأسلحة تلعب دورا أساسيا في إقتصاديات الدول الصناعية, فتتضح أهمية بقاء التفوق الإيراني العسكري على دول الخليج كعامل أساسي لزيادة مبيعات السلحة الأمريكية للمنطقة.

لكن هذه الإستراتيجية الأمريكية لم تنجح في تحقيق جميع أهدافها وإن كانت حققت نجاحا باهرا على صعيد صادرات الأسلحة وفي تحويل ايران الى العدو الأول في نظر العديد من الدول العربية, وأخيرا تحويل اسرائيل من عدو الى حليف لمعظم دول المنطقة. فهذ الإستراتيجية فشلت فشلا ذريعا خلال العقود الأربعة الماضية في تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة الذي إمتد الى بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء شرقا والى كابل غربا. فيما عززت ايران من علاقاتها مع كل من روسيا والصين.

وفوق كل ذلك نجحت ايران في تطوير برنامج نووي بلغ مراحل متقدمة قبل أن يصبح حديث العالم منذ قرابة العقدين من الزمن. ويبدو إن هذه الإستراتيجية كانت موضوعا للمراجعة من قبل إدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب الذي تقف المنافع الإقتصادية وراء قراراته بالمقام الأول, وتعزيز أمن اسرائيل في المنطقة في المقام الثاني إن لم يكن الموازي للأول. وكما كان متوقعا فإن ترامب اتبع ذات الإستراتيجية السابقة, لكنه عمد الى تشديد العقوبات الإقتصادية على ايران التي ثبت فشلها في الماضي, لكنه يجرب اليوم سد الثغرات في تلك العقوبات والمتمثلة في تصفير الصدارات النفطية الإيرانية وفي وقف التعاملات المالية مع ايران بشكل كامل.

كما وأنه أجرى تعديلا على الركن الثاني من الإستراتيجية الأمريكية ألا وهو تحاشي الصدام العسكري المباشر مع ايران. إذ اتخذ سلسلة من الإجراءات العسكرية التي توحي بأنه بصدد شن حرب عسكرية على ايران تؤدي الى تدمير قوتها العسكرية. إلا أن التطورات التي حصلت في المنطقة مؤخرا سواء عبر استهداف ناقلات النفط او إسقاط ايران لطائرة تجسس ايرانية, توحي بان الإستراتيجية الأمريكية لم تتغير ولكنها أصبحت اكثر شدّة.

فإدارة ترامب ليست بصدد شن حرب تدميرية على ايران لإن مثل هذه الحرب تعني أن حكام الخليج وخاصة السعودية والإمارات والبحرين سينامون قريري الأعين لا يمر عليهم في منامهم المارد الإيراني الذي بات يؤرقهم في مضاجعهم, ولو فعل ترامب ذلك فإن أمريكا ستضرب حينها أخماسا بأسداس لارتكابها مثل هذه الحماقة التي ستحرمها من مبيعات أسلحة وصلت قيمتها الى اكثر من تريليون دولار طوال العقود الأربعة الماضية.

ولذا فمن السذاجة الإعتقاد أن ترامب بصدد شن مثل هذه الحرب مهما أزبد وأرعد, فإن أقصى ما يمكنه فعله هو توجيه ضربات محدودة لإيران فكل مايريده هو بقاء ايران قوية مخيفة لدول الخليج, لكن ليس بتلك القوة الكافية التي تهدد امن إسرائيل وتعرقل المخطط الأمريكي لتصفية القضية الفلسطينية فيما بات يعرف بصفقة القرن.

إلا أن شكوكا تساور المراقبين في مدى نجاح هذه الإستراتيجية التي فشلت فشلا ذريعا فيما مضى, خاصة وان ما يعجّل في فشلها هو أن الإنتخابات الرئاسية الأمريكية على الأبواب وأن أي خطأ لترامب في هذه المواجهة يعني أن أبواب البيت الأبيض ستغلق بوجهه لولاية ثانية. ولذا سيكتفي ترامب بتسويق ورقة العقوبات لإقناع الناخبين الأمريكيين بنجاح سياساته حيال ايران التي تؤتي ثمارها بسحب المزيد من أموال دول الخليج, وبمزيد من التقارب العربي الإسرائيلي لمواجهة العدو المزعوم على الضفة الأخرى من الخليج وفي تمرير صفقة القرن!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close