تضخم الأحادية… سريالية الأنا الممتدة..

د. اكرم هواس

مع توسع ثقافة احترام الاخر و انتشار النهج الديمقراطي و التعددية السياسية في العقود الاخيرة منذ سقوط جدار برلين و اندحار الفكر الشمولي … او كما سميت هكذا المرحلة التاريخية القريبة فان عودة الفكر الاحادي في الحكم و الادارة تثير اسئلة كثيرة: هل يمكن ان تعيد الديمقراطية انتاج أنماط جديدة من الاحادية…و هل يمكن للانسان ان “يختار” التنازل عن الحرية التي كافح من اجلها آلاف السنوات و يضع نفسه “طوعاً” تحت حكم آليات الخضوع …؟؟..

ربما تكمن الاشكالية في ابعادها العديدة في مفهوم الاحادية ذاتها…. الاحادية بشكل ما لا يمكن اختزالها و بالتالي فهي ليست تعبيراً عن النرجسية فحسب…و ليست دكتاتورية و لا ألوهية و لا عنجهية و لا اعتداد بالنفس او شيطنة الاخر … انها كل هذه و تلك و اشياء اخرى كثيرة.. هي حالة ربما ليست مرضية بالمفهوم الطبي Pathology و لا دالة عنفوان او نشاط مفرط Hyper Activity… و لا اختزال و لا انعزال… انها بقايا ذاكرة الانسان الاول الذي لا يعرف الحدود بين الذات و المحيط …انها حالة مشوشة تتراوح بين عبادة الذاتSelf-Worshiping و نكران الذات Self-Abnegation … انها هلاوس او تصورات بان الذات Ego يمكن ان تحتوي الاخر Xeno كله… كل الناس و كل الأشياء … لان الأشياء ليس لها وجود الا عندما تكون الذات موجودة… و قيمة كل الأشياء و الكائنات مرهونة بحاجة الذات و حضورها … الذات اذن هي التي تحدد كل الوجود الاخر من خلال وجودها الذاتي و عليه فالذات تتواجد في كل الحارات و كل الشوارع … في كل المدن و داخل كل النفوس و العقول ..خارجها و حولها …

ربما هي نوع من الانفصام التطوريEvolutionary Schizophrenia بحيث ان الفرد تزداد عنده حالة الانفصام كلما تطور الواقع فيتصور ان حجمه يتضخم بنسق اسرع و اكبر من كل التطور الحاصل حوله… بل يتصور ان التطور المحيط إنما انعكاس لتطوره هو….

لكن لكي تثبت لنفسها انها التي تمنح كل الوجود وجوده فلابد ان أحاديتها لا تبغي إلغاء الاخر او تهميشه او اختزال عقله و أحباط قدراته… الاحادية تريد الجميع ان يكونو مفكرين وسعداء ليرفعوا من شأنها و يزيدو في تبجيل هيبتها … الاحادية تريد الجميع صغاراً مثل الكتاتيت الجميلة التي ترقص و تغني حتى و هي تذهب الى حيث لا عودة…

الاحادية هي حالة تضخم للذات و التضخم هنا يشبه حالة التهاب أو ورم … بعض لاعبي كمال الأجسام يتناولوا اشياء ليست لها علاقة بالغذاء حتى تتضخم عضلاتهم لا لشيء سوى انهم يبدون اضخم من الآخرين … يريدون ان يرو الآخرين اقزام … لكن أقزاما سعداء… لان دون سعادة أولئك فان ضخامة العضلات لا تعني شيء….

هذه هي ايضا حال السياسيين في عالم اليوم .. و نحن نختبر اخر نماذج الديمقراطية … يوما كانت الديمقراطية حكم الشعب… او هكذا قيل!!!….. رغما انها في الواقع كانت تمثل ارادة النخبة الحرة الغنية القادرة على ارغام الفقراء و العبيد ليرقصو و ينزفوا و تزهق ارواحهم كي يشعر الاحادي بهيبته…

اليوم توسعت الديمقراطية… اصبح للفقراء و المنبوذين و المغتصبات و الثكالى “أصوات”..!!.. لكن احادية اصحاب السلطة و مراكز القوة و النفوذ و التأثير في المقابل غدت تزداد تضخما بشكل يكتم انين المعذبين و يسرق من افواه الجوعى حقهم في الصراخ..

الكثير من السياسين و المفكرين و الباحثين و الشعراء و الأدباء و الفنانين و الاعلاميين ووووو العديد من المثقفين … كل هؤلاء الذين من المفروض انهم يمثلون الشعب و العدالة ووووو… و و بالتالي لابد ان يقفو في وجه الاقتصاديين و العسكر و رجال السلطة و ملكات الجمال و الأميرات و السلاطين و دور الأزياء الذين تعودوا عبر التاريخ ان يتحكموا برقاب الناس و يسرقوا جهدهم و خبزهم و يرسمو ملامح أذواقهم …. لكن الواقع مرة اخرى يبدو ان هؤلاء “ممثلي حقوق الناس” غدو مجرد ماكينات لتكبير صورة الاحادي و تضخيم هيلمانه..!!..

ديمقراطيو اليوم مازالوا يحكمون بسريالية الانسان الاول.. “انا اقتل اذن انا موجود”… “انا اصرخ اذن انا مسموع”….” انا اغضب اذن انا مطاع”… “انا اغتصب اذن انا الذكر”…. “انا انهش اذن انا الملك”….” انا احرق و ادمر اذن انا المهيمن القادر”…” انا ارعب الناس اذن انا السلطان”… وووو…اذن انا هنا و هناك …و هناك انا و انا .. انا… انا الارض و السماء و النار و الهواء ..انا البلسم و الوباء … انا الحياة و النبات و الماء و الموت…الست انا من يسمح لمن يعيش و يميت من يموت..؟؟.. أليست الديمقراطية تعني التوازن فانا اذن اصنع التوازن… او العدالة … اذن اعدل بين الأحياء و الأموات … هكذا كلما يلد طفل لابد ان يموت غيره…اذن انا عادل… اذن انا ديمقراطي..

و ليعترض من يحب و ليصرخ من يحب فانا ديمقراطي… و المعارضة لها حق الصراخ و لكنه لن يعدو الا صرخة في وادي الزمن لعل الموتى يفرحوا بدمعة ذرفها محب على قبرهم المحفور في ارضي و تحت سمائي…انا… الممتد في كل مكان و زمان… انا الديمقراطي الوحيد الواحد … و العالم كله لعبتي و انتم أيها الأعزاء بيادقي الجميلة.. و لكم كل الحق في اختيار “الرقص في أحضاني او الموت على وتر أحزاني”…. مع الاحترام لنزار قباني ..

هل هذه هذه حال العلاقة بين “الانا” و “الاخر” في ديمقراطيات عصر العودة الى الهمجية..؟؟ … ربما..!!.. لنا عودة…حبي للجميع

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close