[ الثالث من تموز عام 1963..درس للتأريخ ]

– ألخليل علاء ألطائي –

– روى لي مَن حضرَ مع الجماهير ألمُحتشدة من سكان صرائف خلف السدة لمشاهدة إعدام ألبطل حسن سريع وفي ألمنطقة ذاتها وسكانها الفقراء الذين حلم بتغيير حياتهم نحو ألأفضل.. قال الراوي الشاهد على تلك ألساعة؛ إقتربت أُم حسن سريع لتُعانقه وتودعه الوداع ألأخير قبل صعوده ألمشنقة فإعترضها أحد ألجلاّدين ودفعها بعيداً عنه فزجره حسن سريع وقال له (لاتدفع أمي.. يجي يوم يقام لي تمثال في هذا ألمكان )..

أقول أما حان ألوقت لتحقيق نبوءة حسن سريع؛ بإقامة نصب تذكاري لأبطال إنتفاضة ألثالث من تموز أو تمثال للبطل الشهيد حسن سريع في ذلك ألمكان ألذي أُعدم فيه؟

– لنتأمل أهم دروس هذه ألإنتفاضة وبإمكاننا ألعودة إلى ألتأريخ وإسترجاع قرائن ألثورات وألإنتفاضات ألشعبية ألتي مهَّدت للثورات ألكبرى, وثمة شروط تأريخية آنيَّة كمواجهة نُظُم دكتاتورية دموية لابدَّ من مواجهتها بالكفاح ألمسلح ألأمر ألذي يحتمل ألمُغامرة وما تنطوي عليه من مُفاجآت غير محسوبة وإخفاقات ومن ثم تضحيات كبرى.

كثيرةٌ هي ألدروس ألتي أفرزها واقع ألعراق تحت حكم الإنقلابيين بعد 8 شباط 1963 وقد كُتب عنها ألكثير,خاصةً فيما يتعلق بسلوك ألإنقلابيين ألدموي؛ لكن ألحدث الأهم في تلك ألفترة هو ألمقاومة ألبطولية لمجموعة ألثوار يوم الثالث من تموز لمواجهة ألإنقلابيين وحرسهم ألقومي.

ماهي مميزات هذه ألإنتفاضة؟

وماهي ألدروس ألتي قدمتها؟

– السمات ألطبقية ألجديدة؛ فالمجموعة ألثورية تتكون من جنود ينحدرون من أوساط المناطق ألفقيرة في بغداد. وليسوا ضبّاطاً كباراً وينطوي هذا الأمر على تحدي كبير للطبقية العسكرية وتراتب مواقعها في ألمسؤولية, فالمُعتقد ألسائد ومنذ تأسيس ألدولة ألعراقية هو أن ألإنقلابات تتم على أيدي ألضباط ألكبار.. رتبة عقيد فما فوق ولهذا ألتراتب دلالته ألطبقية عسكرياً وإجتماعياً؛ بإنحدار ألضبّاط ألكبار من طبقات إجتماعية غنيّة, برجوازية تجارية وحتى طائفية سنيّة. وإن حركة ألتأريخ مرهونة بأوامر هذه ألفئآت ومكانتها في ألدولة والمُجتمع ومن خلال رِتَبها ألعسكرية. وإن ألفِرَق ألعسكرية والألوية والأفواج تتحرك بموجب أوامر هذه ألقيادات فالجنود والضباط من الرتب الأدنى لاحول لهم ولا قوة ويتحركون مهما كان الهدف, وقد حصل ذلك في مسلسل الإنقلابات ألعسكرية في ألعراق بما في ذلك ثورة تموز 1958 .

وفي صبيحة 8شباط الأسود شاهدتُ رتل ألدبابات وعلى صدورها صورة عبد الكريم قاسم بحجم متوسط وحين تجمع الناس حول إحدى ألدبابات سألوا ألجندي الواقف خلف مدفعها( إنتم ويَّة ألزعيم؟)- أنتم مع ألزعيم عبد ألكريم قاسم؟- أجاب ألجندي برفع يده إلى ألسماء وقال (أمرنا بيد ألله) وهذا يدل على أنه يُنفذ أوامر مهما كانت الأهداف بما فيها الإنقلاب وإبادة ألشعب, فقد ترسَّخَ في ذاكرة ألوعي ألجمعي أن ألبطل ألمُنقذ, ألمُنتظر, سيظهر برتبة ألزعيم ألركن أو أللواء ألركن, وقد بالغ إنقلابيوا شباط بهذه الرتب فإستحدثوا رتباً أعلى وقفزوا على الأدنى منها ففُصِّلت رتبة مُشير لعبد السلام عارف ورتبة مهيب لأحمد حسن ألبكر في الإنقلاب ألبعثي ألثاني.

هنا نرى أن قيام حركة ثورية بقيادة جندي أو عريف تُشكِّل خروجاً على قوانين ألتأريخ – تأريخ ألسلسلة ألطبقية ألحاكمة- كما حصل في ثورة سبارتكوس وثورة ألزنج وثورات أمريكا أللاّتينية؛ إنها خروج على ألنمط ألكلاسيكي للإنقلابات؛ وتحويل ألصراعات من صراعات فئوية على المواقع وألمناصب داخل ألطبقة ألحاكمة إلى صراع طبقي بين حاكمين ظالمين ومحكومين مظلومين..إنها ثورة ألمظلومين.

– جاء توقيت الثورة بعدما تعرضت ألقوى الوطنية والديمقراطية وفي مقدمتها ألحزب الشيوعي ألعراقي للتصفيات بموجات من الإعدامات وبشكل خاص في القوات ألمسلحة في أعقاب ألمقاومة ألتي واجهت ألإنقلابيين في بعض الوحدات ألعسكرية وفي مناطق بغداد ( ينُظر حامد الحمداني /الحقيقة حول 8 شباط 1963 ألفاشي/موقع: الحوار ألمتمدن).

– عرف العراقيون هوية الإنتفاضة ألقائمة على ألوعي ألطبقي ألجديد, وعي ألجندي بالأحداث ودوره فيها؛ وهكذا تم ألتخطيط للثورة وتوقيتها, ولن ندخل في تفاصيل أحداثها؛ لكنها كشفت عن وعي جديد وإمكانيات مستقبلية وهو ألعامل الأهم.

– كان ثوّار معسكر ألرشيد يُخططون لنظام سياسي ديمقراطي, ولم يتصرفوا بروح الإنتقام والثأر رغم شراسة ألبعثيين وإنحطاطهم. وكان الثوار قد إعتقلوا ثلاثة من رؤوس الإنقلاب وهم منذر الونداوي قائد الحرس القومي وحازم جواد وزير الداخلية وطالب شبيب وزير الخارجية؛ ولم يقتلوهم. ولمّا وجَّه قاضي المحكمة الصورية سؤاله إلى حسن سريع:

لماذا لم تقتلوهم؟

أجاب: نُحاكمهم وألمحكمة تُقررمصيرهم.

وفي تلك الكلمات كان درس ألوعي ألماركسي يتردد في أسماع ألناس وهم يستمعون إلى ألمُحاكمة.

– وبالنظر لتمكّن ألسلطة وشدة ألقمع والإرهاب في مقابل قوى الثورة المحدودة الإمكانيات فهي مُغامرة تتطلب شجاعة نادرة, ولا بدَّ من الأخطاء ألباهضة ألثمن في ألأرواح؛ لذلك حصل ألإنتقام ألمُضاد بأشرس صوره.

إنتهت ألحركة بألتصفية وتعرَّض ألحزب ألشيوعي لضربةٍ جديدة؛ ولكن نظام ألحرس ألقومي بدأ يهتز في أعقابها ودبَّت فيه الإنشقاقات وتصادمت مصالحه مع مصالح حلفائه من القوميين إنتهت بسقوط ألحرس ألقومي في 18تشرين الثاني على يد حليفهم عبد ألسلام عارف.

– ولمَّا عاد ألبعثيون إلى الحكم بنفس ألقطار ألإنكلو أمريكي,عام 1968 لم تَغب عن ذاكرتهم ليلة ألثالث من تموز ألتي هزّت نظامهم, وفكروا بها جيداً ودرسوها من جميع ألوجوه؛ حاولوا في أدبياتها ألتقليل من شأنها ولكنهم يتذكرونها كلما طرحت أمامهم مسألة العلاقة مع ألحزب ألشيوعي بوضع ألشروط وسن القوانين لعدم تكرارها؛ عدم حصول إنتفاضة مماثلة؛ أي منع أي تنظيم سياسي شيوعي داخل ألجيش وألقوات ألمُسلحة؛ وهو شرط مفتوح قابل للتأويل والمناورة والكذب على ألطريقة البعثية, وطبِّق هذا ألقانون بإعدام كوكبة من إثنين وثلاثين شاباً شيوعياً عام 79 ألجريمة ألتي دشَّن فيها صدام حسين حكمه بعد تصفية مُعارضيه في ألقيادة.

– كاتب سياسي –

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close