مولد الأنثربولوجيا عند أبي الريحان البيروني

د زهير الخويلدي

“للتأكد من صحة الأدلة العقلية لا بد من تطبيقها على المحسوسات تطبيقاً مادياً وذلك في كافة حقول العلم المتنوعة “.

يعد أبو الريحان البيروني من أعظم العقول التي عرفتها الثقافة التي تخصنا في الحقبة الوسيطة ونابغة زمانه وذلك لتخصصه في العديد من العلوم والصناعات ولكثرة تنقله بين الدول والأمصار وكتاباته، فلقد عاش بين سنة973 و1048ميلادي في خوارزم بإقليم خراسان وأقام بجرجان والري وزار الهند والصين.

يعتبر من أول القائلين بأن الأرض تدور حول محورها وذلك بعد إدخاله الرياضيات في دراسة علم الفلك وتوصل إلى حساب المثلثات وخطوط الطول والعرض والقول بالفرق بين سرعة الضوء وسرعة الصوت والى تحديد المسافة التي تفصل الأرض عن القمر والشمس بشكل تقريبي وهو ما اثبت العلم صحته لاحقا.

لقد جمع البيروني بين الجيولوجيا والتاريخ والفيزياء والرياضيات والطب والصيدلة والفلسفة واعتبره المؤرخون مؤسس علم الإنسان أو الأنثربولوجيا وذلك لنظرته الموسوعية الشاملة وإحاطته بكل ما يتعلق بالشأن البشري من أنشطة وآثار ومؤلفات وعلوم وبرع بالخصوص في علم الفلك التجريبي والميكانيكا.

برع في الجغرافيا وابتكر سبع طرق في تحديد اتجاه الشمال والجنوب واخترع نظاما رياضيا يدلعلى بداية وانتهاء الفصول ووظف علم التنجيم لتطوير علم الفلك والرياضيات وابتكر أنظمة جبرية لحل المعادلات من الدرجة الثالثة وقدم أطروحة عن الظلال واستعانة بالتجربة وتمكن من حساب نصف قطر الأرض.

لم تمنعه اهتماماته بالعلوم التطبيقية من المساهمة في الأدب العربي والنقد الشعري وعلم الكلام والفلسفة وخاصة اتقانه للعديد من الألسن واللغات وخاصة العربية والفارسية والإغريقية والسريالية والسنسكريتية.

ساهم في قيام علم الأرض وأسس الكثير من التخصصات الدقيقة من الرياضيات وسمي بأب الجوديسيا وتخصص في دراسة الهنود والشرقيين واهتم بمعتقداتهم وأديانهم ولغاتهم وثقافتهم ونظم الحكم لديهم.

تأثر بأرسطو وتعلم على يد منصور ابن عراق وناقش الخوارزمي وراسل بان سينا والتقى بمسكويه واحتضنه الأمير أبي العباس مأمون ابن مأمون وشجعه السلطان محمود بن سبكتكين حاكم غزوة وألف في العديد من المجالات مثل الصيدلة والطب والفلك والمعتقدات والآراء وترك عددا هاما من المؤلفات والكتب مثل “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة” و “المقالات والآراء والديانات” و”مفتاح علم الهند” و”جوامع الموجود في خواطر الهنود” و”الجماهر في معرفة الجواهر” و” الآثار الباقية عن القرون الخالية” و”الاستيعاب في تسطيح الكرة” و”التفهيم لأوائل صناعة التنجيم” و”التعليل بإجالة الوهم في معاني النظم” و”القانون المسعودي” و” التنبيه في صناعة التمويه” و”الإرشاد في أحكام النجوم” و”العجائب الطبيعية والغرائب الصناعية” و”الشموس الشافية” و”الاستشهاد باختلاف الأرصاد”.

لقد أوجد البيروني الوزن النوعي لعدد من الأحجار الكريمة والجواهر الثمينة مثل الألماس والزمرد والياقوت واللؤلؤ وحدد الكثافة النسبية لعدد من المعادن مثل الحديد والبلور الصخري والزئبق والنحاس.

غير أن الدراسة الأنثربولوجية الهامة التي أجراها للهنود في مستوى طرائق عيشهم وعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم وخصائص لغاتهم وأعيادهم وأطعمتهم ومعاملاتهم هي التي جعلت منه أول عالم أنثربولوجي. في هذا السياق نجده يقول: “إن العالِم الحقيقي هو الذي يبتعد عن التعصب لرأي ويبتغي الحقيقة المطلقة بمعزل عن الأهواء والرغبات، وهو الذي يسعى وراء الحقيقة لأنها حقيقة، لا للتظاهر والمفاخرة بالمعرفة، فالتواضع من أهم صفات العالم”. فماهي إسهامات “بطليموس العرب” في قيام علم الفلك الرياضي وتفجير الثورة العلمية الحديثة؟

المراجع:

أبو الريحان البيروني، القانون المسعودي، دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن، الهند، طبعة أولى 1954، طبعة ثانية مكملة أنجزها إمام إبراهيم أحمد بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة،1965.

أبو الريحان البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن، الهند، 1958، 548 صفحة.

أبو الريحان البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية، دار الكتب العلمية ، بيروت، طبعة 2000.

كاتب فلسفي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close