هل بُنيت الحضارة العربية على التماثل أم على التباين

الدكتورة / ناهدة محمد علي

لقد بُنيت الحضارة الإنسانية منذ بدء الخليقة على وجود الشيء ونقيضه وعلى تساوي الأضداد في الوجود ، فلم تكن بداية الخلق بذكرين أو أنثيين ، ولم تكن الأرض سهلاً واسعاً فسيحاً ، بل سهلاً وجبلاً ووادياً ، ولم تكن هناك للمخلوقات لون واحد ، وفي جوهر كل شيء سالب وموجب إبتداءاً من الذرة ، ولم تكن الأرض ولا السماء طبقة واحدة بل بني كل شيء على مبدأ التدرج والتنوع .

حين بنيت الحضارة في قارة أمريكا قامت هذه الحضارة بإستيعاب حضارة القارة الأوربية ثم حضارات أخرى وأضافة عليها الكثير . كذلك الحضارات الآسيوية والعربية والصينية والهندية وقد أثرت هذه الحضارات ببعضها كما أثرت على العالم كله من خلال الرحلات التجارية التي نقلت أجزاء من التراث المحلي وبعض مفردات اللغة وطرق الملبس والمأكل وبعض العقائد الدينية ومنها الدين الإسلامي .

إن إزدهار الحضارة العربية قد إستمد جذوره من العلوم العالمية ، وقد أضافت حركة الترجمة مصادر علمية واسعة في مجال الطب والصيدلة والفلك وإستطاع العلماء العرب أن يضيفوا إلى الحضارة العالمية العديد من الإكتشافات والإختراعات العلمية ، وقد ساهم في بناء هذه الحضارة علماء مسلمون قدموا من أنحاء الأرض بالإضافة إلى العلماء العرب . ففي علوم الطب والصيدلة والرياضيات والجبر والفلسفة إشتهر ( الكندي ) بجهوده في تعريف العرب والمسلمين بالفلسفة اليونانية . وقد ترجم ( البيروني ) من الثقافات الهندية وهو أول من قال ( أن الأرض تدور حول محورها ) ويعتبر من رواد علم الفلك في القرن الرابع الهجري ، وكان أيضاً رحالاً وفيلسوفاً وجغرافياً وجيلوجياً وصيدلياً وله العشرات من الكتب في الرياضيات والفلك والعلوم الطبية ، كما إتبع( إبن سينا ) نهج أبوقراط وكالينوس ومن أشهر أعماله في الطب كتابه ( القانون في الطب ) ، كما إشتهر( إبن النفيس ) بجهوده في علوم الفزياء والبصريات .

لقد قام الخوارزمي وهو من أوائل العلماء في الرياضيات وعلوم الفلك والجغرافيا بترجمة الأعمال الهندية واليونانية من خلال ( دار الحكمة ) في العصر العباسي ، ثم ألف كتاب ( الجبر والمقابلة ) كتاب ( صور الأرض ) ، كتاب ( الجداول الفلكية ) . أما ( إبن بطوطة ) فهو مغربي أمازيغي دار حول الأرض وإختلط بالأمم ونقل تجاربها إلى الحضارة العربية .

لقد إستوعب هؤلاء العلماء من الحضارات القديمة أجزاء مهمة أنارت الطريق أمام إكتشافات جديدة للعلماء العرب في الحضارة العربية القديمة ، وكانت حركة الترجمة هي الجسر الواصل ما بين الحضارات .

إن الأجيال اللاحقة من العلماء العرب قد إستوعبت الثقافة العالمية وساهمت فيها مساهمة أكيدة ، وكان من بين هؤلاء علماء عرب منتمين إلى أديان أخرى كالمسيحية والصابئية وكان ( أنستاس الكرملي ) وهو من مواليد ١٨٦٦ لأم عراقية وأب لبناني مسيحي هو أحد أعلام الصحافة العربية وتجول في دول أوربية مثل بلجيكا وفرنسا وإسبانيا ثم عاد إلى العراق ليدير مدرسة الآباء الكرمليين وألف معجم بالمفردات العربية وهو( لسان دليل العرب ) ، وأصدر مجلة ( لغة العرب ) ، ومجلة ( دار السلام ) ، وقد أبدى إهتماما شديداً باللغة العربية وأصولها وإشتقاقاتها بالإضافة إلى إلمامه باللغات السامية الأخرى كالسريانية والعبرانية والحبشية فضلاً عن دراسته للغات الفارسية والتركة والإنكليزية والفرنسية .

ولدينا نموذج آخر من ساهم في رفد الثقافة العربية وهو ( جورجي زيدان ) ، ولد ١٨٦١- ١٩١٤ وهو أديب وروائي وصحفي لبناني مسيحي أجاد اللغة العربية والسريانية والفرنسية والإنكليزية ، أصدر مجلة ( الهلال ) وله كتاب ( تاريخ التمدن الإسلامي ) و ( تاريخ آداب اللغة العربية ) وترجم للكثير من المشاهير بالإضافة إلى رواياته التاريخية مثل ( المملوك الشارد ، وأرمانوسة المصرية ) وهو من أوائل المفكرين الذين صاغوا نظرية ( القومية العربية ) ، كما ألف كتاب ( فلسفة اللغة العربية ) .

لقد ساهمت حركة الترجمة في دفع الحضارة العربية القديمة إلى أمام ، ثم ظهرت وسائل جديدة لرفد الحضارة العربية التي أصبحت جزء من الحضارة العالمية فخرج العديد من الطلبة العرب المتفوقين لينهلوا من مصادر العلم الحديث ، فظهر علماء عرب معاصرون مثل ( منير حسن نايفه ) وهو عالم ذرة فلسطيني الأصل ( ومها عاشور ) التي سامت في وضع خطة الأبحاث الأساسية لفيزياء الفضاء لإدارة ( ناسا ) ، و( أحمد زويل ) وهو عالم كيمياء مصري نال جائزة نوبل للكيمياء لإبتكاراته في هذا المجال . و( مجدي يعقوب ) وهو بروفيسور مصري بجراحة القلب ويلقبه الإعلام البريطاني بـ ( ملك القلوب ) . كما إشتهر في مجال الفيزياء العراقي الصابئي عبد الجبار عبد الله ، وفي مجال التصميم الهندسي إشتهرت زها حديد . كما عُرفت العديد من الأسماء الذين ساهموا في إنارة ظلام الثقافة العربية من فنانين وأدباء وكان منهم من نال على جائزة نوبل في الآداب مثل ( نجيب محفوظ ) ، وقد تُرجمت كتاباته مع كتاب آخرين مثل الماغوط ، زكريا تامر ، محمود درويش إلى اللغات العالمية .

إن الكثير من العلماء العرب الذين إشتهروا عالمياً وبسبب الخلل الموجود في البنى التحتية والفوقية في المجتمع العربي قد تمركزوا في الدول الغربية ونشطوا في إسهاماتهم العلمية ، وتجنس الكثير منهم بجنسيات غير عربية لكن إنتماءهم الأساسي بقي عربياً وبقيت وسائل الإعلام تذكرهم بأن فلان فلسطيني الأصل أو مصري الأصل أو عراقي الأصل ، وبقي ولاء الكثير منهم واضحاً للحضارة العربية . ولو نلاحظ هنا أن مسار الحضارات قد إتخذ شكل روافد تصب ببعضها وإذا ما سددنا أحد الروافد فسيصبح آسناً وراكداً فاللغات والعلوم والفنون والآداب هي شبكة عالمية واحدة لا يمكن تقطيعها فالحضارات تأخذ وتعطي من بعضها البعض ولم يساهم المسلمون فقط في بناء الحضارة العربية بل ساهم في بنائها كل الأديان .

لم يُبن هذا العالم على التماثل بل بني على التباين ولولا هذا لما إستمر الجنس البشري وكل ما في هذا الكون يتجاذب ويتباعد ولا يصطدم ، كذلك نحن البشر يجب أن نختلف ، وهكذا خُلقنا لكننا ليس بالضرورة أن نصطدم . ونحن لا نشبه بعضنا ، لكننا نتكامل فتختلف وجوهنا وألواننا ، مأكلنا وملبسنا ، وجهات نظرنا ، طرق تعبيرنا عن أفراحنا وأحزاننا لكن جوهرنا الإنساني هو واحد ، فما تنتجه الحضارة الغربية يستفيد منه أبناء الحضارات الأخرى في آسيا وأفريقيا ، وما أنتجته الحضارة العربية القديمة والحديثة إستفادت منه الحضارة الغربية .

إن إختلاف أبناء الحضارات لا يلغي بعضهم بعضاً لكن هناك محاولات كثيرة للتطهير العرقي لأبناء حضارات متجاورة ومتناحرة مثل الذي جرى على الأرمن من قبل الأتراك أو التطهير العرقي للكثير من الأعراق مثل مسلمي الروهنغا ، أو التطهير العرقي الذي جرى للأكراد في العراق وإيران وتركيا ، كذلك محاولة الإبادة الجماعية للعرق العربي من قِبل التتار ، ومحاولة التطهير العرقي للطائفة الإيزيدية في شمال العراق .

إن إختلاف الأشياء أو الألوان أو الأعراق والديانات لا يُعطي الحق بإلغائها فهي كألوان ( القوس قزح ) لا تستطيع أن تنفي أحد ألوانها فستختفي الألوان الأخرى . لا يستطيع الآخرون أن يكونوا نسخاً منا ، فنحن حينما ننظر إلى المرآة لا نجد إلا صورنا لذا كان علينا أن ننظر إلى الأفق لنجد جميع ألوان القوس قزح وعلى هذا الأساس لا يستطيع لون بذاته أن يبني له أُفقاً ، ولا تستطيع حضارة بذاتها أن تبني لها سداً فتمنع الداخل والخارج لأنها ستتآكل وتصبح رفاتاً في حفرة .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close