لغتنا العربية، وكيف تأثرت طريقة تفكيرنا بمنظومتها ؟

* د. رضا العطار

يعد المفكر الالماني هردر (1744 ـ 1803) من الرواد الاوائل الذين انصرفوا في العصر الحديث بقسط وافر من جهودهم العلمية الى محاولة ضبط العلاقة بين اللغة والفكر وتحديدهما، بل لربما يمكن اعتباره الرائد الاول للنظرية التي تعزو دورا اساسيا للغة في تشكيل نظرة الانسان الى الكون.

وعلى الرغم من اننا قد لا نشاركه همومه الايديولوجية التي كانت تؤطر من (الخلف) نظريته اللغوية، فاننا نرى معه ان اللغة ليست مجرد اداة للفكر، بل هي ايضا القالب الذي يتشكل فيه الفكر. ولا نظن ان هناك من يجادل بجد في كون الطفل الصغير يتعلم التفكير بواسطة الكلمات التي تقدمها له لغة المجتمع الذي ينشأ فيه. واذا كان الامر كذلك فان عالمه الفكري سيكون محدودا، ضمن ما تقدمها له لغته ـ الأم.

ومن هنا ربط هردر بين خصائص اللغة وخصائص الامة التي تتكلمها، ذاهبا الى القول بان كل امة تتكلم كما تفكر وتفكر كما تتكلم. ليس هذا وحسب، بل ان كل أمة تخزن في لغتها تجاربها بما فيها من عناصر الصواب والخطأ فتنقلها اللغة الى الاجيال الناشئة واللاحقة، فتصبح اخطاء الماضي او جزء منها على الاقل من ضمن التراث الي تنقله اللغة عبر الاجيال والذي يساهم في تحديد نظرة اصحابه الى الكون، الى الحق والخير والجمال.

هكذا يقرر هردر ان ربًات المعرفة البشرية : الحقيقة والجمال والفضيلة قد اصبحت آلهة قومية بمقدار ما هي اللغة القومية كذلك. إن هذا يعني انه حتى القيم المجردة المثلى التي ينظر الانسان اليها عادة على انها قيم انسانية خالدة لا تتقيد بالزمان والمكان، تكتسي مع ذلك طابعا قوميا من خلال اللغة. فنحن لا يمكن ان ندرك الحقيقة او نحس بالجمال او نتعلق بالفضيلة إلا بنفس المعنى وبنفس المحتوى وبنفس الشكل الذي تنقل اللغة ـ لغتنا نحن ـ هذه القيم الينا.

فاللغة اذن ليست اداة وحسب ولا محتوى وحسب، بل هي بمعنى ما من المعاني (القالب) الذي نستنبط المعرفة على اساسه ـ ـ تماما كما يفصل الخياط الثوب على اساس قالب. فهي اذن (ترسم الحدود وتخط المحيط لكل معرفة بشرية.
وعلى الرغم من ان وراء تأكيدات هردر هذه دوافع قومية واضحة من السهل فهمها اذا تذكرنا حالة المانيا في القرن الثامن عشر . . فإن ملاحظاته تلك لا تكذبها الابحاث والدراسات الحديثة التي تهتم بتحديد العلاقة بين لغة قوم وتصور هؤلاء القوم للعالم، بل ان كثيرا من الدراسات اللغوية والايثنولوجية تؤكدها.

يقول ادور سابير، وهو باحث لغوي وانثولوجي : ان لغة جماعة بشرية ما تفكر داخل تلك اللغة وتتكلم بها، هي المنظم لتجربتها، وهي بهذا تصنع عالمها وواقعها الاجتماعي. وبعبارة اكثر دقة : ان كل لغة تحتوي على تصور خاص بها للعالم.
ويلخص الباحث الماركسي آدم شاف اتجاهات الرأي حول علاقة اللغة بالفكر داخل الدراسات اللغوية منذ القرن الثامن عشر الى اليوم فيقول (ابتداء من هردر وولهلم فون همبولد على الاقل تبنت الدراسات اللغوية مرات عديدة الاطروحة القائلة بان منظومة لغوية ما ٌ الشيء الذي يعني ليس فقط مفرداتها بل ايضا نحوها وتراكيبها ٌ تؤثر في طريقة تفكير اهلها للعالم، اننا نفكر كما نتكلم . . . الشيء الذي يعني ان اللغة التي تحدد قدرتنا على الكلام هي نفسها التي تحدد قدرتنا على التفكير . وفي موقع آخر اراد آدم شاف، وهو الفيلسوف الاصيل، ان يطور نظرية الانعكاس اللينينية بما لا ينفي دور العامل الذاتي في المعرفة، نوًه بان (اللغة) ذلك الناتج الاجتماعي الذي يعكس واقعا اجتماعيا معطى، تؤثر على نمط تفكير البشر بقدر ما تؤثر على ادراكهم للعالم ومفصلتهم له. وبالتالي تأويله الذهني.

وفي هذا الاطار صاغ الفيلسوف هامان معالم نظريته في العلاقة بين الوجود والعقل واللغة. وفي عام 1784 كتب الى هردر يقول (بدون اللغة ما كان ليكون لنا عقل) ف (اللغة ام العقل والوحي، الفهما وباؤهما) و (من لم ينفذ الى داخل اللغة التي هي رحم العقل، فلا معمودية له) فاللغة (سر الانسان المقدس) وبحكم طبيعتها الالهية فإنها سابقة في الوجود على العقل، فهي معياره وعلى قاعدتهاالثابتة (تقوًم كل ملكة التفكير) . . . واحدى سمات عبقرية اللغة اليونانية انها الوحيدة بين لغات العالم التي جمعت بين اللغة والعقل في كلمة واحدة تدعى ( لوغوس ).

* مقتبس من كتاب اشكاليات العقل العربي لجورج طرابلسي، دار بترا، دمشق 2010 .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close