الفلسفة العدمية Nihilism Phelosophy

بقلم يوحنا بيداويد
ملبورن 21 حزيران 2019

………..

العدمية هو ذلك الفكر المتشاؤوم الذي يلغي أي معنى او نشوة في الحياة، ويقف موقف سلبي من أيه ظاهرة إيجابية من الظواهر التي تحصل في الطبيعة، او اي نشطاء أخلاقي او اجتماعي او ثقافي، ينكر افكار الفلسفة الميتافيزيقية برمتها ويصفها بكذبة كبيرة اختلقها عقل الانسان من اجل السيطرة على البسطاء. تنكر العدمية وجود أي جوهر لأي شيء في العالم الطبيعي (الحقيقي)، ولا تعترف بالقيمة الموضوعية لأية قضية، ولا تؤمن بوجود اية حقائق ثابتة او مطلقة.

على الرغم من ان رواد مدرسة الشكاكين (Skeptisim) الاغريقية هم اول من تحدثوا عنها، ووجود بذور افكارها في تعاليم الديانة البوذية والفلسفة الابيقورية، الا انها ربطت بأفكار الفيلسوف الألماني المعروف نيتشه أكثر من أي فيلسوف اخر، وعلى الرغم انها تجددت من رحم الطبقة الدنيا من المجتمع الروسي، قبل ان تتشرب فلسفة نيتشه بها لكن بعدما ان قال مقولته المشهورة: “القيم الأخلاقية مجرد وهم وخيال”، اصبح نبيها الأول بلا منازغ.

انتشرت في بداية القرن التاسع عشر، وتطورت في البداية هذه الفكرة في روسيا قبل ان تنتشر في اوروبا كرد فعل للوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي، بعد حروب طويلة وحكم الطبقات البرجوازية على الفقراء، وان كان الفقر الروحي في الكنيسة الروسية اهم سبب لانتشار.
من منظور الفلسفات الحديثة، هي فلسفة مثالية جديدة (غير التي قصدها بيركلي ولا التي قصدها هيجل او ميتافيزيقية افلاطون)، حيث هي تنكر كل مبدأ وكل تعليم ديني، كل قيمة أخلاقية، كل اعتقاد او فكر، فهي تدعوا الى اللاشيئية (العدمية Nihilism).

ظهرت العديمة كمصطلح في ادب الروسي في بداية القرن التاسع عشر، فكان تورغينيف(1818-1883) في مسرحية “رودين” ورواية ” الإباء والبنون”، حيث كان هدف الكاتب، هو احداث ثورة على الواقع السياسي والاجتماعي، لكن تطور مفهومها السياسي كان على يد الاديب نيكولاي تشيرنييسفسكي (1928-1889) في روايته التي سجن بسببها “ما العمل”.

من خلال قراءة أحداث هذه القصص وحديث ابطالها، يظهر بوضوح انهم يدعون الى العصيان المدني ضد الحكم، الى كسر القوانين المدنية التي اعتبروها الكاتب قيودا على المجتمع، الى عدم التزام بالقانون الظالمة السائدة، ولا بالأعراف والعادات والقيم الباطلة، التي تظلم الأكثرية ولا تحافظ على كرامة الانسان ولا تزرع فيه الامل، ولا تجلب له الحرية او تحقق له السعادة.

كذلك نجد أحيانا اثرا لمثل هذه الافكار الغريبة المتشربة بأفكار العدمية والحيرة والخيبة في روايات الكاتب الكبير دوستويفسكي (1821-1881) مثل قصته الكبيرة “الجريمة والعقاب”، لكنها تكون أكثر وضوحا في تصرفات وجدال وصراع ابطال روايته الأخرى (الاخوة الأعداء او الاخوة كارامازوف).

من اشد الكتاب السياسيين، الذين عملوا الى نشر الفكر الفوضوي العدمي كوسيلة لتعبيرهم سخطهم عن الواقع كان باكونين “1814-1868” وزميله نيتشايف. قاما كلا الكاتبين بنشر منشورا يحمل العنوان “الموعظة الثورية”، فيه يحرضان الثوار على ازدراء القيم والأخلاق والعادات المجتمع كعلامة تمردهم ورفضهم للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الروسي، اعتبرا كل المبادئ والقوانين والاعراف السائدة قيودا في عنق الفقراء، وتخلق احباط لدى الانسان الثوري بتغير الواقع المرير.

ذهب ميخائيل باكونين، في نقده للدين ومهمته، الى نقطة ابعد، حيث اعتبره نوع من الجنون الجماعي، نجح بين الفقراء والمعدمين نتيجة الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، لان هذه الكتلة البشرية المقهورة، ليس لها إرادة ولا قدرة لتغير الواقع. لان الدين بحسب (رأيه) هي الطريقة الأفضل لتهرب الناس من الواقع المؤلم او المحبط الذي يعيشونه، فيخلقون لأنفسهم عالما اخرا من الوهم، قناعة مزيفة ومخدرة، كي ينسوا تعاستهم في هذه الحياة. كأنما كان باكونين يدعوا في كتاباته الى تدمير الدولة وسلطتها ونظامها، وخلق فوضى بدون هدف، لأنها الطريقة الوحيدة لاحداث تغير في الواقع!!.

الفلسفة العدمية في الفكر الأوربي
حسب الفيلسوف الألماني هيدغر، كان الفيلسوف هيرمان جاكوبي في القرن التاسع عشر، هو اول من أشار الى العدمية (الفكرة) وذلك في سياق نقده للمثالية الألمانية حينما قال:” ان عقل المثالية هو العقل الذي لا يدرك الا ذاته)
وكان (فون بادر) سبق نيتشه في كشف الهوة التي بدات بزدياد يوما بعد يوم منذ عصر الانوار بين الايمان والمعرفة، حيث فقال:” ان الأصل الروحي للمآساة الغربية يكمن في الانفصام بين الايمان والمعرفة”
في حين قال (يوجين روس) في كتابه (جذور ثورة عصر الحديث): “إذا كانت العدمية تثبت أنها ستنتصر، فإن عالمنا سيصبح عالماً بارداً لا إنسانياً» حيث «الانعدام وعدم الاتساق والسخط» سوف ينتصر”.
لا شك البعض يلمس وجود خيطا رفيعا بينها وبين فكر الفلسفة الوجودية التي اسسها الفيلسوف الدنماركي (سورين كيركيغارد) وهو قائل:” ان أوروبا تسير ببطيء نحو الإفلاس”

العدمية في فكر نيتشه
على الرغم ان معظم النقاد يصفون نيتشه بالفيلسوف الفوضوي والعدمية والعبثية (اللذة)، لكن لا يستطيع أحدا اهمال تأثيره على فكر الحضارة الغربية في العصر الحديث.

ركز نيتشه في فلسفته على نقطة مهمة، هي فشل الحضارة الغربية في إبقاء روح الامل والسعادة في قلوب الشعوب، وحمل المسيحية هذا الفشل، وان عبارته ” ان الله قد مات، وان الناس هم الذين قتلوه”، تعبير على ان الامل قد مات لدى الشعوب في ظل المدنية الحديثة!!، وان الحياة لم يعد لها معنى او هدف، وانها قمة المآساة هي حينما لا يجد الانسان هدف يعيش من اجله، يكافح ويجهد نفسه لتحقيقه.

كان نقده ضد الكنيسة نقدا لاذعا دائما، وحمل المسيحية مسؤولية تحطيم القيمة الاغريقية المبدعة التي كانت مجسدة في اساطير والفنون والمسرح والشعر وحروبها، حسب رايه كانت هذه القيم تصقل إمكانيات ومواهب الانسان ليرتقىي ويتطور ويصل الى مرحلة الانسان الأعلى (سوبرمان) الذي ظن سياتي على مسرح الوجود قريبا. لا يؤمن بقيم المسيحية ولا الاشتراكية ولا المساواة ولا العدالة ولا بالنظام الديمقراطي، وأنها (أي المسيحية) خيبت آمال البشرية، حينما لم تستطيع ان تبرهن ان الحياة الأبدية هي حقيقة مطلقة. يستمر نيتشه في اطلاق العبارات القاسية ضد المسيحية مكان اخر ” نحن قتلناه”، اي ان الشعوب والأمم الاوربية تخلت عن القيم ومبادي المسيحية والتي جاءت في عبارة (نحن قتلناه)، فحينما فقد الناس الامل في الحياة الأبدية، فزالت الحاجة اليه (الله)!

نقد ومناقشة
يبدو ان العدمية الروسية كان هدفها تغير واقع السياسي للدولة ونظامها، لهذا تم استخدامها من قبل أدبائها وقادة ثوارها بصورة واسعة كوسيلة للوصول الى هدفهم، لكن الفيلسوف الألماني نيتشه اعطى لها بعدا اخرا، ورفعها الى مستوى فكر سلبي \ بين الفلسفات الاوربية الحديثة.
طبعا هناك أسباب كثيرة لتراجع الحضارة الغربية من أسس وطموحاتها التي انطلقت بسببها منذ القرن السادس عشر على يد ديكارت وبيكون وسبينوزا ولبنتز، لكن ليست الكنيسة او المسيحية كديانة السبب هي الوحيد، بالعكس المسيحية زرعت الامال في قلوب الشعوب عن طريق تقديس قيمة الحياة فوق كل شيء، وان لائحة مبادئ حقوق الانسان والدولة المدنية مبنية على هذه النقطة.

العدمية الموجودة في القرن الحادي والعشرين، صارت اكثر متعمقة في فكر الشعوب بسبب الخيبة بعد الحرب العالمية الأولى والثانية وزوال الأهداف الكبيرة في الحياة، أي بعد حصول الاختلال في ميزان .القيم، للتعيير، خاصة بعد ولادة “ظاهرة تشيء الانسان” في القرن العشرين.

اليوم ليس الحل بإهمال التاريخ وتجاربه، بل دراسة الأسباب التي أدت الى ظهور وتوسع مشاعر الإحباط لدى الفرد، والتي أدت الى خسارة الحياة قيمتها بنظر الناس، ومن ثم إعادة دراسة تاريخ الامم وحضارتهم على أسس جديدة مثل روح العطاء والتضحية التي تبني الفكر الانسان الإيجابي، ليكون أكثر انفتاحا وقبولا للآخر على فهم الدوافع النفسية لشعوره بالخيبة في الحياة.

نسى الكثير من الفلاسفة او المفكرين ان الحضارة الإنسانية كلها مرتبطة معا ارتباط عضوي او هندسي، لا يمكن حذف أي جزء منها، فهو مثل جدار واحد كل حجر فيه مسنود على الذي قبله فلا يمكن ازالته ابدا، ينسون هؤلاء ان الحضارة بدات حينما تبادل الانسان مع أخيه الانسان المشاعر والعواطف واتفقوا على وضع التقاليد والقيم ومن ثم المعرفة(الحضارة) التي كانت تعمل عمل دستور بينهم.

ربما نيتشه أراد خلق املا لدى الانسان الحالي، حينما دعى المجتمع الى التحلي بصفات الانسان المتفوق، فهو لا يؤمن بالقيم في الحضارة الإنسانية الحالية (لا يؤمن بالعدالة والديمقراطية والمساوة….) !، لكن بكل التأكيد هذه الطريقة، مبنية على قانون الغابة وعلى النظرة الفردانية، وعلى الغرائز الدونية.

قد تحتاج الأديان السماوية الى إعادة النظر في تعاليمها، وتجيب على السؤال التالي، ما الذي تحتاجه البشرية اليوم؟ ودراسة الخلل الذي تصيب مسيرتها الاجتماعية والفكرية. بلا شك إصرار الأمم على العمل بين معا والتفاهم على ما يخدم الجميع هو الطريق الأمثل، بل الوحيد لتحقيق السلم والامن والعدالة لكل الأمم والشعوب وكل انسان وكل كائن حي في هذه الطبيعة النادرة في هذا الكون العجيب!
………..
1- الفلسفة والانسان، د. علي الشامي، دار الإنسانية، الطبعة الأولى، بيروت لبنان، 1991، ص 364.
2- عالم صوفي (موجز تاريخ الفلسفة)، جوستاف غاردير، ترجمة حتفظ الجمالي، مكتبة دار طلاس، دمشق-سوريا،2009.
3- اطلس الفلسفة، بيتر كونزمان، فرانز- بيتر بوركان، فرانز فيدمان، المكتبة الشرقية، الطبعة الاولى، ترجمة د. جورج كتورة، 1991.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close