لا يجوز النظر إلى ثورة 14 تموز من زاوية واحدة فقط

بقلم مهدي قاسم

مشكلة العرب ـــ عموما ـــ أنه يحلو لهم النظر إلى مجمل
الأمور، و لا سيما إلى أحداث تاريخية من زاوية واحدة ، و تحديدا من منظور عقائدي ، يصب أو يخدم في النهاية توجهاتهم الأيديولوجية وعواطفهم السياسية ضمن قناعة ويقين راسخين لا يتزعزان !! ، حتى ولو جرت مواجهتهم بأدلة معاكسة قد تضعضع هذا اليقين بعض الشيء ، و من هنا
فإن محاولات تقييم ثورة أو انقلاب ثورة 14 تموز تدخل ضمن هذا هذا السياق ، إذ يعتبرها البعض المتحاملين من أحفاد العفالقة شرا مستطيرا فتح ” أبواب جحيم الانقلابات ” الدموية على رؤوس العراقيين و قادت العراق إلى متاهة الضياع و الخراب ، بينما البعض الآخر يعدها رحمة
مباركة ــ على شكل ثورة بيضاء ــ حلت و هلت على العراقيين على شكل تشريع قوانين جديدة و جيدة ، مصحوبة مع عشرات إنجازات ومشاريع وعمليات إصلاحات خدمت فقراء العراق بالدرجة الأولى و جعلت السيادة العراقية وطنية صرفة ، و مستقلة خالصة ، و حررت الاقتصاد العراقي من تبعيته
الاستعمارية والاحتكارية ..

بينما الصحيح أن ثورة 14 تموز لم تكن شرا مستطيرا بالتمام
و الكمال ، إنما شابتها سلبيات و ممارسات دموية عديدة ــ كأية ثورة أخرى في العالم ــ من ضمنها ارتكاب مجزرة بحق العائلة الملكية و كذلك قتل نوري السعيد وسحل جثته بتلك الطريقة الهمجية المقرفة ، فضلا عن جرائم أخرى ذات طابع سياسي و فئوي حدثت هنا و هناك في مناطق
عديدة من العراق في الموصل ــ مثلا و ليس حصرا ، هذا دون الحديث عن الحكم الفردي للزعيم الراحل ، على الرغم من وطنيته ونزاهته و زهده في الحياة وتلهفه الشديد في تقديم إنجازات تلو إنجازات لفقراء العراق ..

ولكن لو أخذنا ثورات أخرى في العالم و عدد ضحاياها كالثورة
الفرنسية و الثورة الروسية و قارنها بأعداد الضحايا التي حدثت أثناء و بعد ثورة 14تموز لوجدناها ضئيلة حقا ، مع التأكيد على أن عملية زهق روح فرد بريء واحد لهي كثيرة جدا و غير مكقبولة بل و مدانة أصلا ..

علما ما من ثورة إلا ولها ضحاياها إذا شئنا و أبينا ،
فكيف الأمر بثورة تحدث في العراق حيث كان الاحتقان الجماهيري في ذروته القصوى بسبب الفقرو المجاعة و إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين و كذلك على العمال المضربين فضلا عن ارتهان سيادة العراق لأجندة اجنبية ؟ ..

إلا أن هذه السلبيات و التجاوزات ، وبعض المجازر الدموية
التي حدثت لا تنفي حقيقة الجانب الإيجابي لثورة 14 تموز و الإنجازات التي تمت في غضون أربع سنوات ، والتي تجسدت في بناء و تشييد مدن عديدة و عدد أخر من مستشفيات و مستوصفات و جسور و مصانع ومعامل وتشريع قوانين اجتماعية و اقتصادية ومالية مهمة ذات طابع إصلاحي مهم
في هذه المدة القصيرة جدا ، بينما إشكالية الزعيم الراحل كانت تتجسد في كونه لم يكن رجل سياسة أو رجل دولة ، بقدر ما كان عسكريا و مخلصا لوطنه و شعبه و يحب خدمة فقراء العراق ، و متعاليا بل متساميا على الانتماءات الجانبية الضيقة لصالح الانتماء الأكبر للوطن ..

والطريف في الأمر أنه في الوقت الذي نلاحظ أن غالبية أبناء
الجنوب يقيّمون ثورة 14 تموز تقييما إيجابيا و يكنون حبا لا ينضب لشخص الزعيم ، نجد هذا التقييم سلبيا من قبل غالبية أبناء المناطق الغربية والموصل ، الذين ربما أن بعضا
منهم يكن نوعا من بغض وازدراء له وتحميله
وزر ومغبة ما حصل في العراق حتى الآن أكثر مما يحمّلون الديكتاتور السابق !!..

مع العلم أن بعضا من علماء الدين الشيعة قد تواطئوا مع
البعثيين في عملية انقلاب شباط الدموية و ذلك كرها و نكاية بشخص الزعيم وتخلّصا من نظام حكمه ..

إذن فأن لثورة 14 تموز سلبيات عديدة و إيجابيات كثيرة
ــ حسب اعتقادي ــ وبالتالي فلا يمكن إنكار هذه و لا نفي تلك ، سواء بدوافع سياسية أو فئوية أو طائفية مسبقة أم بدواع عاطفية ..

ملحوظة جانبية وطبعا غير تبريرية بخصوص قتل العائلة الملكية
أثناء ثورة 14 تموز : إذ ليس بعض العراقيين وحدهم فقط ممن قتلوا مليكهم إنما سابقهم إلى ذلك الفرنسيون والإنكليز وكذلك الروس و الخ ..

لا أقول هذا تبريرا أنما تذكيرا فحسب ..

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close