اليمين الديني السياسي يحكم العراق

ذياب فهد الطائي

لقد برز التيار الديني السياسي في العراق حركة يمينية تهدف السيطرة على القرار السياسي عبر استيلائها على مقاليد السلطة في العراق بعد فشل التيارات القومية في بناء دولة مدنية عصرية ، وفشل التيارات السياسية اليسارية في تاكيد ممارستها بانشاء أطر للممارسة السياسية ، وكان هذا الفشل المزدوج قد خلق وضعا بالغ الصعوبة على المستوى الفكري والسياسي والاقتصادي مما استغله التيار الديني ليقدم نفسه بديلا موضوعيا لذلك الفشل .

لم يكن التيار الديني قبل استلامه الحكم ،حركة يمينية بل كان راديكاليا في عموم توجهاته، وكان يقدم حركة الحسين ابن علي ابن ابي طالب عنوانا عريضا لعمله بين الجماهير ،وكما هو معروف فقد كانت الحركة ضد اشكال التفرد بالسلطة والابتعاد عن المساواة والعدالة الاجتماعية ،ولكن هذا التيار سرعان ما تحول الى معاد لكل مظاهر التقدم والحداثة وروح العصر فضلا عن تعمده تنمية مظاهر الطائفية في بناء المجتمع العراقي وانغماسه في الفساد بكل انواعه ، وعدم وجود رؤية اقتصادي لدى قيادات هذا التيار، مما ادى الى تخريب الصناعة والزراعة وتردي الخدمات ، وهذا بالضبط ماشجع على ظهور الحركات الدينية المتطرفة، لقد اظهر التيار الديني نزعة يمينية متخلفة .

لقد ساعد المحتل الامريكي تلك النزعة بهدف التمهيد مستقبلا لتقديم البديل الذي يعمل على اعداده وعمل بمخطط مدروس على عدم اتاحة الفرصة للتيار اليساري ورموزه السياسية باساليب مختلفة ، لتحقيق موطئ قدم في قيادة المشهد السياسي او في تحريك الجماهير ,ويمكن ان يندرج هذا الموقف تحت ما يسمى بالضربة الاستباقية ،وقد عمد التيار اليميني الديني الى تنويع جهوده في محاربة اليسار بتشجيع من المحتل الامريكي متجاوزين الضوابط القانونية والسياسية التي كانوا يشكلون على الانظمة السابقة استخدامها ،وكان من ابرز هذه الاساليب التصفية الجسدية والاعتقال والتهميش،وفي الحقيقة قدمت لنا الاحداث عشرات عمليات الاغتيال لعناصر اليسار والتي ادعت السلطات الامنية انها شكلت لجانا تحقيقية لمعرفة الفاعل ، ولكن لم يعلن حتى بعد مرور سنوات ،عن النتائج التي توصلت

اليها ،وما زال الفاعل مجهولا ، ومن ابرز هذه العناصر الكاتب والسياسي كامل شياع عبد الله الذي اغتيل وسط بغداد وفي وضح النهار باجهزة كاتمة للصوت, وقاسم عبد الامير عجام(إنهم يقتلون الإنسان بكل بساطةٍ لا لشيء إلا لأنه يحمل فكراً وعقلاً مغايراً لفكرهم)).

ومن المفارقات ان اليمين الديني السياسي لم(( يرغب)) بببناء دولة ودفع بالعراق الى حالة متردية من التخلف الفكري والاقتصادي ولهذا قامت العناصر المسلحة التابعة لقوى التيار الديني بغلق دور السينما وتعطيل حركة الفنون بمختلف اشكالها وكذلك الموسيقى وتم غلق مدارس الباليه وتعديل المناهج الدراسية لتتحول الى جهالة بالعلوم وتكريسا للفكر الرجعي المتخلف .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا :لماذا تحول الفكر الديني السياسي من حالة الراديكالية الى اليمين المحافظ ؟

يعود هذا في تقديري الى :

1-ان الفكر الديني عموما هو ايدلوجيا شمولية وعادة ماتحمل في بنيتها التشدد والدكتاتورية والانحياز على نحو مطلق الى مذهب ديني معين ،وما ان يستولي على السلطة فانه يعود الى اسسه العامة في النزعة الدكتاتورية والاخضاع المصحوب بالعنف (للاخر ) والعمل على ضمان الولاء المطلق من انصاره ومريديه

2- بحكم التناقضات الدولية وقدرة القوى الكبرى على اجراء التغيير في واقع السلطة وهرمها في العراق ،ومعاناة جماعات التيار الديني خلال الفترة السابقة ومنذ الحرب العالمية الاولى على وجه الخصوص ، فإن قيادات التيار والعناصر في الخط الثاني تعاني من قلق وخوف وجودي، ويستقر في قناعاتها انهم عرضة (للطرد ) والعودة الى مواقع التهميش والفقر ،الامر الذي يدفع بهم الى تعجيل عملية الاثراء غير المشروع بكل السبل الممكنة مما يعمل على اشاعة الفساد في مفاصل الدولة والمجتمع كافة

3-يعتمد التيار اليميني الديني في سياساته على السيطرة على الاعلام بكل وسائله وهنا لابد من الاشارة الى ان المناسبات الدينية تمثل واحدة من وسائل الاعلام

عبر جماعات متخصصة في تكريس الولاء ، هذا فضلا عن الاعتماد على القمع المباشر والبطش بالعناصر المعارضة ،ويتحول الاعلام الى وسيلة سيطرة على مشاعر الجماهير.

4- تتماثل مجموعات التيار اليميني الديني من حيث اعتماد الولاء للمذهب الديني ومحاولة اضفاء صفة الوطنية على اعمالهم متجاوزين حقوق الافراد كمواطنين

5-كما تتماثل في استمرار اشاعة الخوف من تداعيات تغيير النظام

وفي الحقيقة فان اليمين الديني السياسي لا يختلف في جوهره عن النظم القومية المتطرفة ،مع تاشير ان اليمين الديني الاسلامي اكثر تخلفا وتجهيلا للجماهير ،فالتيار النازي في المانيا بنى دولة تتمتع باقتصاد متطور وقدرات عسكرية هائلة اعتمدت الابتكارات في تنويع الاسلحة المنتجة وقضى على البطالة وامن العمل للخريجين ،وهذا بالضد مما يمارسه التيار اليميني الاسلامي الذي دمر البنى التحتية للعراق واشاع الفساد وعمم الخراب

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close