الصحافة العراقية الصادرة بالأجنبية.. ماضٍ مزدهر وحاضر مؤلم

ريبورتاج/علي الكرملي

تعددت في الأزمان السابقة، الصحف المحلية العراقية الصادرة باللغات الأجنبية؛ بخاصة الإنجليزية منها، بل وقد صدرت الصحف المحلية الناطقة بالأجنبية

حتى قبل بزوغ الدولة العراقية عام 1920. بالعودة إلى تاريخ الصحافة العراقية، فإن أول صحيفة محلية أجنبية صدرت هي «بغداد تايمز» أو «الأوقات البغدادية» باللغة الإنجليزية، كان ذلك عام 1918، أي قبل تأسيس الدولة العراقية بسنتَين.

فيما بعد، وبعد أن تأسست الدولة العراقية، عقب انتهاء الاحتلال البريطاني عام 1920، توالت الصحف المحلية التي صَدَرَت بالأجنبية، لعل أول تلك الصحف هي «عراق تايمس»، ثُم تلتها العديد من الصحف الصادرة بالإنجليزية؛ بخاصة في حقبة الخمسينيات والستينيات.

ما يلفت الانتباه، أن جل الصحف الصادرة بالأجنبية تحمل اسم بغداد في تلكم الحقبتَين (الخمسينيات والستينيات)، إذ أُصدرَت عام 1954 صحيفة حملت اسم «بغداد بوست»، وأخرى حملت اسم «بغداد نيوز» عام 1964، ومن ثمّ «بغداد اوبزرفر» التي صدرَت عن دار الجماهير عام 1967، بالإضافة إلى مجلة «بغداد هذه الاسبوع» التي صدرت عن وزارة الثقافة والارشاد عام 1963 باللغتين الإنجليزية والفرنسية.

جل تلك الصحف كانت معروفة، لكن «بغداد اوبزرفر» كانت الأكثر رواجاً ومقبولية بين الناس، لذلك تجدها قد استمرٍت بالإصدار دون انقطاع حتى عام 2003، كانت هي الصحيفة الرسمية للدولة العراقية التي تصدر بالأجنبية، إذ كانت تصدر عن وزارة الثقافة حينذاك، لكن بريق تلك الصحيفة الساطع قد توقف نهائياً مع دخول القوات الأميركية وقوات التحالف معها إلى العراق وتغيير الحكم عام 2003.

منذ ذاك وانتهت قصة الصحافة العراقية التي تصدر بالأجنبية، توقفت كلها وأُغلقَت، وكُتابها الأكثرية قد هاجروا البلد، فيما سلك الباقون أعمالاً أخرى ليعيشون حياتهم، هذا غير من قد خرجوا إلى التقاعد؛ لترحل أيام الصحافة الأجنبية مع رحيلهم دون عودة؛ وبخاصة في مجال القطاع الخاص. يقول حسن عبد الحميد، (وهو أحد العاملين في صحيفة بغداد اوبزفر في فترة التسعينيات) لـ (المدى)، إن غياب الصحافة الصادرة بالأجنبية، هو لعدة أسباب، وليس لسبب التكنولوجيا وعصر الرقمنة الحديثة فقط كما يتحدث الكثير من المعنيين في الوسط الصحفي في العراق، إنما لأسباب عدة، لعل من أبرزها هو هيكلَة وزارة الإعلام بعد عام 2003 وإلغائِها.

ويضيف، إن هيكلة الوزارة قد أربكَ الوضع بعض الشيء في بداياته، مما جعل عملية إنشاء أو إعادة إصدار الصحف الناطقة بالأجنبية أمراً صعباً نوعاً ما، خصوصاً وأن تلك الفترة كانت عصيبة على البلاد، عنف، وتهجير، وتفجيرات، وقتل على الطائفية.

مُشيراً، كما أن العديد من كبار المترجمين والكتاب العاملين في تلك الصحف، قد هاجروا البلَد حفاظاً على حيواتهم وتأميناً لأرواح عوائلهم، بخاصة أن أغلبيتهم قد حُسِبَ على أنه من ضمن النظام السابق، لذلك توجّب عليهم الخلاص بأنفسهم من تهم هي باطلة بحقهم، فهم ليسوا إلا كُتاباً يؤدون عملهم الصحافي بإخلاص لا أقل ولا أكثر. ”حالياً، لا توجد صحافة محلية تكتب بالأجنبية، وإِن وُجدَت فهي غير معروفة، وربما تكون حبيسة قلّة قليلة وضئيلة جداً، لكن فيما يخص القطاع الخاص، فلا وجود لأي صحيفة تكتب بالأجنبية مطلقاً، وذلك لأن القطاع الخاص والمؤسسات الأهلية يفكر ذويها بالربح المالي، والصحافة الأجنبية لا تدر عليهم الأموال في منظورهم التجاري، فكل صحيفة محلية تكتب بالعربية توزع في اليوم كذا ألف من النسخ، بينما لو صدرت هناك صحيفة أجنبية فلن توزع أكثر من ١٠٠ إلى ٢٠٠ نسخة يومياً، وذلك ليس بالأمر الجيد من الناجية الربحية لمالكي المؤسسات الإعلامية الخاصة“، يلفت عبد الحميد.

”عقليّة القارئ تغيّرت الآن، بل وتغيرت نحو الأسوأ، ليس العادي فحسب، بل إن الوسط الأكاديمي أصبحت نظرته ضيقة أيضاً“، تقول زينب أحمد، مترجمة عراقية، وتُضيف، ”كان في زمننا كُتّاب كبار، وعقليات ممتازة، تقرأ وتكتب وتحب الأطلاع، هذا فضلاً عن العديد من السواح الأجانب، والسفراء والقنصليات التي تقطن في البلد، كانوا يشتركون في صحفنا الصادرة بالأجنبية، ويمدحون بها كثيراً“. ”أغلب المواضيع كانت عن الحضارة والثقافة العراقية، وكل ما يخص العراق وأحداثه المجتمعية والتاريخية، بمعنى كُنا نوصل للقارئ الأجنبي صورة العراق ونُطلعُهُ عليه وعلى عاداته، تقبّل القارئ كان مشجعاً وقتها، *ما اليوم فتغير الكثير“، تبين أحمد لـ (المدى).

وتلفت، ”كنا نتناقش قبيل سنوات عن إمكانية إعادة اصدار صحافة محلية تكتب بالأجنبية، لكننا فوجئنا بالنظرة السلبية من بني جلدتنا، من الوسط الصحفي، قالوا أننا نعتقد بأننا فلاسفة وأكبر منهم شأناً لذلك نذهب نحو خيار إصدار صحافة تتنطق بالأجنبية، وذلك صدمَنا، أن ينظر إليك وسطك بهذه النظرة، فكيف بالأوساط الأخرى، لذلك فهي أزمة قلّة وعي وثقافة نعيشها تجعل من العسر عودة الصحف الناطقة بالأجنبية“. أما علاء خليل ناصر، مترجم عايَشَ الإعلام العراقي لأكثر من 50 عاماً فيقول لـ (المدى)، إن هناك في الوقت الراهن صحيفة واحدة ومجلّتين اثنتين فقط تصدر باللغة الأجنبية، وجميعها عن دار المأمون للترجمة والنشر، وهي إحدى تشكيلات وزارة الثقافة، الصحيفة تحمل اسم «المترجم العراقي» أما المجلّتان، فواحدة اسمها «بغداد» وتصدر بالفرنسية، والأخرى اسمها «كلكامش» وتصدر بالإنجليزية. موضحاً، إن المجلتين تصدران بشكل فصلي، وتهتم مواضيعها بالشأن الثقافي في الداخل العراقي، وبأخبار وزارة الثقافة، أما فيما يخص جريدة ”المترجم العراقي“، التي كان يرأس تحريرها، فهي صحيفة شهرية من 10 صفحات، تصدر بالعربية جل صفحاتها، ما عدا الصفحات الأخيرة الثلاث بالإنجليزية.

”أول صفحتين متخصصتين في الشؤون المحلية العراقية، فيما تختص الصفحة الثالثة بالثقافة الفرنسية فتترجم جل الموضوعات الفرنسية إلى العربية، وذات الشيء مع بقية الصفحات، إذ تختص الصفحة الرابعة باللغة الإسبانية، والخامسة بالروسية، والسادسة بالألمانية، والسابعة بالتركية، أما الصفحات الأخيرة الثلاث فتُكتب بالإنجليزية، أولهما تختص بترجمة الصفحتين الأولَتين المختصتين بالشؤون المحلية العراقية، فيما تهتم الصفحتين المتبقيتين بالحياة البريطانية وثقافتها“، يكمل ناصر. لكن ناصر يستدرك قائلاً، جميع تلك الصحف والمجلات الثلاث، هي متعثرة وغير منتظمة في الصدور، إذ لم تُلاقِ أي دعم مادي من الوزارة، لذلك هي تجدهن متعكزات على الإمكانيات البسيطة، بل لولا طلبة كليات اللغات الذين يقومون بترجمة المواضيع كل حسب تخصص لغته وتزويدنا بها لنشرها، لَأُغلِقَت تلك الصحف والمجلات منذ وقت مبكر، إذ أن الصحف تحتاج لمترجمين، فيما مدير دار المأمون للترجمة والنشر هو بذاته لا يملك أي لغة يترجمها، ولا يتحدث سوى العربية. سناء المشهداني، موظفة ومترجمة في دار المأمون للترجمة والنشر تقول لـ (المدى)، إن سبب عدم اهتمام وزارة الثقافة التي تتبع لها الدار بالصحافة الأجنبية يعود لعدم وجود أي وزير يهتم بتلك الموضوعات من كل الوزراء الذين تعاقبوا عليها بعد 2003.

مُضيفةً، حتى مجلّتَي «بغداد» و «كلكامش» وكذا «المترجم العراقي» أرادَ وزير الثقافة السابق إغلاقهن أكثر من مرّة تحت ذريعة التقشف، وبالفعل أوقفَ جريدة «المترجم العراقي» وحوّلها إلى إلكترونية، ولم تعاود للإصدار بالورق إلا بعد خروجه من الوزارة.

قائلَةً، إذ ما أُريدَ للصحافة المحلية أن تعاود الإصدار بالأجنبية، فإنه يجب أن يتولى منصب الوزارة، وكذا المناصب الخاصة بالإعلام، كـ شبكة الإعلام وغيرها، أشخاص يهتمون بتلك الزاوية، إذ ليس من الصعب على شبكة الإعلام التي يزيد عدد موظفوها على الـ 5 آلاف أن تُصَدّرَ صحيفة تنطق بالأجنبية لو أرادت ذلك، ولكن إداراتها المتعاقبة ليست بالمستوى والقدر المطلوب والمُؤَمّلِ عليهم بشيء.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close