اليوم الخالد ” يمكنك قتل الثوار لكن لا يمكنك قتل الثورة”

” يمكنك قتل الثوار لكن لا يمكنك قتل الثورة”

المهاتما غاندي

في بادئ ذي بدء أود ان أسلط الضوء على المصطلحين المعروفين ، اللذين يخلط بينهما الكثير منّا في تبيانهما ، وذلك أما عن قصد أو غير قصد..

وهذان المصطلحان هما( الثورة والأنقلاب)، وكما هو معروف أنهما يُستخدمان في كل مجالات الحياة ( السياسية ، الأقتصادية ، الأجنماعية، الثقافية ، العلمية والمناخية).

فالذي يهمنا هنا هو المجال السياسي ، وسأتناول المصطلحين كل على حدة ، ونبدأ بتعريفهما لغويّا .

ثورة : (اسم)

الجمع : ثورات

الثورة : هو تغيير أساسي في الأوضاع السياسية والأقتصادية والأجتماعية والثقافية يقوم بها الشعب في دولة ما .

وهناك تعريف آخر للثورة ، وهو إنتفاضة وتمرد يطيح بحكم ما باستعمال القورة ، ويُعَوّض الحكم القديم بحكم جديد ، وقد يقوم بتغيير النظام برمته .

اما الأنقلاب فهو مصدر : انقلبَ

اما تعريفه فهو تغيير مفاجئ ومن دون سابقة إنذار، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، حدث انقلاب مفاجئ في الطقس، أي حدث تغيير في الطقس من حالة الى أخرى من دون سابقة إنذار .

نعود الى صلب الموضوع، وهو( ثورة الرابع عشر من تموز 1958) ومصطلح الثورة . وكما اسلفت القول ان الفرق بين الثورة والأنقلاب ، فالأنقلاب هو حدث مفاجئ . أما الثورة فيسبقها مسببات وعوامل ذاتية وموضوعية ترتكز عليها الثورة ، وتُعْتبر هذه العرامل، الطاقة الفاعلة في تحريكها وتفجيرها.

والثورة التي لا تحمل شعلة النور في مسيرتها ، ولا تحتوي بين طياتها بشائر الخير لغد مشرق للمحرومين والمعدمين من ابناء الشعب ، فلا يصح ان يُطلق عليها المصطلح الذي يدل على المعنى الخيّر والأيجابي لمحتواه ومُعطياته ونتائجه الخلاقة . وهو الثورة.

وهذا ما عبرت عنه ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة التي تكاملت فيها كل المعاني الخيرة والمواصفات والعوامل التي ساعدت على اشراقها .

فدولة العراق المعاصر الذي انتقلت من الحقبة المظلمة وكابوس السلطنة العثمانية ، وما كانت تحمله من تخلف وبؤس وفقر وحرمان ، واستبداد السلاطين المتخلفين بظلمهم وجبروتهم وقمعهم للثائرين والمناضلين من اجل العيش الحر الكريم والغد الأفضل.

وبمجئ المستعمر الغازي وانهيار دولة السلاطين ، وتحت زيف شعار التحرر والأستعمار الذي بشر به الغزاة ، اي بمعنى قدوم جحافل جيوشهم الغازية ، انما هي لأعمارنا ، ( استعمار ، بمعنى اعمار ) ولكنهم في الحقيقة والواقع يحق عليهم القول ، في الآية القرآنية الكريمة(إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُون ) .

فالمستعمر هدفه االأساسي وغايته هي فرض هيمنته على البلاد والعباد واستغلال مواردها الأقتصادية وخيراتها الطبيعية ، ومن هذه المرحلة في تأريخ العراق المعاصر ، بدأت مرحلة جديدة من النضال الجماهيري ، وتشكيل احزاب وتجمعات حزبية وثقافية ، مُتخذة اساليبا مختلفة في النضال والتحرر من الأستعمار ، وتوعية الجماهير وتثقيفها على المعاني الثورية الخيرة والوطنية الحقة والتحرر من الأنظمة العميلة واسيادهم المستعمرين.

وبتشكيل هذه الأحزاب الوطنية والتجمعات الثقافية ، برز الحزب الشيوعي العراقي ( 31 آذار 1934 )، كطليعة ثورية تلعب الدور الأكبر بين الجماهير وتقودها الى الأمام في دروب النضال التحرري والوطني من العبودية والظلم والأستعباد.

وبهذا النضال ومسيرته الصعبة بوجه الحكومة العميلة واسيادها، قدم الحزب الشيوعي العراقي خيرة ابنائه الأبطال شهداء ضحوا بدمائهم الزكية وارواحهم على منحر الحرية والأباء وهم الشهيد الخالد فهد ( يوسف سلمان يوسف ) مؤسس الحزب الشيوعي العراقي، ورفيقيه حازم ( محمد زكي بسيم ) وصارم ( محمد حسين الشبيبي )، لكي تكون دماءهم الطاقة الفاعلة والمحركة والخلاقة للثورة والتحرر من كل اشكال الذل والعبودية والهيمنة والأستبداد ، حتى يتحقق بالثورة الأمل الجماهيري المنشود . وهنا لا أريد أن استعرض كل صفحات النضال الجماهيري ، وفي مقدمتهم نضال الحزب الشيوعي العراقي ، فيطول الكلام في تبيان المآثر النضالية والتضحيات المقدسة في سفر نضال التحرر الوطني انذاك، ومن هنا لا اريد أن أبدأ من حيث لا أنتهي .

فمن أصدق التعابير عن ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة ، هو الحب النابض بقلوب الأجيال المتعاقبة ، التي لم تر يوماَ وهج الثورة بأعينها ، وأنما تحسه بروحها يتجلى نورا وخلودا ، وهو أصدق

وضوحاَ وأكثر إشراقا ، وهذا هو المعنى الأسمى لثورة الرابع عشر من تموز الخالدة .

فالذي سبق ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة ، هو سِفْرٌ نضالي غني عن التعريف ، والتأريخ يستضئ به ، وبأبطاله وشهدائه . ولو لا هذا السفر النضالي العظيم ، ما كانت ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة.

أما الذين يحاولون طمس معالم هذه الثورة ، واعتبارها ليس اكثر من إنقلاب ، فأؤلائك إنما هم يريدون أطفاء نورها الوهّاج والساطع في سماء العراق والأنسانية جمعاء ، وهذا ما لا يقبله كل عاقل لبيب.

فلو لم تكن ثورة الرابع عشر من تموز معبرة عن إرادة الجماهير وآمالها ، بقيادة ابنائها الأبطال من الضباط الأحرار ، لما كان انتصارها الضربة القاضية للمستعمر وأدواته العميلة المتمثلة في الحكومة الملكية .

ولو لم يكن يوم الرابع عشر من تموز ثورة عظيمة ، لما التفّت كل الجماهر الكادحة من حولها من عمال وفلاحين وكسبة ومعدمين، فهم، هم، هم الذين شقوا الطريق لها واحتضنوا قادتها الميامين ، عند الأنتصار، وكذلك الدفاع بكل ما أؤتوا من قوة وبأعلى وأقدس درجات الأيمان ، وباسمى آيات التضحية والفداء عن الثورة وزعيمها وقائدها الشهيد عبد الكريم قاسم وكل ابطال الثورة من حوله ، في الثامن من شباط الأسود ، حين تأمر اعداء الشعب على الثورة ، من شذّاذ الآفاق ، وقطاعي الطرق ، والعملاء المأجورين ، وبدعم من الخارج ، اؤلئك الذين كانت الثورة صاعقة محرقة لهم ولعملائهم وأذنابهم ولمصالحهم.

وفي الثامن من شباط الأسود كان انقلاب قوى الشر والظلام والردة على قوى الخير والنور والتحرر .

ومن انقلاب الحقد والضغينة على الحب والخير والمحبة والأخاء ، ومن ذلك اليوم الأسود واشباحه ، يعاني العراق وشعبه من جرحه العميق بخنجر الغدر والخيانة والتآمر المحموم بالشر والعداء ، والمصبوغ بالخسة والعار والدناءة. وما زالت آثار شباط الأسود الدموية ، وما خلفته من مآسي وويلات ليومنا هذا ..!

فكل ما يجري الآن على الساحة العراقية ، هو نتاج الأنقلاب الأسود المشؤوم في الثامن من شباط 1963 .

الدكتور ابراهيم الخزعلي

14/07/2019

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close