ميلاد فينوس – للشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه (1875-1926) –


ميلاد فينوس – للشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه (1875-1926) –

ترجمة د بهجت عباس

في هذا الصباح بعد الليل الذي انقضى مُـرعِـبـاً
بصيحاتٍ وصخب وهيَـجان، –
انفلق البحر كلُّـه مرةّ أخرى وصرخ.
ولمّا توقّـفـت الصُّرخة ببطءٍ
وهَـوَتْ من نهار السّموات الشّاحب واستهلالـهِ
إلى أسفل، إلى مهبط الأسماك الصّامتة -:
أنجبَ البحـرُ.

**

من الشمس المُشرقة لمعت رغوة الشَّعـر
لعِذار الموجـة الرحيب، الذي نهضتْ
على حافّتـه الفتاة، بيضاءَ، مرتبكةً ومبتلّـة.
وكما تدبّ الحياة في ورقة خضراءَ يانعـةٍ،
تمدّد ذاتَها وتتـفـتّـح ببطءٍ،
بَسَطَتْ جسدَهـا في هواء البحـر البارد
وفي نسيم الفجـر الذي لمْ يُلمَسْ بعـدُ.

**

مثلَ قَمَـريْنِ ارتفعت ركبتـاها واضحـتـيْـنِ
وانغمـرتا في حافّاتِ غيوم فخـذيْـها ؛
وتراجعت الظلالُ الرهيفة لِبطَّـتَـيْ ساقـيْـها،
وتوتّرت القدمـانِ وصارتا وضّاءتيْـن،
وانتعشت المفاصلُ حياةً كحناجـرِ
الغارقين في الشّرْب.

**

وفي كأس الوَرِك استلقى الجسدُ،
مثلَ فاكهةٍ يانعـةٍ في كفِّ طفلٍ.
في كأس سُـرَّتها الضّيق كان

ظلام الحياة المتألـقة هذه كلّـه.
**
تحت هذا ارتفعت الموجـة الصّغيرة بلطف
وجَـرتْ عَـبْـرَ الوَرِكيْـن على الدوام،
حيث الآن ومن قبل ثمّة خرير هادئ.
ولكنْ شفّافـة و من دون ظلِّ أيضاً،
كشجرة البتولا منتصبة في الربيع،
دافئة، خاليةً وغير مخفيّة، وقعت السوأة.
**

الآن انتصب ميزان الكتفين المُفعَم بالحيوية من قبل
في توازن كامل على مقياس الجسد القويم،
الذي صعد من الحوض مثلَ نافورة
وسقط بتردّد في الذراعين الطويلتين
وبسرعة خاطفة عند انسدال الشَّعر الكثيف.

**

وبعدها تحرّك الوجه ببطء كثير :
من عَتـمتـه المختزَلة لانحداره
وضّاحاً، متوازناً، مرفوعاً.
ومن تحت أغلـق الذقـن ذاتَـه بشدّة.

**

الآن، العنق الذي امتدَّ كشعاع من نور
والذي يشبه ساق زهرة تتصاعد فيه العصارة،
كذلك امتدّت الذراعان خارجاً مثل أعناق
بجع، عندما تبحث عن الساحل.

**

ثم في فجر هذا الجسد المعتم
جاء النَّفَس الأول كنسيم الصباح.
في فروع شجرة الشرايين الرقيقة جداّ
نشأ همس، وبدأ الدم
يتدفـّق بخرير في الأماكن العميقة.

**ِ
ونما هذا النسيم : الآن رمى
بذاته كلِّها في النهديْن الجديديْن
وملأهما وضغط ذاته فيهما،-
حيث هما مثل شراعين، مليئيْن من البعد،
دفعا بالفتاة الرقيقة إلى السّاحل.

**

هكذا هبطت الإلهـة.

وراءها،
خطتْ بسرعة عَـبْـرَ السَّواحـل الناشئة حديثاً،
انتصبت الأزهـارُ والشتلات طيلة الضّحى،
دافئة، ذاهلة، كما لو كان من عناق.
وهي، الإلهة، مشتْ وركضتْ.

لكنْ عند الظَّهيرة، في الساعة الأشدِّ وقعاً،
ارتفع البحر مرة أخرى وقذف
دلفيناً في الموضع ذاته.
ميتاً، أحمرَ ومفتوحاً.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close