هل حقا مر زمن جميل على العراقيين ؟

بقلم مهدي قاسم

من يقوم بإعادة قراءة تاريخ العراق القديم و الحديث سوف
يجده عبارة عن سلسلة طويلة و متواصلة من مجازر دموية و أعمال تخريب و فواجع و عذاب ومعاناة ، طبعا سوية مع مظاهر فقر و عوز و حرمان بالنسبة لغالبية العراقيين و عبر عقود وحقب طويلة سببها الاحتلال المغولي و العثماني وفيما بعد الاحتلال البريطاني لفترة وجيزة ، وكذلك
أشخاص و فئات عراقية متصارعة على السلطة والنفوذ ..

من هنا لا نجد ذلك الزمن العراقي الجميل الذي يتحدث عنه
بعض العراقيين كنوع من حنين إلى الماضي ” الجميل ” ولا مذكورا لا في أحاديث شفهية لأجداد و جدات و لا في حكايات و قصص وروايات ، بينما مورثنا الشعبي من أغان و قصائد شعبية تُشير إلى عكس ذلك تماما ، و ضمن نبرة حزن وكآبة ، أشبه بنحيب مرير ، يمزق أنياط القلب تألما
..

فأين هو إذن هذا الزمن العراقي الجميل الذي يتحدثون عنه
بكل هذه الحرقة و الحسرة ؟ بل و ماذا يقصدون من ورائه ؟

أم أنهم يحنون إلى أزمنة كانت أقل وطأة من أزمنة قد تلتها
؟!..

كأن نقوم ــ مثلا ــ أن الاحتلال العثماني كان أفضل من
الاحتلال المغولي و أن الاحتلال البريطاني كان أفضل من الاحتلال العثماني و أن الملكية كانت أفضل من حكم الجمهورية و أن حكم البعثيين العفالقة الفاشيين أفضل من حكم الإسلاميين السياسيين ؟ !! ..

ولكن حتى لو اتفقنا ــ افتراضا ــ على هذا التعاقب والتفاضل
بين السيء والأسوأ فأين هو الزمن العراقي الجميل في كل هذه المراحل ..

إذا غضضنا النظر عن المراحل الاستعمارية التي هيمنت على
العراق حيث كان هذا الزمن العراقي الجميل معدوما بالمرة بحكم المأسي و النكبات ، فإنه أيضا كان معدوما في زمن الملكية و الجمهورية و حتى الآن ، و سوف نكون من الشاكرين لو دلنا أحدهم على هذا الزمن الجميل و في أية مرحلة كان سائدا وقائما ..

نقول ذلك لأننا نعتقد بأن ما من مرحلة سياسية مرت على العراقيين
و إلا كانت تحتوي على صدمة و هول وفواجع من مذابح و مجازر ومعاناة مصحوبة بفقر وإملاق ، حيث ما يكادون أن يستفيقوا من هول صدمة دامية و إذا بهم يتعرضون لصدمة جديدة أكثر دموية و هولا !..

على الأقل هذا ما تؤكد أحدث تاريخية قديمة وحديثة لا يطالها
شك بحكم وجود شهود عيان من ضحايا و فعلة قتلة و عبر كل مرحلة من تلك المراحل الفظيعة و الرهيبة ..

نقول ذلك لأننا نستغرب من أن يختار المرء بين السيء والأسوأ
و ليس بين السيء و الأحسن أو الأفضل ..

أو على الأقل أن يسعى إلى ذلك بدون حنين إلى سيء لكونه
يعيش في وضع أسوأ ..

بينما الشعوب الأبية لا ترضى إلا بوضع أفضل و أحسن إذا
عاشت سواء في وضع سيء أو أسوأ ، لأنها شعوب واعية لطموحاتها ولن تقبل بأقل من أن تعيش بكرامة إنسانية تليق بحجم هذه طموحاتها المشروعة، ولا مهرب هنا من أن نذكر الفرنسيين من أصحاب السترات الصفراء كيف انتفضوا لشهور طويلة و بإصرار لا يلين على إجبار الحكومة على سحب
إجراءاتها الاقتصادية التي كان من شأنها أن تقلل من نوعية الحياة المرفهة التي يتمتعون بها ، وليس من أجل مطالب الحصول على الإنارة و الماء الصالح للشرب ، مثلما في العراق !!. لأن الحصول على هكذا خدمات بالنسبة للأوربيين أمر طبيعي و عادي جدا ، ولا يحتاج إلى تظاهرات
ومسيرات احتجاجية ، لأن الأمر لو وصل إلى هذه الدرجة ــ مثلما في العراق الآن ــ فما من حكومة ستبقى على قيد الحياة أكثر من شهور في أية دولة أوروبية أو غيرها من مجتمعات واعية و متمدنة ..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close