موقف الصدِّيقة مريم عليها السلام من البشارة الملائكية

د. علي محمّد محمّد الصّلابيّ

عرفت مريم العذراء صفات ابنها عيسى عليهما السلام في هذه البشارة قبل ولادتها له، وذكر هذه الأحوال والصفات والتقلبات والتغيرات على عيسى عليه السلام يؤكد على بشريته، فهو عليه السلام منذ أن خلقه الله مولوداً طفلاً صغيراً إلى كهولته، يتقلب في الأحداث ويتأثر بها ويتغير بمرور الأزمنة والأيام عليه، ويتحول من صغر إلى كبر ومن حالٍ إلى حال، ولو كان إلهاً أو ابناً لله، كما زعم النصارى الكافرون – بالتوحيد – لما حصل له ذلك، ولقد أخبر الله عز وجل عن حالات عيسى عليه السلام التي يتقلَّب بها في عمره، كتقلُّب بني آدم في أعمارهم صغاراً وكباراً، إلا أن الله خصَّه بالكلام في المهد آية لنبوَّته، وتعريفاً من الله للعباد بمواقع قدرته.

فما هو موقفها من هذه البشارة الملائكية ؟ وكيف لها أن تلد ابناً من غير أب … قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ (آل عمران: 47).

لما سمعت مريم البشارة من جبريل عليه السلام بأنها ستنجب عيسى عليه السلام، فوجئت ودُهشت واستغربت إنها فتاة عذراء، ولم تتزوج، فمن أين يأتيها ذلك الولد؟ ولقد صارحت جبريل باستغرابها (قالت أنى يكون لي غلاماً ولم يمسسني بشر)؟ تركت جبريل وتوجهت إلى الله وناجته ونادته: (رب) أي: يا رب يا الله. (أنَّى): اسم استفهام بمعنى (كيف) ويدل على المفاجأة والدهشة. (يكون): فعل مضارع تام، و(ولد) فاعل للفعل (يكون) التام. (ولم يمسسني بشر): الجملة في محل نصب حال: أي: وحالي أني لم يطأني بشر ولست ذات زوج ولا عزمت أن أتزوج.

وجاءها الجواب يردّها إلى الحقيقة البسيطة التي يخفى عنها البشر لطول ألفتهم للأسباب والمسبَّبات، لعلمهم القليل ومألوفهم المحدود:

– (قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون).

وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب وتزول الحيرة، ويطمئن القلب، ويعود الإنسان على نفسه يسألها في عجب: كيف عجبتِ من هذا الأمر الفطريّ الواضح القريب، وهكذا كان القرآن ينشئ التصور الإسلامي لهذه الحقائق الكبيرة، بمثل هذا اليسر الفطري القريب، وهكذا يجلو الشبهات التي تعقّدها الفلسفات المعقَّدة، ويقرُّ الأمر في القلوب وفي العقول سواء.

– (قال كذلك الله يخلق ما يشاء):

أي: كهذا الخلق الذي تجدينه في أن يكون لك ولد من غير أن يمسَّك رجل، وهو إبداع بخلق الله تعالى، ويبدع ما يشاء ويريد إبداعه، وهذه الجملة السامية تفيد أموراً منها:

– أن هذا النوع من التكوين، وهو إنجاب من غير أبٍ هو في قدرة الله تعالى؛ لأنه الخالق المبدع، وما هو غريب عليكم هو في قدرته سبحانه، لأن من خلق الخلق الأول وخلق السنن الكونية وغيرها قادر على تغييرها، لأنه مبدعها ومنشئها.

– أن خلق عيسى أمر من الله تعالى، وعيسى ليس إلا مخلوقاً من مخلوقاته، فهو أبدعه كما أبدع غيره من المخلوقات، فليس إلهاً ولا ابن إله.

– أن خلق الله تعالى بمشيئته وإرادته، وهذا فيه إشارة إلى السبب الذي من أجله خلقه الله تعالى من غير أبٍ، وهو أن المخلوقات لا تصدر عن الله صدور المعلول عن علّته، ولكنها توجد بإيجاده، وتنشأ بإبداعه (بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد).

وفي ذلك ردّ علميٌّ على أهل الفلسفة المادية التي تقول إن العالم نشأ عن العقل الأول نشوء المعلول عن علّته، ثم أشار سبحانه إلى عظيم قدرته، بقوله تعالى: (إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون)، أي أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يوجد أمراً لا يوجده إلا بكلمة (كن)، وعبَّر سبحانه عن الإيجاد بـ(قضى)؛ للإشارة إلى أن إيجاده للأشياء ليس إلا من قبل الحكم عليها بالوجود، فإذا حكم

بالوجود في أمر نفذ حكمه، وحكمه هو أن يقول (كن)، فيترتب على ذلك أن يكون. وهل الأشياء حقيقة تنشأ بمجرد الإرادة الإلهية أم أنَّ هذا تصوير لسهولة الخلق؟

الظاهر أن هذا بيان لسهولة ذلك على خالق الخلق وبارئ النسم، فهو تمثيل لبيان قدرة الله عزَّوجل الشاملة، وسهولة الإنشاء عليه سبحانه وتعالى، ونفاذ إرادته في خلقه، ولذلك جاءت الإجابة في مثل هذا المقام بهذا المعنى في سورة مريم، فقد قال الله تعالى في الإجابة عن استغرابها في تلك الصورة: ﴿ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ (مريم: 21).

وهذا التعبير الكريم صريحٌ في أن السياق لبيان سهولة مثل هذا الخلق على خالق الخلق، ويفيد أيضاً أن المقصود بيان أن الله سبحانه فعَّال لما يريد، وهو على كل شيء قدير، ربنا لا ترهقنا من أمرنا عسراً.

وهكذا أخذت مريم رضي الله عنها البشارة من جبريل عليه السلام وصارت على يقينٍ بأن الله سيهبها ولداً وما بقي إلا تنفيذ هذه البشارة، وتحقيق ما وعدها الله به.

وبعد أن بيّنا كيف اصطفى الله عزَّ وجل مريم عليها السلام وفضلها على النساء أجمعين، وبشرها بمجيء عيسى عليه السلام، وموقفها من هذه البشارة، يتبادر إلى الأذهان التساؤل التالي:

– هل مريم صدِّيقة أم نبيَّة؟

الصحيح في هذه المسألة أن مريم عليها السلام ليست نبيَّة، وإنما هي صدِّيقة، والدليل على ذلك ما يلي:

– ظاهر النص الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ (يوسف: 109).

– وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء: 7).

– وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (النحل: 43).

وإنَّ الحكمة من تخصيص الرجال بالنبوة دون النساء، أن النبوة عبء ثقيل وتكليف شاق، لا تتحمله طبيعة المرأة بتركيبها البيولوجي والنفسي، ولهذا كان جميع الأنبياء من الذكور؛ لأن مهام الرسالة مضنية، تحتاج إلى مصابرة ومجاهدة، وتتطلب الكفاح والسفر، وخوض المعارك وتحمُّل المشاقّ.

ولم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة وصفها بالنبوة، وإنما جاء وصفها بأوصاف أخرى تدل على صلاحها وطهرها وصدِّيقيَّتها قال تعالى: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ﴾ (المائدة: 75)، وإنما قيل لها صديقة؛ لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به ووضعت بصدق وعد ربها ووصفت بصدق وعد ربها، وهو ميثاق الإيمان.

والقصد من وصفها بأنها صدِّيقة نفيٌ أن يكون لها وصف أعلى من ذلك، وهو وصف الألوهية؛ لأن المقام لإبطال قول الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فجعلوا مريم الأقنوم الثالث، فهو نفيٌ لألوهية المسيح وأمه وهما من البشر فكانا يأكلان الطعام، ويتبع ذلك خروجه، فهذا كناية عن الغائط والبول.

ووصفت بالصدِّيقة لكمال إخلاصها وانقيادها لله عز وجل ظاهراً وباطناً، والتعبّد بطاعته سبحانه وتعالى في كل حركة وسكون مع إخلاصٍ عظيم في القصد لله عز وجل.

مراجــع البحث:

1. د. علي محمّد محمّد الصّلابيّ، المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام (الحقيقة الكاملة)، 2019م، ص (107 : 110).

2. د. علي محمّد محمّد الصّلابيّ، الإيمان بالرسل والرسالات، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت، 2011م، ص 54.

3. د. صلاح الدين الخالدي، القصص القرآني ، دمشق: دار القلم، بيروت: الدار الشامية، ط1، 1419ه، 1998م ، 4/ 211.

4. سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة: ط 38، 1430ه، 2009م ، 1/ 398.

5. محمد صالح المنجد، تفسير الزهراوين البقرة وآل عمران، مكتبة العبيكان، الرياض، ط1، 2016م، ص 558.

6. محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، دار الفكر العربي، القاهرة، 2008م ، 3/1225 – 1226.

7. محمد مصطفى الزحيلي، شرعة الله للأنبياء في القرآن الكريم والسنة، دار ابن كثير، دمشق، ط1، 2018م، ص 619.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close