آخر رئيس وزراء للملكة المتّحدة!

ساهر عريبي
sailhms@yahoo.com

بهذه الكلمات التي تحمل نبرة تحذيرية, وصف رئيس وزراء بريطانيا الأسبق غوردون براون, رئيس الوزراء الجديد بوريس جونسون, الذي سيتولى مهامّه رسميا اليوم الخميس, خلفا لرئيسة الوزراء المستقيلة تيريزا ماي. إذ اعتبر براون أنه لن تكون هناك مملكة متّحدة بعد جونسون محذّرا من تفكّكها إذا ما مضى الأخير قدما في سياسته التي أطلقها للتعامل مع ملف خروج بريطانيا من المملكة المتحدة والقائمة على قاعدة ” إفعلها أو مت“!

فجونسون الذي قاد حملة الخروج من الإتحاد الأوروبي, وقدم استقالته من حكومة ماي إحتجاجا على كيفية إدارتها لملف الخروج, قطع وعدا للشعب البريطاني بإخراج بريطانيا من الإتحاد في الموعد المقرر في 31 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل, سواء عبر إتفاق ينظم عملية الخروج من الإتحاد الأوروبي أو بلا اتفاق. وتنبع خطورة الخيار الأخير, من انه يفتح الباب أمام تفكك المملكة المتحدة المكونة من بريطانيا (انكلترا, ويلز, اسكتلندا) بالإضافة الى ايرلندا الشمالية.

إذ هددت كل من استكتلندا وويلز بتنظيم استفتاء للخروج من المملكة المتحدة, فيما تتزايد احتمالات عودة بلفاست الى حضن ايرلندا الأم التي هي عضو في الإتحاد الأوروبي, نظرا لأن الخروج البريطاني بلا اتفاق, سيفضي الى اغلاق الحدود بين الأيرلنديتين, في خرق لإتفاق الجمعة العظيمة الذي أرسى السلام في ايرلندا الشمالية, بعد عقود من العنف. ولذا فإن مضى جونسون بسياسته, فإنه سيكون آخر رئيس وزراء للملكة المتحدة التي ستختفي من الخارطة وتحل محلها إنكلترا!

ولا يشكل هذا الملف التحدّي الوحيد الذي يواجه جونسون, بل إن هناك تحدّيات اخرى تواجهه, واولها التعاطي مع ملف ايران النووي, وثانيها الحفاظ على وحدة حزب المحافظين المنقسم إزاء كيفية الخروج من الإتحاد الأوروبي, بين محذّر من عواقب الخروج بلا اتفاق وبين داع الى الخروج بأي ثمن كان, مما يجعل قضية الخروج شائكة ومعقّدة. ففي حال معارضة بعض نواب المحافظين للطلاق من اوروبا بلا اتفاق وتشكيلهم غالبية برلمانية مع حزب العمال والأحزاب الأخرى تمنع وقوع ذلك, فإن نتيجة ذلك هي الدعوة الى انتخابات برلمانية جديدة سيكون الخاسر الأكبر فيها حزب المحافظين. فجمهور هذا الحزب يريد خروجا من الأتحاد بغض النظر عن العواقب المترتبة على ذلك. وقد عبّر هذا الجمهور عن استيائه من الحزب خلال إنتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت في شهر مايو الماضي ومني فيها حزب المحافظين بهزيمة منكرة.

لقد وضع جونسون المملكة المتحدة أمام معادلة صعبة, احد طرفيها هو الخروج من الإتحاد الأوروبي ولو بلا اتفاق واما الطرف الآخر فهو تفكك المملكة المتحدة مقابل بقاء الجناح المتشدد في حزب المحافظين والذي يحظى بتأييد غالبية جمهور الحزب. وسعى جونسون خلال الأيام الماضية الى طمأنة الجمهور بانه لن يسمح بانفصال اسكتلندا وويلز, لكن هذا الأمر ليس بيده فيما لو اجري استفتاء شعبي نتيجته هو تصويت الشعبين لصالح الإنفكاك من بريطانيا العظمى. ويبدو هذا التحدّي هو الأكبر الذي يواجه جونسون والمملكة المتحدة وحزب المحافظين.

إلا أن جونسون اتخذ قرارا بالخروج مدفوعا بتأييد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب, الذي تدخّل في الشأن الداخلي البريطاني عندما اعلن تأييده لجونسون في انتخابات زعامة حزب المحافظين, وهو يحظى بعلاقات وثيقة معها فضلا عن تشابه كبير بينهما في المواقف إزاء قضايا مختلفة ومنها النظرة للأسلام وكيفية التعاطي مع ملف ايران النووي والخروج من الإتحاد الأوروبي. فاما بالنسبة للإسلام فيرى جونسون أنه سبب تخلف المسلمين, كما وصف المسلمات المنقبات بصندوق بريد.

وفيما يتعلق بالملف الأوروبي فإن ترامب من أشد المحرّضين على انسحاب بريطانيا من الإتحاد بهدف تفكيكه, معطيا وعودا بإعطاء أفضلية تجارية لبريطانيا في حال طلاقها من اوروبا, رغم تيقن الكثيرين بان ترامب لن يف بوعوده بل سيورّط بريطانيا ثم يتركها في مهب الريح, لأن المنافع الأقتصادية هي حجر الزاوية في سياساته ومنذ جلوسه في المكتب البيضاوي. وأما بالنسبة لتحدي الملف الإيراني, فإن جونسون يبدو متناغما مع ترامب في كيفية التعاطي مع هذا الملف, فهاجس تعزيز امن اسرائيل يستحوذ على كليهما وقد اعلن جونسون قبل أيام وبشكل واضح أنه ”صهيوني حتى النخاع“ وانه محب للدولة العبرية.

ولذا فمن المتوقع أن يتخذ جونسون موقفا متشددا من الملف الإيراني, لكن كيفية التعاطي مع ملف ناقلات النفط لايبدو سهلا! فايران التي تحتجز ناقلة نفط بريطانية ردّا على احتجاز ناقلة نفط تابعة لها من قبل حكومة جبل طارق الخاضعة للمملكة المتحدة, وضعت بريطانيا في موقف حرج! فهي غير مستعدة لإبرام صفقة للإفراج عن الناقلتين لأن ذلك يعد هزيمة لها! كما أن بقاء سفينتها في ايران يعتبر ضربة لبريطانيا التي تعتبر نفسها قوة عظمى!

يتولى جونسون رئاسة الوزراء في فترة حرجة من تاريخ بريطانيا, حيث يحظى ملف الخروج من الإتحاد الأوروبي بأهمية بالغة وأولوية قصوى, لكن الملف النووي الإيراني وبالرغم من أنه لايمثل أولوية لجونسون اليوم, لكنه سيفرض نفسه عليه, نظرا لتداخله مع الملف الأول(ملف الخروج), فالإتحاد الأوروبي ممثلا بفرنسا وألمانيا تسعيان لإنقاذ الإتفاق النووي وعلى العكس من ترامب الذي انسحب منه. لكن الموقف المتشدّد المتوقع من جونسون حياله, سيشدّد من موقف الإتحاد الأوروبي من ملف الخروج ولن يسمح بإعادة التفاوض حول اتفاقية الخروج التي توصل اليها مع رئيس الوزراء السابقة تيريزا ماي.

ومن المرجّح أن يخضع ملفي الخروج والنووي الى شد وجذب ومقايضة بين الإتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة! فهل سيقايض الإتحاد الأوروبي ملف ايران النووي مع جونسون وترامب مقابل بقاء المملكة المتحدة موحّدة وعضوا في الإتحاد الأوروبي؟ ام أن الإتحاد الأوروبي سيقايض خروج بريطانيا منه بلا اتفاق مقابل العودة الى الإتفاق النووي والغاء العقوبات الأمريكية المفروضة على ايران؟

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close