“الانسان الإله” و عقلانية الحرب…1

د. اكرم هواس

ربما من العبث الكلام عن شرعية الحرب… فالحروب كانت دوماً توأم الوجود الإنساني منذ ان اكتشف الانسان الاول قدرة عقله على ادارة علاقته ليس فقط بالآخر … بل ايضا ببناء ذاته و بلورة هويته و قناعاته و هويته …

رغم الصورة الذهنية في البنية الاخلاقية الرافضة للظلم و القتل و العنف في الديانات الكبرى … فان القرآن واضح في إعطائنا الدرس الاول في تاكيد اهم معادلة في بناء آلية ديمومة المجتمعات ” و لكم في القصاص حياة يا أولى الألباب”… و لا ادري ان كان داروين قد اطلع على هذه الآية القرانية عند وضع ما اصبح فيما قانوناً تأويلياً لمنظري السياسة و علم الاجتماع و مفكري تفوق الرجل الأبيض و ثقافات العنصرية و القومية و الاثنية و غيرها مما شرعنت تحول الانسان الى اله يمارس دور الله في تحديد مَنْ يحق له العيش و مَنْ لابد ان يموت لكي يبقى الآخرون على قيد الحياة ….نحن نتحدث عن مبدأ “الصراع من اجل البقاء … و البقاء للأقوى”…!!..

الآية القرآنية تربط بين القصاص اي القتل و الحياة اي ديمومتها او البقاء على قيدها… و تضع كل ذلك تحت شرط توظيف العقل “اولي الألباب”… فالآية لم تقل مثلا “و لكم في القصاص حياة رحمة من الله”… لان القتل ليس عملا رحيما .. و لذلك فالقتل الرحيم الذي تستخدمه بعض المجتمعات لإراحة المرضى الذين يعانون دون اي امل في الشفاء مرفوض بشكل قطعي في الاسلام و كذا الانتحار ..

بكلام اخر… القرآن ميز بين القيمة الاخلاقية التي تتمحور حول الرحمة و الرأفة و التعايش و السلام… و بين القوة الضرورية لبناء المجتمع… فالآية لم تتحدث عن حق الذين يتم القصاص منهم … و لا حتى عن ذنوبهم وفق القيم الاخلاقية … بل المعيار انحصر في ضمان البقاء على قيد للفرد و الجماعة … و كذلك ايضا للمجتمع و مؤسساته و هياكل بنائه حيث ان مصطلح “الحياة” يحمل كل هذه المعاني..

فكرة الانسان الإله ظهرت في بعض الميثولوجيا الهندية لكن تطورت و اصبحت رؤية حياتية مع فكرة التجسيد في الارث المسيحي حيث يعتبر النبي عيسى ليس فقط ابنا لله و إنما ايضا مجسداً للرب في الارض و بين البشر …

العقلانية الأوروبية ( الغربية) استوعبت هذه التوليفة و اسست وفق ذلك رؤاها السياسية و الفكرية اطارا يشرعن تبني سلوكيات جذرية ليس انتقاماً من المنافس لان الله ليس له منافس و إنما بهدف بناء مشاريع بنيوية ترسخ ديمومة الحياة في تشبيه لمسألة الخلق التي يمكن رؤيتها من خلال نافذة آلام المخاض الرهيبة التي تكررت في مشهد صلب السيد المسيح… حيث يرسخ طريق الآلام ديمومة الحياة…

على هذا الأساس اصبح الانسان الاوروبي إلهاً يقرر استعباد الإفريقيين و محو سكان امريكا اللاتينية و قطع الأشجار النبات و قتل الحيوانات و من ثمة تطوير ذلك الى اعمال الجينوسايد للشعوب و هكذا… ليس انتقاما من احد بل لترسيخ الارضيّة الضرورية لتراكم الموارد و الأموال و بالتالي تحقيق التقدم و التطور في مجال الطب و الهندسة و تكنولوجيا الاتصالات و النقل و ووو التي تخدم ديمومة حياة للنخب البشرية السياسية و الاقتصادية و ينعم بها الكثيرون…

في العالم الاسلامي حيث يتم رفض فكرة التجسيد بين الانسان و الإله بناء على تأويلات قرآنية اخرى فان المتحكم في العقلية السياسة يرتكز على نقطتين .. أولاهما .. هي فكرة السلطة و الانتقام المستوحاة من قتل قابيل لهابيل …. و ثانيهما …الالتزام بمنطق “هذه مشيئة الله”…. و اعتقد ان كلا التأويلين يعكسان الارث الصحراوي الفاقد للبديل و الذي شرعن ثقافة الغنيمة و فكرة “ان لم تتغدى به تعشى بك”… و التي تعكس بشكل مباشر حالة الرعب المصاحبة للاختيار بين “اما ان تكون كبشاً او ان تكون ذئباً”….

لا بئس ان ترى في الثقافة الغربية تم خلق إمكانيه العيش مع الذئب طالما يضمن لك الحياة … و هذه تفسر قدرة العقلانية السياسية في الغرب التعايش مع الدكتاتوريات و الطغاة… بناء على مفاهيم فكرية و سياسية براجماتية و طوباوية في آن واحد مثل مصطلح “المصلحة العليا” التي يتم على أساسها منح الحياة او قطعها عن هذا او ذاك…

الان… لو ظهر الرئيس ترامب او احد اعوانه او المتكلمين بأسم منهجه فجأة و قرأ علينا هذه الآية الكريمة مبرراً حروبه الممتدة من فنزويلا الى حدوده بلده مع المكسيك و الى أفغانستان و اليمن و العراق و سوريا وووووو و من ثم قد يعلنها ايضا على ايران… ربما سيعلن البعض الأفراح و الليال الملاح كون رئيس اكبر دولة في العالم قد اهتدى اخيرا الى القرآن… !!.. وقد لا نستغرب ايضا اذا انبرى بعض المفكرين و ادعى ان ان النيو داروينية Neo-Darwinism و النيو المالتيينيزم Neo-Malthusian الذين يدعوان الى القضاء على “الشعوب المتخلفة” من اجل ضمان رفاهية “الشعوب المتحضرة” هي من تراث الاسلام المقدس…!!..

في المقالة القادمة سنبحث ان كان يمكن لآلهة الارض ان تعيش مع نظام يتسلق جدار “الكون”… امريكا و ايران و بينهما العرب:..ماذا هناك ..؟؟.. حبي للجميع

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close