شبهة الوهابية ضد الشيعة الحسين وسيط مع الله،

نعيم الهاشمي الخفاجي
ايضا اثار أحد المتطرفي شبهة قديمة جديدة وهي
أيها الشيعي

كيف تجعل بينك وبين الله واسطة
تدعوا بي يا حسين ليدعوا لك ربك

هل الله رب الحسين أم رب الجميع

وللتذكير لم أقف على دليل على فعلكم

من يشفع.. ولمن ؟

الشفاعة في اللغة
الشفاعة من « شفع يشفع، طلب التجاوز عن سيئة كأنه ضم نفسه إليه معيناً له، فهو شافع وهم شافعون، وهو شفيع وهم شفعاء. والمشفَّع: المقبول الشفاعة »(1).
وعُرِّفت أيضاً بأنها « السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي وقعت الجناية في حقه.
قيل: ولا تُستعمل إلا بضم الناجي إلى نفسه مَن هو خائف من سطوة الغير »(2).
الشفاعة في القرآن
وردت هذه المادة في كتاب الله بصيغ متعددة. منها:
قال تعالى: مَن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه البقرة:255.
وقال تعالى: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الأنبياء:28.
وقال تعالى: لا يملكون الشفاعة إلا مَن اتخذ عند الرحمان عهداً مريم:87.
وقال تعالى: فَهَلْ لنا من شفعاءَ فيشفعوا لنا الأعراف:53.
وقال تعالى: يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا مَن أذن له الرحمان ورضيَ له قولاً طه:45.
وقال تعالى: قل لله الشفاعةُ جميعاً الزمر:45.
ومن التأمل في هذه الآيات، وهي بعض ما وردت فيه هذه المادة في كتاب الله، وبعد إرجاع بعض الآيات إلى بعضها الآخر، يتضح أن الشفاعة، وإن نصّت بعض هذه الآيات ـ كالآية الأخيرة ـ على نفيها عن غير الله سبحانه وإثباتها لله وحده، إلا أن الآيات النافية لمقام الشفاعة عن غير الله إنما تنفيها عن غيره تعالى بمعنى الاستقلال في المُلْك والتصرّف، وحينئذٍ لا تتنافى معها الآيات المُثِبتة للشفاعة لغير الله سبحانه، لأنها إنما تثبتها لهذا الغير بإذنه تعالى وتمليكه، ومن المعلوم أن كل ما بالغير، لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات، فالله هو المبدأ، وإليه المنتهى.
ومن هنا يتضح أيضاً، أن مبدأ الشفاعة منسجم مع المبدأ العام للأسباب والمسببات، وليس فيه أي تعطيل لأي جانب من جوانب الحاكمية والتكليف، ولا المحكومية والانقياد.
ممن تصحّ الشفاعة ؟
لا ريب في أن تأثير الشفيع عند المشفّع لديه، لا يمكن أن يكون اعتباطياً من دون مقاييس، وإنما لابد من أن يتوافر ذلك الشفيع على صفات في نفسه، تكون موجبة لقربه إلى المولى، وعلو منزلته لديه، وكرامته عنده، واصطفائه من قِبَله. وهذه مرتبة لا ينالها إلا نبي مرسل، أو مَلَك مقرَّب، أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان الخالص، أو شهيد في سبيل الله. وقد يُستفاد ذلك من بعض آيات كتاب الله(3).
شفاعة نبينا محمد صلّى الله عليه وآله
أجمع المسلمون على أن الشفاعة ثابتة لخاتم الأنبياء صلّى الله عليه وآله، ومقبولة منه عند الله سبحانه يوم القيامة، بشأن العصاة والمذنبين.
وقد استُدل على شفاعته بقوله تعالى:
ومن الليل فتهجَّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربُّكَ مقاماً محموداً الإسراء:79.
فقد أجمع المفسرون(4) على أن المراد بالمقام المحمود، مقام الشفاعة.
كما وردت عدة روايات دالة على شفاعته المقبولة يوم القيامة(5).
شفاعة الأئمّة المعصومين من أهل البيت عليهم السّلام
عند الشيعة الإمامية خاصة(6)، وعند كل مسلم منصف عامة، يأتي في طليعة الشفعاء بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم القيامة أئمّةُ المؤمنين من أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله، الذين أذهب اللهُ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
ومن هنا نفهم معنى الروايات(7) التي نصَّت على أن عليّ بن أبي طالب هو صاحب الحوض واللواء والصراط والإذن يوم القيامة!!
شفاعة فاطمة عليها السّلام
كما أنه عند الشيعة الإمامية خاصة، وعند كل مسلم منصف عامة، فإن في طليعة الشفعاء بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم القيامة، تأتي فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة، كما نصّت على ذلك السنة المطهّرة(8).
لمن تجري الشفاعة ؟
مَن تجري في حقه الشفاعة ؟
هل تجري في حق العصاة والمذنبين من أهل الكبائر في الدنيا ؟ فتُسِقط الشفاعةُ العقوبة تجاوزاً منه سبحانه.
أو أنها تنال المؤمنين من أهل الطاعات والقُرُبات، فتكون سبباً لزيادة الحسنات لهم، ونماءً في ثوابهم ورفع درجاتهم ؟
وبتعبير آخر: هل إنّ الشفاعة تفيد في زيادة الثواب، أو في درء العقاب ؟
هذا هو محل الأختلاف الحاصل بين العلماء في الشفاعة.
حيث ذهب المعتزلة، إلا أبا هاشم منهم(9)، إلى أن الشفاعة لا تكون إلا لمن يستحق الثواب من المؤمنين، ويكون متعلق الشفاعة طلب زيادة الثواب له وعلو الدرجات.
وأما أصحاب الكبائر الذين يموتون بلا توبة، فلا شفاعة لهم، انسجاماً مع مذهبهم في خلود مرتكبها في النار.
وقد اختار هذا الرأيَ جمهورُ الزيدية(10).
في حين ذهب الإمامية الإثنا عشرية(11)، وجمهور الأشاعرة(12)، وأبو هاشم من المعتزلة(13)، إلى القول الأول، وهو أن الشفاعة إنما شُرِّعت لتنال العصاة من أهل الكبائر.
اختيار واستدلال ونقاش
ونحن نختار القول بأن الشفاعة إنما تجري بحق العصاة أصحاب الكبائر من المسْلمين، وذلك لأمور:

أولاً: قوله تعالى فما تَنفعُهم شفاعةُ الشافعين المدّثر:48، فقد وردت هذه الآية، في معرض التهديد للكفار، الذين دلت عليهم الآية التي قبلها وكنا نكذّب بيوم الدين حكايةً عن أنفسهم، فالذي أخبرت عنهم الآية، وهو عدم الانتفاع بالشفاعة، إنما هم هؤلاء الكفّار، والفاسق الذي ندّعي شمول دليل الشفاعة له، لم يخرج بفسقه عن الإسلام، فلو كان حاله ـ كما يقول المعتزلة ومَن تابعهم ـ كذلك، لم يبق فرق في هذا التهديد بينه وبين الكافر، وكان تخصيص الكافر به من العبثية بمكان.. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

ثانياً: لو كانت الشفاعة ـ كما ذهب المعتزلة وأتباعهم ـ في خصوص زيادة الحسنات وعلو الدرجات فقط لأهل الطاعات دون أهل الكبائر، لَصحّ أن نكون شافعين في النبيّ صلّى الله عليه وآله حيث نطلب من الله له الدرجات الرفيعة، والفضيلة والوسيلة، وهذا باطل قطعاً، لأنه يُشترَط في الشافع علوُّ رتبة ومقامٌ وقرب عند الله من المشفوع فيه. وإذا كان التالي باطلاً، فالمقدَّم مثله.

ثالثاً: الرواية(14) التي وردت عن النبيّ صلّى الله عليه وآله من عدة طرق، وهي قوله صلوات الله وسلامه عليه من جملة ما ورد فيها: « الشفاعة لأهل الكبائر من أُمتي، فأما المحسنون فما عليهم من سبيل ».
فإن هذه الرواية نصّت على أنّ الشفاعة إنما تَنال أهلَ الكبائر من المسلمين، وأكثر من هذا أنها نصّتْ أن أصحاب الطاعات والحسنات لا يحتاجون إلى شفاعة، فالشفاعة لدرء العقاب لا لجلب الثواب.

رابعاً: إن الآيات التي استدل بها المعتزلة ومَن تابعهم على ما ادّعوه من أن الشفاعة لا تنال أصحاب الكبيرة ومنها: قوله تعالى واتقوا يوماً لا تَجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً ولا يُقبَل منها شفاعة البقرة:48.
وقوله تعالى وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع غافر:18.
وقوله تعالى مِن قَبل أن يأتيَ يومُ لا بيعٌ فيه ولا خُلّةٌ ولا شفاعة البقرة:254.
وقوله تعالى أفأنت تُنقذ مَن في النار الزمر:19.
وقوله تعالى وما للظالمين من أنصار البقرة:270.
وقوله تعالى وإنّ الفُجّار لَفي جحيم * يَصْلَونها يومَ الدين الانفطار:14 ـ 15.
إنّ هذه الآيات كلّها لا تدل على المطلوب.
أما الآيات الثلاث الأُولَيات، فهي نافية لمبدأ الشفاعة بقول مطلق، ولكن يوجد في قبالها آيات كثيرة تقرر مبدأ الشفاعة مع قيدِ ارتضاء الله لصاحبها، أو أذنهِ بها لمن اتخذ عند الرحمان عهداً، وحينئذٍ يمكن أن نحمل تلك الآيات النافية مطلقاً على الآيات المثبتة مع هذه القيود، من باب حمل المطلق على المقيَّد، فلا تعود الآيات تلك صالحة للاستدلال على مدعاهم.
وأما الآيتان الرابعة والسادسة، فخارجتان عن محل الكلام، لأنهما واردتان في الكفار(15)، كما يدل عليه سياق الآيات السابقة واللاحقة، ونحن طبعاً لا ندّعي أن الشفاعة تنال الكافرين.
وأما الآية الخامسة، بملاحظة سياقها، فهي واردة في مَن يمنعون الفقراء والمساكين حقوقَهم التي جعلها الله لهم في أموالهم، فالمقصود بالظلم، ظلمهم لهؤلاء المساكين بهذا المنع، ومعنى ذلك، أن مورد الآية آكل حقوق الناس، وهذا النوع من الظلم لا يكون موضوعاً للشفاعة التي ينحصر موضوعها في حقوق الله تعالى، كما لا يكون موضوعاً للتوبة.
1 ـ معجم الفاظ القرآن الكريم / مجمع اللغة العربية ـ القاهرة ـ المجلد الثاني مادة: ش. فَ. عَ.
2 ـ راجع محيط المحيط للبستاني مادة / ش. فَ. عَ.
3 ـ بالنسبة لشفاعة الأنبياء راجع الآية:29 من سورة الأنبياء ـ وبالنسبة لشفاعة الملائكة فراجع الآية:26 من سورة النجم ـ وبالنسبة لشفاعة المؤمنين للشهداء فراجع الآية نفسها من سورة الحديد.
4 ـ راجع التفسير الكبير للرازي 31:21، ومجمع البيان للطبرسي المجلد الثالث ص 435، وتفسير الميزان للعلامة الطباطبائي 176:13.
5 ـ راجع فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر 302:8 ـ 303، وتفسير الميزان للطباطبائي 179:13.
6 ـ راجع كتاب الخصال للشيخ الصدوق / حديث الأربعمائة ص 610 وما بعدها.
7 ـ راجع مستدرك الحاكم 138:3، وكنز العمال 402:6 ـ 403.
8 ـ راجع فتح الباري شرح صحيح البخاري ـ باب مناقب فاطمة ـ ومستدرك الحاكم 151:3 .
9 ـ راجع شرح الأصول الخمسة للقاضي عبدالجبار ص 688.
10 ـ راجع البحر الزخّار لابن المرتضى 80:1.
11 ـ راجع شرح التجريد للعلامة الحلي ص 330.
12 ـ راجع المواقف للإيجي 312:8 وما بعدها.
13 ـ شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص 689.
14 ـ راجع أمالي الصدوق، والمواقف للإيجي 312:8، وصحيح البخاري كتاب الرّقاق.
15 ـ راجع ما أردت من كتب التفسير في موارد الآيات المذكورة، للتأكد مما أوردناه

؟؟
ههههه للاسف هذا لايميز مابين الواسطة ومابين الشفيع وقد أجمعت أمة الإسلام على وجود الشفاعة، لكن هذا وأمثاله يستخدمون مقدمات مجهولة الغاية منها صناعة الجدل للتغطية وحجب الحقيقة.

أثر الشفاعة

(هل هو إسقاط العقاب أو زيادة الثواب؟)

هل إنّ نتيجة الشفاعة هو حطّ ذنوب المذنبين وإسقاط العقاب والمضار عنهم والعفو عن العصاة، أم هي زيادة الثواب ورفع الدرجات للمطيعين؟

لقد ذهب جمهور المسلمين إلى الأوّل، والمعتزلة إلى الثاني.

إنّ فكرة الشفاعة كانت عند اليهود والوثنيين قبل الإسلام، إلاّ أنّ الإسلام طرحها مهذّبةً من ما علق بها من الخرافات.

وغير خفي على من وقف على آراء اليهود والوثنيين في أمر الشفاعة، أنّ الشفاعة الدارجة بينهم ـ خصوصاً اليهود ـ كانت مبنيّة على

الصفحة 45
رجائهم لشفاعة أنبيائهم وآبائهم في حطّ ذنوبهم وغفران آثامهم، ولأجل هذا الاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي، ويرتكبون الذنوب تعويلا على ذلك الرجاء.
وفي هذا الموقف يقول سبحانه ردّاً على تلك العقيدة الباعثة على الجرأة: {من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه} (البقرة/255). ويقول أيضاً رفضاً لتلك الشفاعة المحرّرة من كل قيد: {ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى} (الأنبياء/28). وحاصل الآيتين أنّ أصل الشفاعة التي يدّعيها اليهود ويلوذ بها الوثنيّون حقّ ثابتٌ في الشريعة السماوية، غير أنّ لها شروطاً أهمّها إذنه سبحانه للشافع ورضاؤُه للمشفوع له.

ولعلّ أوضح دليل على عمومية الشفاعة في الإسلام ما اتّفق على نقله المحدِّثون من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ” إدّخرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي “(1).

فكان دافع المعتزلة بتخصيص آيات الشفاعة بأهل الطاعة دون العصاة هو الموقف الذي اتخذوه في حقّ العصاة ومقترفي الذنوب في أبحاثهم الكلامية. فإنّهم قالوا بخلود أهل العصيان في النار.

ومن الواضح أنّ من يتخذ مثل هذا الموقف لا يصح له أن يعمّم آيات الشفاعة إلى العصاة، وذلك لأنّ التخليد في النار لا يجتمع مع التخلص عنها بالشفاعة.

قال الشيخ المفيد: اتّفقت الإمامية على أنّ الوعيد بالخلود في

____________

1- سنن ابن ماجة: 2/1441 وغيرها، والحديث ممّا اتّفق على نقله المحدثون.

الصفحة 46
النار موجهة إلى الكفّار خاصّة، دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى، والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة. وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعموا أنّ الوعيد بالخلود في النار عام في الكفّار وجميع فسّاق أهل الصلاة.
واتّفقت الإمامية على أنّ من عُذِّب بذنبه من أهل الإقرار والمعرفة والصلاة لم يخلد في العذاب وأُخرج من النار إلى الجنة، فينعم فيها على الدوام ووافقهم على ذلك من عددناهم، وأجمعت المعتزلةُ على خلاف ذلك وزعموا أنّه لا يخرج من النار أحدٌ دخلها للعذاب(1).

نعم، نسب العلامة الحلي في “كشف المراد” تلك العقيدة إلى بعض المعتزلة لا إلى جميعهم(2)، وكذلك نظامُ الدين القوشجي في “شرحه على التجريد”(3).

وقد خالفهم أئمة المسلمين وعلماؤهم في هذا الموقف وقالوا بجواز العفو عن العصاة عقلا وسمعاً.

أمّا العقل فلأنّ العقاب حق لله تعالى فيجوز تركه.

وأما السمع، فللآيات الدالة على العفو في ما دون الشرك، قال سبحانه: {إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء/48).

____________

1- المفيد: أوائل المقالات: 14.

2- العلاّمة الحلّي: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 261، طـ. صيدا.

3- نظام الدين القوشجي: شرح التجريد: 501.

الصفحة 47
والآية واردة في حق غير التائب، لأنّ الشرك مغفور بالتوبة أيضاً، وقال سبحانه: {وإنّ ربّك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} (الرعد/6) أي تشملهم المغفرة مع كونهم ظالمين.
وقال سبحانه: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً} (الزمر/53)، إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة على العفو في حق العصاة. ومع ذلك لا مانع من شمول أدلّة الشفاعة لهم.

وأوضح دليل على العفو بدون التوبة قوله سبحانه: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات} (الشورى/25) فإنّ عطف قوله: {ويعفوا عن السيئات} على قوله: {يقبل التوبة} بـ “واو العطف”، يدل على التغاير بين الجملتين، وإنّ هذا العفو لا يرتبط بالتوبة وإلاّ كان اللازم عطفُه بالفاء.

وقال سبحانه: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} (الشورى/30). فإنّ الآية واردةٌ في غير حق التائب، وإلاّ فإنّ الله سبحانه يغفر ذنوب التائب جميعها لا كثيرها مع أنّه سبحانه يقول: {ويعفوا عن كثير}.

فتلخّص من ذلك أنّه لا مانع من القول بجواز العفو في حق العصاة كما لا مانع من شمول آيات الشفاعة لهم.

نعم، يجب إلفات النظر إلى نكتة وهي أنّ بعض الذنوب الكبيرة ربما تقطع العلائق الإيمانية بالله سبحانه، كما تقطع الأواصر الروحية مع

الصفحة 48
النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فصاحب هذه المعصية لا تشمله الشفاعة، فيجب عليه دخول النار حتى يتطهّر بالعذاب وتصفو روحه من آثار العصيان، ويليق لشفاعة الشافعين.
الصفحة 49
«6»
طلب الشفاعة من المأذونين بالشفاعة

قد تجلّتِ الحقيقة بأجلى مظاهرها وتبيّن أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ولفيفاً من الأولياء والصالحين يشفعون عند الله في ظروف خاصة وأنّهم مأذونون من جانبه سبحانه يوم القيامة.

كما أن تبيّن أنّ المفهوم الواضح لدى العامّة من الشفاعة، هو دعاء الرسول وطلبه من الله غفرانَ ذنوب عباده، إذا كانوا أهلا لها. إذن يرجع طلب الشفاعة من الشفيع إلى طلب الدعاء منه لتلك الغاية، وهل ترى في طلب الدعاء من الأخ المؤمن إشكالا؟! فضلا عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي يُستجاب دعاؤه ولا يُردّ بنص الذكر الحكيم(1).

____________

1- النساء/64 ; والمنافقون/5.

الصفحة 50
فعندما كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيّاً في دار هجرته، كان طلبُ أصحابِه الدعاءَ منه، راجعاً إلى طلب الشفاعة منه والاختلاف في الإسم لا في الواقع والحقيقة.
وبعد انتقاله من الدنيا إلى عالم البرزخ، يرجع طلب الشفاعة منه أيضاً إلى طلب الدعاء منه لا غير.

فلو أنّ أعرابياً جاء إلى مسجده فطلب منه أن يستغفر له، فقد طلب منه الشفاعة عند الله. ولو جاء ذاك الرجل بعد رحيله، وقال له: يا أيها النبي، استغفر لي عند الله. أو قال: إشفع لي عند الله فالجميع بمعنى واحد لبّاً وحقيقةً، وإنّما يختلفان صورةً وظاهراً. فالإذعان بصحة أحدِهما، والشك في صحة الآخر كالتفكيك بين المتلازمين.

نعم، هناك سؤالٌ يطرح نفسَه وهو أنّه إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيّاً يُرزَق في هذه الدنيا ويسمع كلام السائل، فلا فرق بين طلب الدعاء وطلب الشفاعة.

وأمّا بعد رحيله وانتقاله إلى رحمة الله الواسعة، فلا يسمع كلامَ السائل، بأيّ صفة خاطبَه وكلَّمه سواء أقال: استغفر لي، أم قال: إشفع لي.

والإجابة واضحة، لأنّ الكلام مركَّزٌ في تبيين معنى طلب الشفاعة منه حيّاً وميّتاً وأنّ حقيقته أمرٌ واحدٌ بجميع صوره، وأمّا أنّه يسمع أو لا يسمع، أو أنّ الدعوة تنفع أو لا تنفع، فهو أمرٌ نرجع إليه بعد الفراغ من صميم البحث. ولإيضاح الأمر نورد بعض النصوص من المفسّرين في

الصفحة 51
تفسير الشفاعة:
قال الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: {الذين يحملون العرش ومَن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويؤمنون به ويستغفرون للّذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للّذين تابوا واتّبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} (غافر/7) إنّ الآية تدل على حصول الشفاعة للمذنبين، والاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تُذْكر إلاّ في إسقاط العقاب، أمّا طلب النفع الزائد فإنّه لا يسمّى استغفاراً. وقوله تعالى: {ويستغفرون للّذين آمنوا} يدل على أنّهم يستغفرون لكل أهل الإيمان، فإذا دللنا على أنّ صاحب الكبيرة مؤمن، وجب دخوله تحت هذه الشفاعة(1).

نرى أنّ الإمام الرازي جعل قول الملائكة في حق المؤمنين والتائبين، من أقسام الشفاعة، وفسّر قوله: {فاغفر للّذين تابوا} بالشفاعة. وهذا دليل واضح على أنّ الدعاء في حق المؤمن، شفاعة في حقّه، وطلبه منه طلبُ الشفاعة.

ونقل نظام الدين النيسابوري، في تفسير قوله تعالى: {مَن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} (النساء/85) عن مقاتل: ” إنّ الشفاعة إلى الله إنّما هي دعوة الله لمسلم، لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ” من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب أُستجيب له، وقال الملك ولك مثل ذلك “(2).

والذي يوضح أنّ شفاعة النبي عبارة عن دعائه في حقّ المشفوع

____________

1- مفاتيح الغيب: 7/285 ـ 286، طـ. مصر، الجزء 27/34 طـ. دار إحياء التراث الإسلامي، بيروت.

2- نظام الدين النيسابوري: غرائب القرآن بهامش تفسير الطبري: 5/118.

الصفحة 52
له، ما رواه مسلم في “صحيحه” عن النبي الأكرم أنّه قال: ” ما من ميّت يُصلّي عليه أُمة من المسلمين يبلغون مائة كلّهم يشفعون له إلاّ شُفِّعوا فيه “(1).
وفسّر الشارح قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ” يشفعون له ” بقوله: أي يدعون له، كما فسّر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ” إلاّ شُفِّعوا فيه ” بقوله: أي قبلت شفاعتهم.

وروي أيضاً عن عبد الله بن عباس أنّه قال: سمعت رسول الله يقول: ” ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئاً إلاّ شفّعهم الله فيه “(2) أي قبلت شفاعتهم في حق ذلك الميت فيغفر له.

فإذا كان مرجع الاستشفاع من الصالحين إلى طلب الدعاء، فكل من يطلب من النبي الشفاعة لا يقصد منه إلاّ المعنى الشائع(3).

إلى هنا تبيّن أنّ طلب الشفاعة يرجع إلى طلب الدعاء، وهو أمر مطلوب في الشرع من غير فرق بين طلبه من الشفيع في حال حياته أو مماته، فهو لا يخرج عن حد طلب الدعاء، وأمّا كونه ناجعاً أو لا؟ فهو أمر آخر نرجع إليه كما مرّ.

والذي يحقّق هذا الأمر هو صدور مثله من السلف الصالح في الأعصار المتقدمة وإليك نزراً منه:

____________

1- صحيح مسلم: 4/53، طـ. مصر، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده.

2- المصدر نفسه.

3- لو كان للشفاعة معنى آخر من التصرف التكويني في قلوب المذنبين، وتصفيتهم في البرزخ، ومواقف القيامة فهو أمر عقلي لا يتوجّه إليه إلاّ الأوحدي من الناس.

الصفحة 53
السلف وطلب الشفاعة من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 ـ الأحاديث الإسلامية وسيرة المسلمين تكشفان عن جواز هذا الطلب، ووجوده في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد روى الترمذي في “صحيحه” عن أنس قوله: سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: ” أنا فاعل “، قال: قلت: يا رسول الله فإنّي أطلبك، فقال: ” اطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط “(1).

السائل يطلب من النبي الأعظم، الشفاعة دون أن يخطر بباله أنّ هذا الطلب يصطدم مع أُصول العقيدة.

2 ـ هذا سواد بن قارب، أحد أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول مخاطباً إيّاه:

فكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب(2)

3 ـ روى أصحاب السير والتاريخ، أنّ رجلا من قبيلة حمير عرف أنّه سيولد في أرض مكة نبي الإسلام الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولما خاف أن لا يدركه، كتب رسالة وسلّمها لأحد أقاربه حتى يسلّمها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حينما يبعث، وممّا جاء في تلك الرسالة قوله: ” وإن لم أدرك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني “(3) ولمّا وصلت الرسالة إلى يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

____________

1- صحيح الترمذي: 4/621، كتاب صفة القيامة، الباب 9.

2- الإصابة: 2/95، الترجمة 3576، وقد ذكر طرق روايته البالغة إلى ست، وراجع أيضاً الروض الأنف: 1/139 ; بلوغ الإرب: 3/299 ; عيون الأثر: 1/72.

3- المناقب: ابن شهر آشوب: 1/12 ; السيرة الحلبية: 2/88.

الصفحة 54
” مرحباً بتُبَّع الأخ الصالح ” فإنّ وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لطالب الشفاعة بالأخ الصالح، أوضح دليل على أنّه أمر لا يتعارض وأُصول العقيدة.
4 ـ وروى المفيد عن ابن عباس أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا غسّل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكفّنه كشف عن وجهه وقال: ” بأبي أنت وأُمّي طبتَ حيّاً وطبت ميتاً… اذكرنا عند ربك “(1) وروى الشريف الرضي في “نهج البلاغة”: أنّ عليّاً (عليه السلام) قال عندما ولي غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ” بأبي أنت وأُمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك “(2).

5 ـ روي أنّه لمّا توفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أقبل أبوبكر فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله وقال: ” بأبي أنت وأُمّي طبت حياً وميتاً اذكرنا يا محمد عند ربّك ولنكن من بالك “(3).

وهذا استشفاع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دار الدنيا بعد موته.

6 ـ وختاماً نذكر ما ذكره الدكتور عبد الملك السعدي في كتابه “البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق”: أمّا طلب الشفاعة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بصورة عامّة وبدون قيد بعد أذان أو غيره فقد ورد في السنّة، حيث قد طلبها منه بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ دون نكير من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). والأحاديث الواردة بهذا الخصوص وبمواضع ومناسبات عديدة كثيرة جداً نذكر منها:

عن مصعب الأسلمي قال: انطلق غلام منّا فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:

____________

1- مجالس المفيد، المجلس الثاني عشر: 103.

2- الرضي: نهج البلاغة: الخطبة 235.

3- السيرة النبوية للحلبي: 3/474، طـ. بيروت، دار المعرفة.

الصفحة 55
إنّي سائلك سؤالا قال: ” وما هو؟ ” قال: أسألك أن تجعلني ممَّن تشفع له يوم القيامة، قال: ” من أمرك هذا؟ ” أو ” من علّمك هذا؟ ” أو ” من دلّك على هذا؟ ” قال: ما أمرني به أحد إلاّ نفسي، قال: ” فإنّك ممّن أشفع له يوم القيامة “. أورده الهيتمي في (مجمع الزوائد) وقال: رواه الطبراني.
وقد أورد الهيتمي بهذا الموضوع كثيراً من الأحاديث(1). هذا في حياته (صلى الله عليه وآله وسلم).

أمّا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى فهل يصح طلب الشفاعة منه لا سيما أمامَ قبره الشريف وعند السلام عليه؟ بما أنّه ثبت بما لا يقبل الشك أنّ الأموات يسمعون ويتكلّمون ويدعون في عالم البرزخ وبخاصة هو (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما يُسلَّم عليه تردّ إليه روحه الشريفة، فلا موجب للتفرقة في طلب الشفاعة بين حياته قبل انتقاله وبين حياته، الحياة البرزخية بعد انتقاله. ومن ادّعى المنع فعليه بالدليل والله الموفق(2).

كل هذه النصوص تدل على أنّ طلب الشفاعة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أمراً جائزاً وشائعاً، وذلك لأنّهم يرونه مثل طلب الدعاء منه، ولا فرق بينها وبينه إلاّ في اللفظ، وقد عرفت صحّة إطلاق لفظ الشفاعة على الدعاء، والاستشفاع على طلب الدعاء، وممّا يدلّ على ذلك أنّ البخاري عقد بابين بهذين العنوانين، وهما:
1 ـ إذا استشفعوا ليستسقى لهم لم يردهم.

____________

1- مجمع الزوائد: 10/369 ; صحيح مسلم: 1/289.

2- الدكتور عبد الملك السعدي: البدعة في مفهومها الإسلامي: 105 ـ 106.

الصفحة 56
2 ـ وإذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط(1).
فنرى أنّ البخاري يطلق لفظ الاستشفاع على الدعاء وطلبه من الإمام في العام المجدب، من دون أن يخطر بباله أنّ هذا التعبير غير صحيح.

وعلى العموم أنّ طلب الشفاعة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) داخل فيما ورد من الآيات التالية: {ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءُوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً} (النساء/64)، {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم} (يوسف/97 ـ 98).

وقوله سبحانه: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدّون وهم مستكبرون} (المنافقون/5) فكلّ ما يدل على جواز طلب الدعاء من المؤمن الصالح يمكن الإستدلال به على صحة ذلك.

____________

1- البخاري: الصحيح: الجزء 2، كتاب الإستسقاء، الباب 11 ـ 12.

في الختام الامام الحسين ع وحسب حديث رسول الله محمد ص سيد شباب اهل الجنة، ونزلت بحقه وبحق والده علي بن ابي طالب وشقيقه الامام الحسن ووالدته فاطمة الزهراء وحدهم رسول الله محمد ص العديد من الآيات القرآنية منها آية التطهير ومنها آية المباهلة فيلا شك أن محمد ص وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام شفعاء الامة، والحمد لله الذي جعل أعداء شيعة آل البيت ع من الحمقى والجهلاء أصحاب الجهل المركب الذي بات يتبنى الباطل ويعتبره حق، الحمد لله الذي جعل الوهابية يبغضون شفائهم في يوم القيامة، نحن محظوظين اننا والينا محمد وال بيته الاطهار ودفعنا ثمنا غاليا بسبب ذلك من القتل والذبح والافتراء علينا وتشويه سمعتنا لكننا نحن الفائزون في يوم الحساب.

نعيم عاتي الهاشمي الخفاجي
كاتب وصحفي عراقي مستقل.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close