ام عبد “دا” الفيلي اسطورة عطاء ونجاح

بعد نشري لرثاء الوالدة المرحومة ام عبد “دا” الفيلي في الاسبوع الماضي تلقيت العشرات من التعليقات من اصدقاء وأخرين، يسألونني فيها ان افصح اكثر عن سر نجاح ومحبة كل من تعامل مع هذه العجوز الولية التي رحلت عنا قبل أسابيع معدودة.

سأحاول هنا في بضعة اسطر ان اصف لحظات قليلة من سيرة حياتها العطرة لأقرّب للجميع تخيل مدى عمق الخسارة بفقدان هذه المرأة الأم الاسطورة، الحاجة ام عبد “دا” الفيلي، وكيف انها لم ولن تزول عن مخيلة من تعاملوا معها.

سيدة بسيطة كبيرة بالسن عمرّت خمسة وثمانين عاماً، ام لاثني عشر فرداً، هاجرت مرغمةً سنة ١٩٨١ من العراق الى بريطانيا مع زوجها الحاج عبد الرحيم الفيلي. زوجها الرجل الكبير مريض بالقلب والسكر والضغط، واقعهم المعيشي غير مستقر، دخلهم توقف، فهم ليسوا بلاجئين ولا مُهجّرين ووضعهم القانوني غير واضح، ارحامهم وابناء عشيرتهم وعزوتهم مشردون بين مهاجر ومُهجّر وسجين ومعدوم.

تعيش في غربة “بريطانيا”، غريبة ولا تعرف الكثير عن هذه الثقافة الغربية الجديدة عليها.

لا تعرف الكتابة والقراءة وكل الاخرين حولها يعرفون، اذن كيف ستقودهم وتحدد معالم مشروع الاستقرار ومن ثم البناء لهم وهم في بلد الهجرة القسرية؟

من هم؟ انهم ابناؤها واحفادها، وابناء جلدتها من العراقيين من ابناء الجالية في مانشستر والمناطق التي حولها، كيف يا ترى ستعطيهم جرعات البناء والتطور وسط هذا الغموض في المستقبل؟

المهمة صعبة، وقد يراها الاخر مستحيلة، اما مع ام عبد الفيلي، فالمهمة ممكنة، بل ضرورية، بل قريبة المنال اذا بحثنا عن اسباب النجاح، مثل الهمة والمتابعة والمراجعة والتوكل على الغيب بعد ايجاد مستلزماتها.

مطلوب منها ان تقود حراك مجتمعها الكبير، اذ ترى نفسها مسؤولة عن الكل، الغريب قبل القريب.

ومطلوب منها ان تنقل مركب حياة الاولاد والاحفاد وابناء جلدتها من العراقيين الى بر الامان والاستقرار، بلدهم الام العراق يمر بمحن متتالية، حروب، حصار، دمار، احتلال، يظهر ان المهمة ستطول.

ارحامها ليسوا معها ليساندوها، ليسوا بقريبين منها، فهم في بلدان بعيدة، ايران وسوريا والمغرب والكثير من بقع الارض البعيدة.

تتذكر كيف انها كانت تريد ان تجمع شمل اولادها واحفادها، مشروع استمر لأكثر من عقد من الزمن، اذ تأتي لبريطانيا واولادها كل في بلد وتستمر رحلة لم الشمل والرجوع معها لعقد من الزمن، وأخيرا يستقرون جميعاً في محلة واحدة في جنوب مدينة مانشستر.

رعايتها تجعلها تتحرك وتقول لابنها الاول تحرك واعمل، وللثاني توقف وراجع اداءك، وللثالث لا تسكت عن الباطل، وللرابع تابع مشروعك بنفسك اذ الاحداث تتغير واستفد من الفرص، وللخامس لماذا لا تحصل على شهادة جامعية ولديك فرصة لإكمال التعليم، وللسادس تزوج وكوّن نفسك قبل ان يفوتك قطار الحياة، وللسابع ابدأ حياتك بالمال الحلال والرزق الحلال والبال الصافي الهادي.

وهنا يأتي السؤال الجوهري، ماذا تعني عملياً العصامية يا ترى لام عبد؟ ماذا يحتاج مشروع جمع الشمل يا ترى، لماذا تريد ان تتحمل المسؤولية لبناء مجتمع جديد في بلد غريب وهي لا تملك مالاً او دعماً او بنى تحتية للاستقرار.

الشيخوخة والعجز البدني تأخذ حيزها منها، اثنتا عشرة عملية جراحية خلال اربعين عاماً من سنوات هجرتها، معدل عملية كبرى واحدة كل ثلاث سنوات، وذاك يعني مستشفى، وجراحة، وجسما يضعف مع الزمن.

عليها ان تظهر قوية وان كانت خرجت تواً من عملية جراحية كبرى، عليها ان تمشي بسرعة وان كانت ابدلت ركبتيها بركبتين اصطناعيتين. تقول مع نفسها: اولادي ومن حولي يحتاجون لقوتي ولجهدي ولطاقتي الايجابية، سوف لن اخذلهم، لا اصرخ بآخ او اه، بل بعض الهمة مع التوكل على الرحمن كافٍ كزاد للمسيرة القادمة.

وهنا تفكر وتعترف ان الواقع يفرض سؤالاً اخر، ماذا يا ترى يحتاجون ليتطوروا في حياتهم ويسكنوا في حياة كريمة عفيفة؟ تجيب على نفسها وتقول لا املك المال لأعطيهم، ولا العلم لأعلمهم، نعم استطيع ان أُكَّون لهم فضاءات روحية ومعنوية حميمة هادفة.

أستمرت عاماً بعد عام وعقداً بعد عقد في مسيرتها ورعايتها لهم، وهكذا اصبحت الحاجة ام عبد مرجعاً روحياً لأبناء جلدتها واولاد المهجر من الشباب والعوائل اليافعة الشابة في مدينة مانشستر ومن حولها.

ثم تسأل نفسها سؤالاً ثانياً: هل المرجعية الروحية كافية يا ترى؟ تكتشف انها لا تكفي بل مطلوب منها ايضاً ان تعطي الحلول لمشكلات الحياة، القديمة والجديدة، والتي ليست من صنعها.

جالية عراقية تزداد عدداً بسرعة كبيرة وتزداد مشكلاتها، تحتاج الى رعاية ومتابعة وحث وتربية وارشاد وجرعات حنين وعطاء مستمر.

في الوقت نفسه ترى المراقب للمشهد يسأل من عينّها يا ترى لتقوم بهذه الدور وتتحمل المسؤولية؟ من طلب منها ذلك؟ ابناؤها ممكن، وهذا امر طبيعي، فما علاقة الاخرين بها، فهم من قوميات مختلفة، من جنس اخر، من طبقات اجتماعية مختلفة.

لكنه نسي انهم كلهم سواسية بالنسبة لها، وكلهم ابناؤها، هي امهم بالاستعاضة، بالفطرة، ملكة الأمومة لا تأتي من فراغ.

ام، يعني انها تتابع اخبار الارحام والجالية، تحاول ان تفهم حالهم من خلال اسئلة جوهرية ملازمة دوماً لها، كيف حالهم؟ ماذا استطيع عمله لهم؟ اين ستؤدي بنا المسيرة؟ ومن خلال هذه الأسئلة تسعى للحصول على إجابات لمعرفة مكامن الخلل في مجتمعها الجديد، وكيفية إصلاحه.

اصلاح الحال يعني إجابات عمّن عليه ان يفعل ماذا؟ من يستطيع ان يقدم ماذا؟ هذا ميسور الحال فتتصل به وتطلب منه التبرع للمشروع الفلاني، وذلك بإتقانه للغة الانكليزية، يستطيع ان يرافق الذين لا يعرفون اللغة ويحتاجون ان يقضوا حوائج الحياة في الدوائر الرسمية البريطانية، وهذا يملك عجلة يستطيع ان يساعد الذين لا يملكون مالاً لقضاء حوائجهم، وهذا بسمعته الطيبة يستطيع مساعدة ابناء الجالية عند الأخرين الأجانب. تبحث عن حلول لمشكلات الجالية حتى وان تطلّب الأمر ان تنحت الاحجار بأظافرها، تعرف انه ليس بمتعة او ترف بل تحدٍّ ضروري، تحدٍّ جيلي وجزء من صيرورة البناء للجالية الجديدة، لا تريد لهم ان يعيشوا حياة المتاهة، بل الاستقرار والبناء والتطور، وهو ليس بسراب بل شمرة عصا كما يقولون.

احد اهم شعاراتها، لا تبتعدوا عن البعض، الجغرافيا امر مهم في الحياة ودورتها، لكل شيء سُنة، وارفقوا بشركائكم في الحياة فهم في الغربة مثلكم، حاوروهم فهم مثلكم، تقووا ببعض، اتخذوا المواقف المطلوبة واعرفوا ضريبتها، اذ لكل قصة نجاح مستلزماتها فاعرفوها واوجدوها، وكأنها تقول ما قاله الرسول الأعظم (ص) قبلها ” أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، وعفة مطعم”.

الجغرافيا مهمة، تعترف العجوز بذلك، وتقول مع نفسها سوف لن اهاجر مرة اخرى، هربنا من العراق خوفاً على اولادنا وديننا، لن نخسرها مرة اخرى من اجل شيء زهيد، تمسكوا بالجغرافيا، هنا حط بي الجمل، هنا قسمتي، القضاء والقدر منهجي، هنا نبني معاً، كلها ارض الله، كلنا خلقه وعياله.

توصي اولادها وتقول عندما اموت، والموت حق، فادفنوني هنا في مانشستر مع احبتي ممن سبقوني الى العالم الاخر، زوروني هنا في مقبرة المسلمين، انا قريبة منكم وان كنت بروحي في عالم اخر، انا اراكم وان كنت في القبر وتحت الارض، انا ادعو لكم دوماً لأني لا اعرف الا العطاء، انتم بضعة مني، لا تنسوني لأني انتم، لا تهجروا بعضكم بعضا، لا من اجل مال فانٍ او جاه زائل، سلمت الامانة وانا قنوعة وراضية باني سأرجع الى ربٌ رحيم.

سلامٌ عليك يا حاجة ام عبد “دا” الفيلي يوم ولدت ويوم مُتِ ويوم تُبعثين حيا، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ

((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِ))

صدَقَ الله العَظِيم

ابنك المشتاق لقمان

بغداد ٢٠١٩/٧/٣٠

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close