السنين المريره العجاف 1968 – 2019

د. حامد السهيل

انها خمسون سنه مضت, ولكن كيف انقضت, وكيف عاشها شعبنا الابى, وكما يبدو فانها لم تنتهى بعد, ان مرحلة 2003 ما زالت مستمره ولا يوجد امل فى الخروج من هذا النفق المظلم. عندما نرجع بالذاكره الى الوراء تزدحم الاحداث, الصغيره على مستوى تواريخ الافراد ومصائرهم, والكبيرة على مستوى لعنات الحروب والحروب الاهلية والحصار والضحايا البشريه والماديه. نحن, الشعب الذى اغتيلت ارادته وعطل القمع والارهاب نشاطه وسعيه للعيش الكريم, واستعادة الاحداث والوقائع تبدو وكانها حصلت وفق مخطط معد ومدروس مسبقا, وكان لابد ان يبدأ بتنفيذه. كانت بدايته مع انقلاب 1968. ان مرحله حكم البعث تميزت بنظام دولة القبيله, الذى يقوم على جهاز امنى/ مخابراتى قمعى فعال, مدرب يتمتع بصلاحيات غير محدوده, ثم القائد الضروره الذى هو القانون وفوق القانون, الدوله والحكومه, القائد العام للقوات المسلحه, والمنظر فى ستراتيجيات الحرب والصمود والانتصار. ان تصفية المعارضين من كل الاتجاهات ونجاح قيادة انقلاب 1968 فى تأميم النفط منح القيادة ثقة كبيره بالذات والطريق الذى يسيرون عليه, وبشكل خاص صدام حسين والذى اضيفت اليه لمسة قوية من النرجسية والاعتزاز بالذات والذى قاده التصور بانه مؤهل للمهام الصعبه وسوف ينجح بكل ما يخطط له, وقد استطاع بأموال النفط ان يقوم بمشاريع تنمويه وتحسين الوضع المعيشى. بعد تبعيث غالبية وزارات الدوله تم تبعيث الجيش واخذ ينال رضى كبار الضباط وارسالهم للعلاج الى اوربا وامريكا, كما حصل عددا من المواطنين هذا الامتياز ايضا, واكتملت عملية عسكرة المجتمع واولوية الضباط ومكانتهم فى الحياة العامه . يصعد نجم صدام فى الافق وتتصاعد معه الاحزان والالام طرديا يلازمها الخوف والرعب وما يمكن ان يحدت ليقوض مقومات الحياة .ان التهمة المفتعلة ضد رفاقة والمحاكمة البائسه التى اضهرته على حقيقته: ان الوصول الى السلطه يبيح كل الوسائل, وتم تنفيذ حكم الاعدام بهم, كانت مؤامرة ناجحة لانفراده بالسلطه والتحضير لحرب الخليج وكانت بنفس الوقت رسالة عنيفة موجه للشعب العراقى ولكل من تسول له نفسه ان يبدى اى نوع من نقد ومعارضة. وتستمر عملية التسلط والعنف والطغيان فى التهجير القسرى لفئة اجتماعية واسعه اتهمهم بالتعبيه الايرانيه وينسب اليهم نشاط تأمرى وتجسسى كطابور خامس يعمل لمصلحة العدو. وكعاده على طريقة قطاع الطرق والسفهاء يضعوهم فى باصات جاهزه ويرموهم على الحدود. عاش العراقيون والبغداديون بشكل خاص هذة الاحداث,حيث تطرق الابواب فى منتصف الليل ومجاميع قوى الامن باسلحتهم وعددهم يعتقلوا الرجال, والنساء و الاطفال, كانت ايام خوف ورعب يؤطرها الحزن والالم على هؤلاء الذين هجروا فى ليلة ظلماء الى مصير مجهول, كان منهم اقارب, اصدقاء, جيران

من كل شرائح المجتمع العراقى. تبدأ حرب الخليج الاولى بحسابات خاطئة جدا: كانت حسابات القائد الضروره والتى وافق عليها القطيع دون ان ينطق كلمة واحده, ان لا يطول امد الحرب اكثر من اسبوعين على اقصى تقدير ومن ثم تتدخل الامم المتحدة وخاصة امريكا لوضع نهاية لها وبذلك نحقق اعادة نصف شط العرب الذى تنازلنا علية بموجب معاهدة الجزائر 1975. الا ان الحرب استمرت ثمان سنوات وامريكا تدخلت لادامة سعيرها واخذت نشيطة تبيع السلاح للفريقين المتحاربين. ان التقدم الذى احرزته القوات العراقية فى البدايه عزز الشعور, كالعادة بالعظمة والعبقريه للقائد الضروره وبنفس الوقت اعاد ما كان ايام الفتوحات, الحصول على الغنائم, ولم لا ونحن فى القادسية الثانية ” قادسية صدام”. ان هذه القادسيه كانت البداية لانهيار نظام القيم والاعراف والتى سوف تقود الى مغامرات طائشه لاحقه. احتل القائد الضروره برامج التلفزيون, يبدأ فى الساعة الثامنه مساءا” صدام شو – Saddam Show ” وينتهى مع نشرة الاخبار الساعه العاشره ويتم اعادته ثانيه, صدام يدخن السيكار الكوبى الرفيع, يستقبل الضباط والجنود ويلقى الحكم والمواعظ, ويقلدهم انواط الشجاعة والتكريم بسيارات (الميتسوبيشى واولدز موبيل) وكذلك بقطع الاراضى. هذا الكرم لم يقوى على الاستمرار طويلا لتكاليف الحرب الرهيبه, ولم يعد “الشهداء اكرمنا جميعا” لان ضحايا الحرب بلغت مع السنين مئات الالاف بالاضافة الى المعوقين والارامل والايتام, وخزينة الدولة اخذت تترنح واصابها الهزال,وبدات مرحلة القروض الخارجيه من مختلف الدول والبنوك العالميه بعد نضوب الاحتياطى العراقى الذى قدر بـ 45 مليار دولار.وتظهر علامات الحيرة والالم حول جدوى ما يحصل والى متى تستمر الكارثه وتنقطع مواكب الشهداء ونسنقيم الحياة. ان اعداد الشهداء التى تصل بغداد والمدن العراقية اخذت تزداد طرديا مع استمرارالحرب, كما ارتفعت نسبة هروب الجنود من جبهات القتال, الا ان الشعراء الشعبيون وعددا من الادباء كانوا اوفياء لنداء القائد, ينظموا الشعر ويكتبوا القصائد والقصص ويؤكدا على شرعية القادسية والانتصارات وعظمة القائد وحكمته فى كل المناسبات وفى كل المدن العراقية وكل منهم له سعره واجوره. لقد طالت سنين الحرب ولم تبدو لها نهاية فى الافق واخذ القيادة تستخدم مختلف الاساليب للتأثير فى الرأى العام, لازالت مقابلة صدام حسين عالقة فى ذاكرتى عندما استقبل احد الاباء الذى اخبر الجهة المسؤله عن مكان اختباء ابنه الهارب الذى لم يلتحق بوحدته فى الجبهه. لقد كرمة عبقرى القادسية ويشير اليه مثالا ونموذجا للسلوك الثورى والشعور بالمسؤلية المقدسه تجاه الوطن, ويدعو جميع الاباء ان يحتذوا بهذا الاب البار المخلص؟!!, هل يمكن تصور انحطاطا كالذى يمارسه القائد الضروره الذى يخالف شرائع السماوات والقوانين الوضعية بهذه الصيغه الوضيعه وتوجه القائد نحو العشائر وكلف رؤسائها بتجهير القوات المسلحه بالشباب لادامة روح النصر ومسؤليتهم عن ضرورات المعركة, وكل شىء له سعره بالاضافة الى المكارم والهدايا, وليس هذا فحسب وانما, ان الثقه والاخلاص المتبادل بين افراد العائله الواحده, بين الاقارب والاصدقاء وكذلك فى دوائر الدوله ومجالات العمل الاخرى تلقت ضربة قاضية بدأتها الدولة وشرعت لها. انتهب الحرب فى 8/8/ 1988واحتفل به العراقيون بفرح

وسعادة غامره كما لم تبلغ فرحتهم القا من قبل, ولكن الكارثه البشريه والمادية مازالت تبعاتها مستمرة لحد الان. ان العقل المغامر الذى يعمل لترضية الوحش الداخلى ومركبات النقص التى تم ازاحتها بالنرجسية والعبقرية لا يمكن ان يهدأ, وسرعان ما وجد له مهمه جديدة واعدة يمكن ان تضيف الى رصيد المبالغات والتسميات والاوصاف العديدة الاخرى, وكما يبدو من انه حامى البوابه الشرقيه لم يكن كافيا ويجب ان يأخذ صيغة فعليه, ولاسباب واهية اصدر الاوامر للقوات المسلحه باحتلال الكويت, ان هذه العملية المجنونه والاهداف التى ارتبطت بها كان بامكانه الحصول دبلوماسيا وقدم سياسيوا الكويت عرضا مناسبا كان يمكن ان يحل مشاكل كثيره وكان عليه ان يقف صلبا امام دول الخليج ويطالبهم بالاتفاق الذى تم عقده مبدئيا “منكم المال ومنا الرجال”. الا ان صدام لم يتصرف كرئيس دوله ويتحمل مسؤليات وطن وشعب وانما تصرف لذاته مستعرضا قوته مثله الاشقياء السذج والمغامرين الذين يعانون من مركبات النقص والدونيه ويبالغوا بقدراتهم وامكانياتهم. ان احتلال الكويت عملية جنونية كن يجب ان لاتحصل ابدا, وذلك لانها قامت على حسابات مغلوطة تماما, وسوى ان وافق الامريكان على حقوقه فى الكويت ام لم يقروها, كان علية ان يدرك, من تجربته الكارثيه فى حرب السنين الثمان ودراسة اسبابها, ان امريكا والغرب بشكل عام يقف ضد بروز قوه جديدة يمكنها ان تشكل خطرا على امدادات الطاقة للاقتصاد العالمى, وما يمثله العراق بموارد نفطية هائله مع الكويت يمثل خطرا كبيرا, خاصة بقيادة مغامر لا يؤتمن اليه. لقد تحولت الكويت الى المحافظه رقم ؟ وبذلك استبيحت الموجودات الكويتيه ونشط السراق والحرامية من العراقيين والعرب كما كانت فى ايام العصبية القبليه. ان العنجهيه والشعور بالعظمه يعطل عمل العقل ويشجع على تكرار الاخطاء الفادحه: لم يستجيب صدام للنداءات العالميه بالانسحاب وتامين كيانه,اعتقادا منه انه سوف ينتصر على قوات التحالف الدولى,هذا التحالف الذى شكله الامريكان وحلفائهم والذى انظمت الية عددا من الدول العربية والتى اخذت اجورها ايضا. كانت النهاية مفزعه وكارثية بكل المقاييس. لقد دمرت القوة الفاعلة للجيش العراقى واخذت بقية القوات فى الانسحاب ولكنها قصفت من قبل الطائرات الامريكيه, خلافا للاتفاق مع المبعوث الروسى بريماكوف والتى ادت الى قتل بضعه الاف من الجنود والضباط العراقيين الذين انسحبوا من المعركه والتى سميت بـ ” مذبحة الدبابات”. ان اتفاقيه ” خيمة صفوان” كانت مجحفة جدا بحق العراق والتى تنازل فيها عن اراضى عراقيه كبيرة يوجد فى قسم منها 13 بئرا نفطيا, ويعلق بعض الخبراء لو علم العراقيون ما جاء بالاتفاقية ” لبكوا العمر كله”. وبشكل عام فقد وافق صدام على بنود الاتفاقيه بعدما, كالعادة رفضها عندما اعلنتها الامم المتحدة. ان تبعات احتلال الكويت فاجعه وكارثيه. ان الدولة العراقية والقوات المسلحة والشعب العراقى لم يتعافى منها لحد هذا اليوم. مازلنا ندفع تعويضات مليونيه للكويت وكما يبدو فليس لها نهاية, وليس غريبا ان تفكر الكويت بغزو العراق,طالما لها القدره والوسيلة لقضم اراضيه واحتلال شواطئه بشراء العملاء, او بالاحتلال الذى لا نقوى على مجابهته. ان الجنود الشباب الذين عاشوا جهيم تفجير طائرات الحلفاء واستطاعوا الوصول الى البصره اخذتم الحمية والمشاعر الوطنيه وهول الخسائر والتضحيات وقذوا احد تماثيل

صدام بالاحذيه واطلاق النار عليه, وتطورت حركة شعبية تلقائيه تنادى بسقوط النظام ومحاكمه المجرمين والتى تطورت بسرعة كبيره وامتدت الى عدد من المدن واخذت تشكيل خطرا كبيرا على استمراريه النظام, خاصة وان النظام منع من استخدام الطائرات اصلا. ل ان دخول فصائل مسلحه فئوية ودينيه تنادى بنظام دينى واتجاه شيعى جعفرى, اعاد الامريكان حساباتهم وسمحوا له باستخدام الاسلحة والطائرات فى ضرب وانهاء الانتفاضة, وفعلا فقد تم ذلك سريعا باستخدام قوة وقسوة مرعبه وتوجيه السلاح مباشره فى صدور المنتفظين, حتى انهم لم يتورعوا بقصف الاماكن المقدسه فى مدينة كربلاء. لقد انتهت المقاومه وتم العثور على عددا من المقابر الجماعية ولا زالت تكتشف مقابر جماعيه اخرى دفن النظام الكثير منهم وهم احياء. هذه الانتفاضة رسمت املا فى الافق وفرحة فى وحوه العراقيين, ولكن تدخل قوى محلية واجنبيه بتوجهات مذهبية عمل على نهايتها وتحطيمها. ان مرحلة الحصار الاقتصادى على الشعب العراقى ومهزلة التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل لها من الاهمية بمكان ان تأخذ مقالة مستقله. ان جرائم صدام حسين وقادة حزب البعث لايمكن ان تمر من دون محاسبتهم وتوضيح ادوارهم فى مختلف ما حصل فى الدوله والمجتمع. ولابد من الاشاره الى ان الجرائم والانتهاكات التى حصلت للعراقيين من قبل اجهزة القمع والارهاب لايمكن تناسيها فهذا حق لا يسقط بمرور الزمن. من ناحية اخرى ان حربى الخليج الاولى والثانية والحصار التدميرى تتمتع باهمية خاصة عراقيا,وعربيا, انها جرائم ضد الشعوب بالرغم ما يثار من شرعيتها واسبابها, ومع كل ذلك وبعد هذه السنين الطويلة لم يصدر من القيادات البعثية الاعتراف بالذنب والخطأ والاسف وطلب الاعتذارعلنا وجماهيريا من الشعب العراقى لما سببوه له من كوارث وتضحيات جسام. اننى اسئل, ما قيمة البنى التحتية, مع اهميتها وضرورتها, وقوة الدوله وجيشها المدرب تجاه قيمه الانسان العراقى الذى انتهكت حرمته وكرامته ولا يقوى ان يفصح برأى حتى بين اهله وعائلته واصدقائه, وما قيمة اكبر طبيب اخصائه يتحكم به موظف صغير لانه يحمل درجة حزبية عاليه, وما قيم العالم والاستاذ الجامعى ومربى الاجيال حيث يمكن ان يهان ويضرب , لاى سبب مفتعل, من قبل احد الاقارب او احد اعضاء جهاز الامن والمخابرات, وما قيمة الحصة التموينيه التى هى اصلا حقا دستوريا للعراقيين لعظمة ثرواته الطبيعيه, تجاه البذخ المفرط ومئات القصور والامتيازات التى تتمتع بها النخبه. د. حامد السهيل 1/8/2019

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close