خلط الأوراق في متاهات الحرب شبه الدولية في بلاد الشام

الخلافات على تقاسم النفوذ والمكاسب تلغم مناورات واشنطن وانقرة

عمر نجيب

قد يعتبر البعض أن الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض بلاد الشام منذ منتصف شهر مارس 2011 قد دخلت مرحلة الجمود، وأنه لم يعد أمام دمشق وحليفتها موسكو سوى البحث عن حل سياسي تفاوضي يتضمن تنازلات كبيرة للتحالف الثلاثي الأمريكي الإسرائيلي التركي الذي يسعى لإسقاط دمشق وتقسيم الجمهورية السورية، وذلك قبل أن تنقلب إنتصارات الجيش العربي السوري المتواصلة منذ نهاية سنة 2015 إلى نكسات.

هذا التصور يروج له بقوة في المعسكر المناهض لدمشق، ولكن في المقابل يمكن بمتابعة دقيقة للتطورات الميدانية والسياسية الجزم على الأقل في الربع الأخير من سنة 2019 أن الأمور تسير في عكس هذا الإتجاه وان التحالف الثلاثي يتخبط في متاهات ومستنقع حرب بلاد الشام ويتكبد وإن كان بنوع من البطئ خسائر متصاعدة مرشحة لأن تقوده في النهاية خلال 12 إلى 18 شهرا إلى الرضوخ لواقع الساحة.

الأطراف الرئيسية المعادية لدمشق أصبحت سجينة في متاهة بعضها بسبب خلافات حول تقاسم ما تبقى من مغانم بعد ثمان سنوات من الحرب وذلك رغم المشاركة الفعلية الأمريكية التركية الإسرائيلية في الحرب ضد دمشق منذ سنة 2011، وتقاسمهم المهام.

إسرائيل دعمت وتدعم الفصائل المسلحة المناوئة لدمشق بالعتاد والمال وممرات تقديم العون خاصة على الجبهة الجنوبية، درعا والجولان أساسا، والطيران الإسرائيلي يقوم بمئات الغارات على الأراضي السورية تحت غطاء مواجهة حزب الله اللبناني والقوات الإيرانية.

الولايات المتحدة شنت وتشن مواجهات عسكرية مباشرة ضد الجيش السوري، وتصرف عشرات مليارات الدولارات لدعم الجماعات المسلحة المناوئة لدمشق رغم أن غالبها مصنف أمريكيا كإرهابي، وفرضت واشنطن وجزء من حلفائها حصارا اقتصاديا وسياسيا على سوريا.

تركيا تعاونت بشكل مفتوح مع داعش والنصرة وغيرهما وشاركتهم في سلب النفط السوري ومصانع حلب وغيرها، وفتحت أنقرة حدودها لمرور أكثر من 120 الف شخص من غير السوريين ليحاربوا الجيش السوري، ثم قامت قواتها باحتلال لأجزاء من الأراضي السورية وهو نفس ما تقوم به القوات الأمريكية.

الخلافات المرحلية

إدارة الرئيس الأمريكي ترامب بشقيها الموصوفين بالحمائم والصقور توجد في حالة إرتباك بسبب تصارع التيارين، احدهما يطالب بعدم التصعيد حتى لا تتورط القوات الأمريكية بشكل أكبر وترى أن على ترامب الوفاء بوعده عن سحب القوات الأمريكية من ساحة بلاد الشام وتعدادها الرسمي بين 2000 و 2500 جندي حتى يحسن فرصه في الانتخابات الرئاسية لسنة 2020، وتؤيد التوصل إلى حل وسط ولو كان في مصلحة دمشق. هذا التيار يقدر وإعتمادا على تقارير أجهزة المخابرات أنه لو أصرت واشنطن على الصمود، فإن هناك قوى كثيرة على الأرض السورية وليس بالضرورة بالتنسيق مع موسكو ستشن حرب استنزاف على القوات الأمريكية، وعندما تبدأ جثث الأمريكيين تعود إلى واشنطن سيكون ترامب الخاسر وستزيد الضغوط الداخلية للإنسحاب. استبدال القوات الأمريكية بمقاتلي شركات الأمن الخاصة سيخفف الضغط إلى حين وستكون هناك بالضرورة ردود فعل ومضادة لها، أي أن المشكلة لن تحل.

الصقور يريدون التصعيد لإجبار دمشق وموسكو على قبول الحل الوسط الأمريكي، ويشيرون إلى أن هناك بدائل للوجود العسكري الأمريكي عن طريق فرنسا وبريطانيا، ولكن المشكلة أنه لكل من هذين الطرفين خلفياته وأهدافه التي لا تتطابق بشكل كامل مع ما ترغب فيه الادارة الأمريكية. رفض المانيا المشاركة بقوات برية كان بمثابة صفعة للبيت الأبيض وتضمن مؤشرات تحذير لباريس ولندن وللقوى السياسية داخلهما التي ترفض التصعيد أو السقوط في فخ مواجهة مكلفة مشابهة لتلك التي جرت في لبنان في 23 من أكتوبر عام 1983.

مخيم الصقور يطالب بالتشديد تجاه تركيا حتى تستأنف بشكل كامل تطبيق تكتيكات البيت الأبيض تجاه الصراع في بلاد الشام وتتراجع عن التصرف بشكل إنفرادي من أجل تحقيق احلام عثمانية توسعية في سوريا خاصة أن ذلك سيمس الجزء الكردي المتحالف من واشنطن وتل أبيب الذي تلقى وعودا بإنشاء دولة كردية مستقلة.

الصقور في البيت الأبيض يطالبون بتفعيل تعاون أكبر مع إسرائيل والتنظيمات المسلحة في سوريا لتكثيف الضغط على القوات السورية والروسية نيابة عن القوات الأمريكية.

تركيا ضائعة وسط متاهة الواقع الميداني على أرض بلاد الشام، وما تعتبره أنقرة تقلبا في السياسة الأمريكية خاصة بالنسبة لأطماعها في جزء من الأراضي السورية، وخطر قيام دولة كردية في سوريا بأخذ أراضي تركية في المستقبل لخلق دولة شاسعة الأطراف.

يمكن وصف الكيان الصهيوني بأنه الأكثر تناغما مع السياسة الأمريكية في بلاد الشام، ولكن تل أبيب لا تريد الدخول في إمتحان قوة مع روسيا ولهذا تحجم عن تخطي الخطوط الحمراء التي وضعتها موسكو والتي يتزايد توسعها.

تقدم الجيش

في مؤشر على عدم جمود الوضع الميداني ذكرت مصادر رسمية روسية يوم الأحد 28 يوليو 2019: نفذ الجيش السوري، مساء الأحد، هجوما بريا واسعا على مواقع المسلحين في ريف محافظة حماة الغربي الشمالي، تمكن خلاله من استعادة السيطرة على قرية تل الملح الاستراتيجية.

وذكر “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، الذي يتخذ من لندن مقرا له، أن هجوم الجيش نحو تل الملح انطلق من مواقعه في مناطق كفرهود والجديدة بريف حماة الشمالي، حيث تدور اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية والتشكيلات المسلحة.

وقال المرصد إن الهجوم بدأ بعد تمهيد مكثف تنفذه القوات الحكومية بالقذائف الصاروخية على مناطق ريف حماة الشمالي والشمالي الغربي.

من جانبها، نقلت وكالة “سبوتنيك” الروسية عن مصدر ميداني سوري قوله إن وحدات من الجيش تحت إمرة العميد سهيل الحسن الملقب “بالنمر”، عملت خلال الأيام الثلاثة الماضية على تنفيذ تمهيد ناري مكثف في كامل محور ريف حماة الشمالي والشمالي الغربي ومناطق ريف إدلب الجنوبي، ما مهد لشن هجوم ناجح تمكنت من خلاله القوات المهاجمة من تحرير تل الملح بعد قطع خطوط إمداد المسلحين الخلفية والقادمة باتجاه محور تل الملح والجبين.

وأضاف المصدر أن قوات الجيش تعمل حاليا على تثبيت نقاطها في تل الملح وتستهدف تحركات معادية يقوم بها المسلحون في محاور الجبين والزكاة والأربعين.

وتعهدت الحكومة السورية مرارا باستعادة السيطرة على كامل أراضي البلاد، وبينها الأراضي الخاضعة للمسلحين في منطقة إدلب لخفض التصعيد، التي تضم، فضلا عن المحافظة ذاتها، أراض في شمال غرب حماة شرق اللاذقية وجنوب غرب حلب.

وتعتبر هذه الأراضي منطقة خفض تصعيد منذ العام 2017 بموجب اتفاقات تم التوصل إليها في إطار عملية أستانا للتسوية في سوريا بين روسيا وتركيا وإيران، لكن هذا النظام لا يشمل الأطراف التي تصنف كإرهابية.

الهجوم السوري وعلى عكس ما روجت له أوساط مناهضة لدمشق، تم بتنسيق كامل مع موسكو.

فيوم الجمعة 26 يوليو 2019 استعرض وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف،، محاور موقف موسكو إزاء تسوية الأزمة السورية، من بينها تمسكها بضرورة استعادة دمشق سيادتها على مجمل أراضي البلاد.

وفي كلمة ألقاها أثناء اجتماع لوزراء خارجية دول مجموعة “بريكس” وهي البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا، انعقد في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، أشار لافروف إلى أن التسوية في سوريا تمر، من وجهة نظر روسيا، عبر استعادة حكومتها سيادتها على أراضي البلاد وضمان وحدتها، والقضاء على فلول الإرهابيين في سوريا، وعودة اللاجئين السوريين إلى أرض وطنهم، إضافة إلى الدفع بالعملية السياسية.

وأكد لافروف أن على المجتمع الدولي أن يسهم في الدفع بالعملية السياسية في سوريا إلى الأمام، مشيرا إلى أن هذه العملية يجب أن يقودها السوريون أنفسهم.

كما ذكر الوزير الروسي أن من بالغ الأهمية دعم عملية إعادة إعمار سوريا بعد الحرب التي عانت منها البلاد. ودعا لافروف بهذا الصدد شركاء روسيا داخل “بريكس” إلى الإسهام بقسط في هذه العملية، مثمنا الجهود المبذولة من قبل الصين والهند في هذا المجال.

ثلاثة أشهر

جاء في تقرير لوكالة فرانس برس يوم الخميس 18 يوليو: كثفت قوات الجيش السوري بدعم من الطيران الروسي، قصفها منذ ثلاثة أشهر لمحافظة إدلب ومناطق محاذية لها في محافظات حلب وحماة واللاذقية، مما يوحي أن معركة كبيرة قيد الاعداد.

وتسيطر على محافظة إدلب “شمال غرب” ومحيطها هيئة تحرير الشام جبهة النصرة سابقا، وتنتشر فيها أيضا فصائل مسلحة أخرى أقل نفوذا، وتتمتع غالبية هذه القوى بدعم أنقرة.

منذ نهاية نيسان/أبريل، قتل أكثر من 740 ضخصا جراء القصف السوري والروسي وفق المرصد السوري لحقوق الانسان، ونزح أكثر من 400 ألف شخص بحسب الأمم المتحدة.

الولايات المتحدة دعت روسيا إلى وضع حد لـ”التصعيد”. ولكن قبل ذلك وفي السادس من مايو، تعرضت قاعدة حميميم الروسية الواقعة في محافظة اللاذقية لهجمات بصواريخ أطلقت من منطقة تسيطر عليها هيئة تحرير الشام.

وبعد ثلاثة أيام، سيطرت قوات الحيش السوري على قلعة المضيق في محافظة حماة، التي غالبا ما كانت الفصائل تستخدمها لاطلاق الصواريخ على قاعدة حميميم، وفق المرصد.

قبل مؤتمر أستانا

جاء في تقرير نشر في العاصمة اللبنانية بيروت يوم 29 يوليو: قبل أيام فقط على موعد الجولة الجديدة من محادثات “أستانا”، والتي تستضيفها العاصمة الكازاخية في 1 و2 أغسطس 2019، يتعاظم التصعيد في “جيب إدلب”، من دون فتح جبهات برية واسعة حتى الآن. عشرات القذائف والغارات الجوية سجلت خلال اليومين الماضيين، واشتباكات متفرقة على أطراف ريفي إدلب واللاذقية، بلا أي تصريحات لافتة من الجانبين الروسي والتركي، الضامنين لاتفاق التهدئة المفترض. التعزيزات التي شهدتها جبهات ريفي حماة واللاذقية من جانب الجيش السوري، الأسبوع الماضي، واجتماعات المسؤولين العسكريين عن هذا القطاع، شكلت ملامح لاحتمال إطلاق عملية عسكرية جديدة، لكن التصعيد اقتصر على الاستهدافات

الجوية والمدفعية. اللافت في اليومين الماضيين كان كثافة نشاط سلاحي الجو السوري والروسي في أجواء “جيب إدلب”، إذ استُهدفت مناطق عديدة هناك بسلسلة واسعة من الغارات، وكان لبلدات خان شيخون ومعرة النعمان وأريحا النصيب الأكبر من القصف الجوي.

قراءات الجانب المعارض لتكثيف القصف الجوي تباينت، بين اعتباره “ضغطا على الفصائل” لدفعهم نحو تنفيذ بنود اتفاق سوتشي، وبين تصنيفه ضغطا على الجانب التركي لإمرار بند فتح الطرق الدولية داخل جيب إدلب، بحجة أن البلدات المستهدفة تجاور طريق حماة حلب، مثلا. وفي المقابل، تتحدث الأوساط الحكومية عن أن التحرك يؤكد أن هدف تحرير كامل المناطق السورية لا يزال حاضراً بمعزل عن سياق تنفيذ الاتفاقات. كذلك، ترى مصادر سياسية تتابع ملف محادثات أستانا أن ما يجري على الأرض يستبق جولة التفاوض المرتقبة، ويتوازى مع الضغوط السياسية على الجانب المعارض لعدم الحضور، مضيفة أن اشتراط وقف إطلاق النار لحضور “وفد المعارضة المسلحة” في أستانا هو تفصيل قد يتحقق بشكل روتيني قبيل انعقاد الجولة وعبر القنوات الروسية التركية، من دون أن يعني ذلك غياب القصف المدفعي والجوي بشكل كامل، وعن مناطق محددة. وتشير أوساط معارضة إلى أن قرار “هيئة التفاوض” مقاطعة “العملية السياسية” ربطا بما يجري في إدلب هو جزء من مظاهر هذا الضغط، ومحاولة للتأثير على نتائج الاجتماع المرتقبة.

المعلومات الميدانية لا تشي بوجود خطط لإطلاق عمليات برية واسعة قبيل جولة الاجتماعات المقبلة، ولكنها تؤكد أن الجيش سيستهدف مسبقاً أي تحرك عسكري من الجانب المقابل، يصنفه إعداداً لإطلاق عمليات على مواقعه، وهو ما حدث بكثافة خلال الأسبوع الأخير، إذ تم استهداف عدة أرتال كانت تحركها الفصائل باتجاه نقاط قريبة من خطوط التماس.

وسط هذه التطورات الميدانية، يشي الصمت الروسي والتركي بوجود تفاهم على ضرورة عدم التشويش على “أستانا”، خاصة أن هذه الجولة تحمل في ملفاتها صيغة توافقية لتشكيلة “اللجنة الدستورية”. ومن غير المعروف إلى الآن ما تأثير غياب المبعوث الأممي، غير بيدرسن، عن الجولة المرتقبة، بحكم إصابته الناجمة عن حادث سير، ولا خطط الأمم المتحدة في شأن من سينوب عنه في هذا الاجتماع المهم. وقد يتم تأجيل الإعلان عن “اللجنة” إلى ما بعد اجتماعات “أستانا”، بحيث يبقى المجال مفتوحا لتبني “الخطوة الجديدة” في القمة الثلاثية المرتقبة في أغسطس، بين رؤساء روسيا وتركيا وإيران.

تحريك داعش

بعيدا إلى الجنوب وقرب خطوط التماس السورية الإسرائيلية تبنى تنظيم “داعش” هجوما انتحاريا استهدف عددا من عناصر الجيش السوري يوم السبت 27 يوليو في ريف درعا الشرقي. ووقع التفجير قرب بلدة مليحة العطش غربي بصر الحرير، فيما كانت وحدة من الجيش تداهم أحد المواقع لتفتيشه بحثا عن مطلوبين وأسلحة. ويوم السبت كذلك، انفجرت عبوة ناسفة خلال عمليات تمشيط تقوم بها وحدات الجيش في ريف السويداء الشرقي. وتقوم وحدات الجيش بعمليات تمشيط في بادية منذ أيام، والتي يشتبه

في وجود نشاط لداعش فيها. وشملت العمليات مناطق أرض الكراع ومغر ملحة وتل سنيم والدياثة وبئر النعامة حيث كانت القوات الإسرائيلية تقدم الدعم للتنظيمات المسلحة حتى حررها الجيش السوري.

واستعاد الجيش السوري صيف العام 2018 السيطرة على كامل محافظة درعا إثر عملية عسكرية ثم اتفاقات تسوية، وعملية إجلاء للآلاف من رافضي التسويات. ولم تنتشر عناصر الجيش السوري في كل المناطق التي شملتها اتفاقات تسوية، إلا أن المؤسسات الحكومية عادت للعمل فيها.

وخلال سنوات النزاع، احتفظت القوات الحكومية بسيطرتها على الجزء الشمالي من مدينة درعا، بينما سيطرت الفصائل المسلحة على الجزء الجنوبي منها بدعم إسرائيلي. ويقتصر وجود السلطات في تلك الأحياء على موظفين رسميين وعناصر شرطة وأمن.

سياسة إطفاء الحرائق

كتب الدكتور حسن مرهج عميد كلية الاعلام السورية:

“لم تكن الحرب على سوريا سوى تفصيل بسيط ضمن سلسلة الحرب بين روسيا والولايات المتحدة، وحقيقة الأمر أن هذه الحرب لم تعد ضمن مصطلح الحرب الباردة، فالواقع السياسي والعسكري يؤكد بأن تفاصيل الحرب بين القطبين الروسي والأمريكي قد تجاوزت في أبعادها تفاصيل الحروب في اليمن والعراق وسوريا، إضافة إلى بيضة القبان في التوازنات الإقليمية والدولية إيران، وبالتالي بات الشرق الأوسط ضمن بوتقة الصراع الساخن بين موسكو وواشنطن، وهذا ما تؤكده كافة التجاذبات والتعقيدات المفتعلة لتأخير أي حلول سياسية في المنطقة، وبات من البديهي أن نقول بأن الحرب بين روسيا وأمريكا تأخذ منحى تصاعدي على الرغم من سياسية الاحتواء الروسية لكافة الحماقات الأمريكية، حيث أن رجل المراهنات الأمريكي دونالد ترامب، قد جنح كثيراً نحو تأجيج الملفات الإقليمية والدولية، لتكون الحرب السورية البوابة التي دخلت من خلالها موسكو إلى قلب المعادلة الأمريكية، بل اصبحت روسيا قطبا موازيا بل وضاغطا على واشنطن وأدواتها في المنطقة، فالسياسات الروسية كانت ولا تزال تتخذ من الحوار والدبلوماسية منهجا، مع التلويح بين الحين والأخر بالقوة العسكرية الروسية والترسانات النووية، وهذا ما بات يعرف بفنون التفاوض التي تهواها واشنطن وتحترمها، فلغة القوة تتماهي مع السياسة الأمريكية، وهذا حقيقة ما تم فرضه في سوريا وإيران من قبل روسيا، لكن بعد التوافق لكل من دمشق وطهران.

في سوريا، وعلى الرغم من حصول تفاهمات بين روسيا وأمريكا لجهة تفاصيل الحل السياسي، والحفاظ على وحدة سوريا ومنع تقسيمها، إلا أن واشنطن لا تزال تناور سياسيا وعسكريا، وتحاول الدفع باتجاه تأزيم الملف السوري، فـالمراهنات المتفائلة التي رافقت دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، لم تكن على مستوى التوقعات، فقد أمل المراقبون بأن يكون فاتحة لتفاهمات أخرى تتخطاه نحو خطة للحل السياسي في سوريا نفسها، وإلى بحث خفض التوتر في مناطق أخرى من العالم، لا سيما في أوروبا، حيث تعتبر موسكو أن السياسة الأمريكية تمس مجالها الحيوي ومصالحها التاريخية، بدلاً من ذلك، نشبت أزمة طرد الديبلوماسيين الروس من الولايات المتحدة والإجراءات الروسية المقابلة، وظهرت الاتهامات الروسية

لواشنطن بأنها تدعم داعش وتحول دون القضاء عليه في الميدان السوري، وتحديدا في دير الزور. ومؤخرا، هاجمت وزارة الدفاع الروسية تعزيز الجيش الأمريكي قواته بطريقة سرية في دول البلطيق وفي بولندا، في إطار انتشار قوات الحلف الأطلسي على حدود الاتحاد الروسي، ضمن هذه المعطيات يلاحظ بأن روسيا وعلى الرغم من التلويح بالقوة العسكرية، إلا أن الدبلوماسية الذكية لبوتين، تمكنت من جذب ترامب مرات عديدة نحو القبول بما تريده سوريا، بناء على قاعدة الانتصار والمنجزات الميدانية، وفي جانب أخر تكبيل ترامب لمنع القفز لمناطق أخرى سواء في السياسية كطرد الدبلوماسيين، أو عسكريا كتوتير الأوضاع في بالقرب من المجال الحيوي للمصالح الروسية، وبالتالي فإنه من الواضح بأن روسيا استطاعت القيام بمناورات تكتيكية والتفافية على السياسية الأمريكية، وهذا ما بدا واضحا لجهة تراجع النفوذ السياسي لواشنطن في الملف السوري، على الرغم من تصعيد هنا أو هناك ضمن حدود الجغرافية السورية، لكن الثابت ضمن هذا كله، أن هناك احتواء روسي لأمريكا، واتفاق ضمني على هندسة الحلول السياسية، وإن كانت ستأخذ وقتا للتطبيق، لكن يأتي هذا في مقابل الحفاظ على وحدة الدولة السورية ومنع تقسيمها.

ذكرنا بأن الميدان السوري بات ساحة إقليمية ودولية لامتلاك اوراق القوة، فضلا عن أوراق ذهبية أخرى لإحباط أي محاولة أمريكية في أي اتجاه اقليمي و دولي، فالملفات الكبرى في اوروبا وأوكرانيا والعقوبات على روسيا وكذلك الملف الإيراني، كلها ملفات ستجد حلول لها انطلاقا من الترتيبات السياسية في سوريا، و لعل الأزمة بين واشنطن وطهران، تأتي انعكاسا للإخفاق الأمريكي في سوريا، كما أن حرب الناقلات والمضائق تعتبر امتدادا واضحا لانتصار سوريا وحلفاؤها، في المقابل فإن القوى الإقليمية لها طموحاتها وهواجسها أيضا وقادرة على التسبب بخلط الأوراق، ما يفرض على الدولتين العظميين احتواء هذه الطموحات والهواجس أو التكيف معها، لكن ضمن هذا نجحت موسكو في إدارة الصراعات الإقليمية، خاصة مع غياب السياسة الواضحة لواشنطن، وتحديدا في ملفي إيران وسوريا، فحين تصرح وزارة الخارجية الروسية بالقول، بأن أحدا لم يقترح انشاء تحالف دولي لضمان الأمن في منطقة الخليج العربي، وبذات التوقيت نؤيد مفهوم الأمن الجماعي في منطقة الخليج العربي، هذا التصريح هو رسالة واضحة بإمكانية حل الخلافات الأمريكية الغربية مع إيران، لكن ضمن الشروط الروسية، هذه الشروط تتمحور حول إنهاء العبث بالملف السوري، ورفع العقوبات عن روسيا، واحتواء هواجس ايران بغية حل الأزمة معها.

واشنطن باتت في مرحلة انعدام الخيارات، كذلك ترامب بات في على الشجرة السياسية والعسكرية وهو الأن بحاجة لروسيا من أجل إنزاله عن سقف طموحاته التي لم تجلب له سوى الخيبة والانكسار، فالانفتاح الروسي الذكي على كل الدول حقق معادلات رابحة، وأكثر من ذلك، فقد تمكنت موسكو من الدخول العسكري في صلب حلف الناتو، عبر تزويد تركيا بمنظومة اس 400 الصاروخية، ومن المؤكد بأن الكثير من الدول ستحذو حذو تركيا وتطالب بهذه المنظومات المتطورة ضمن إطار التسليح الردعي، كل هذه المعطيات تمكننا من القول بأن روسيا باتت في يدها مفاتيح الحلول لكافة الملفات الإقليمية والدولية، ولم يبق لواشنطن سوى استعراض قوتها والتلويح الوهمي بالعمل العسكري، فهذا الزمن الاستراتيجي الروسي، صنعته الانتصارات السورية والقدرة الذكية لحلفاء سوريا بصوغ المعادلات القوية.

تلويح تركي بعملية عسكرية

بينما تتفاعل وتتصادم في العاصمة الأمريكية رؤيا الصقور والحمائم حول الحرب السورية ألغى مجلس الأمن جلسة بشأن سوريا، يوم الخميس 25 يوليو، بسبب تعرض المبعوث الأممي لحادث سير. وكان من المفترض أن يقدم بيدرسن إحاطة إلى المجلس حول “اللجنة الدستورية” وآخر ما حصله في جولته على الأطراف المعنية بها.

ولم تنتظر أنقرة طويلا حسب تقارير عدة، بعيد انتهاء جولة التفاوض مع ممثل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السورية والمبعوث الأمريكي إلى “التحالف الدولي”، جايمس جيفري، لحشد مسؤوليها العسكريين تحت عنوان “بحث عملية محتملة” شرقي نهر الفرات في سوريا. الاجتماع الذي استضافه وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، جاء صدى لتحذيرات نظيره في الخارجية، مولود جاويش أوغلو، من أن صبر بلاده قد نفد، وأن البديل من “التوافق” مع الولايات المتحدة حول “المنطقة الآمنة”، هو العمل العسكري.

بعد تحذيرات ووعيد من وزيري الخارجية والدفاع، خرج الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، بسقف أعلى، مؤكدا في خطاب حزبي، أن بلاده ستقوم بعمل عسكري في المناطق السورية الحدودية، بمعزل عن نتيجة المفاوضات مع الجانب الأمريكي. وقال ما نصه وفق وسائل الإعلام التركية: “نحن مصممون على تدمير الممر الإرهابي شرقي الفرات، بغض النظر عن كيفية اختتام المفاوضات مع الولايات المتحدة لإقامة منطقة آمنة على طول الحدود السورية”. وأضاف إن “أولئك الذين وضعوا ثقتهم بالقوى الأجنبية في المنطقة، سيتم دفنهم تحت الأرض”، في غمز واضح إلى “وحدات حماية الشعب” الكردية، موضحاً أنه “لا يمكن لأي عقوبة أن تثني تركيا عن أولوية أمنها… نحن في طريقنا نحو إيجاد حل دائم للإرهاب”. اللافت في حديث الرئيس التركي كان إشارته إلى أن بلاده ستعمل على “قطع ارتباط الإرهابيين” في شرقي الفرات بشمال العراق، محددا اسم عمليتين مفترضتين “المخلب 1 و2” تهدفان إلى “إنشاء خط أمني عبر مواجهة الإرهابيين في سهل مسطح خارج الحدود، بدلا من الجبال الشديدة الانحدار على الحدود”. ولفت إلى وجود “تطابق كبير في الرؤى مع إيران والعراق” بشأن “اجتثاث حزب العمال الكردستاني من شمال العراق”.

الوعيد التركي باللجوء إلى الميدان ليس جديدا، ولا يرجح أن يصبح أمرا واقعا إلا في احتمالات ضيقة، بينها عودة المناوشات والقصف المدفعي المتبادل عبر الحدود السورية التركية. وهو بالدرجة الأولى ينصب في إطار الضغط على الجانب الأمريكي لتجنب احتمال التسويف، الذي شهده تنفيذ “خريطة طريق منبج”. رغبة أنقرة في الحسم السريع عبر عنها وزير الدفاع خلال اجتماعه مع كبار الضباط، إذ قال إن بلاده أكدت للجانب الأمريكي أنه “لن يكون هناك أي تغاض عن التأخير، وسنبادر بالفعل إذا اقتضت الضرورة”. واللافت أن كلام أكار حمل في طياته تأكيدا ضمنيا أن أي تصعيد عسكري مفترض لن يتم إلا في حال تأخرت الولايات المتحدة الأمريكية، أي بعد حين. وهو ما يتساوق مع ما نقلته وكالة “رويترز” عن مسؤولين عسكريين أتراك، ومفاده أن أنقرة وواشنطن ستواصلان إجراء محادثات في شأن “المنطقة الآمنة” على رغم التوتر المتزايد بينهما. وقال أحد المسؤولين: “لا يمكننا الإفصاح عن التفاصيل نظرا إلى أن الجهود لا تزال مستمرة. أهدافنا واضحة، الجيش التركي هو القوة الوحيدة القادرة على فعل ذلك”، أي السيطرة على “المنطقة الآمنة”. ولفت المسؤول إلى موقف بلاده المشكك في المقاربة الأمريكية، مضيفا القول: “رغم كل جهودنا، لم يتحقق الهدف النهائي لخريطة طريق منبج، وهو تطهير المنطقة من وحدات حماية الشعب الكردية وجمع الأسلحة الثقيلة وتشكيل إدارة محلية”.

حوار الصم

الضجيج في أنقرة تردد صداه سريعا في أروقة واشنطن، إذ خرجت تصريحات رسمية من وزارة الدفاع الأمريكية تؤكد أن الولايات المتحدة ترى أن “أي عمل عسكري أحادي الجانب من قبل أي طرف سيكون غير مقبول… وخاصة مع احتمال وجود أفراد أمريكيين». وأكدت أن “مثل هذه الأعمال غير مقبولة، وأن التنسيق والتشاور بين الولايات المتحدة وتركيا هو النهج الوحيد لمعالجة القضايا ذات الطابع الأمني”. وأضافت الوزارة إن “المناقشات المكثفة مستمرة مع تركيا، حول آلية أمنية لمعالجة مخاوفها الأمنية المشروعة على طول الحدود التركية السورية، أو في المنطقة المجاورة”.

وزير الخارجية، جاويش أوغلو صرح من جانبه، أن “الأمر المختلف عن جولات التفاوض السابقة، أن هناك أفكارا جديدة حول هوية من سيجري إشراكهم في “حماية” المنطقة الآمنة، والدوريات المشتركة”، مضيفا في الوقت نفسه أن “أشد المواضيع حساسية بالنسبة إلى أنقرة، عمق تلك المنطقة الآمنة، وإبعاد حزب العمال الكردستاني وقوات حماية الشعب الكردية منها… ولم نتوصل إلى اتفاق بشأن هذه القضايا”. وببن أن “مقترح الولايات المتحدة الجديد لإقامة منطقة آمنة في شمال شرق سوريا يشبه إلى حد كبير النموذج المتبع في منبج”، مشيرا إلى أن “خريطة منبج لم تتحقق بالكامل، على الرغم من مرور أكثر من عام على الاتفاق بشأنها”. وشدد على الحاجة إلى التفاهم في أقرب وقت ممكن، لأن تركيا “نفد صبرها”. وبالتوازي، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، للمبعوث الأمريكي، إن إنشاء “المنطقة الآمنة” لن يحصل إلا من خلال خطة تلبي تطلعات أنقرة. وجاء ذلك خلال اجتماع عقده قالن مع جيفري، في المجمع الرئاسي التركي. وشدد قالن، خلال اللقاء، على “أولويات الأمن القومي” لبلاده بنحو واضح، على حد ما نقلت عنه وكالة “الأناضول”. وتعكس التصريحات التركية، غياب الثقة بالمشاريع الأمريكية المستجدة، استنادا إلى العقبات التي واجهت التعاون في ملف منبج وسواه، والوعود بسحب “وحدات حماية الشعب” الكردية منها.

إلى جانب ما رشح من موقف تركي لافت إزاء التصور الأمريكي لملف “المنطقة الآمنة”، تحدث جاويش أوغلو عن احتمال إعلان تشكيل “اللجنة الدستورية” خلال الأيام المقبلة، قائلا إنه ناقش ذلك في آخر اتصال هاتفي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف. وأضاف أن الأطراف “توافقت على صيغة 4+2 لحل معضلة ممثلي المجتمع المدني”، مشيرا إلى أنه «حُيِّدَت الخلافات الحاصلة حول أعضاء اللجنة، ويجري العمل على النظام الداخلي لها، وكيفية عملها». ولم تقتصر المكالمة مع لافروف على ملف “الدستورية”، إذ لفت وزير الخارجية التركية إلى أنه طلب من موسكو “وقف الهجمات التي تستهدف منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب”.

وشنت تركيا هجومين واسعي النطاق في سوريا أحدهما ضد مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية في 2016 و2018. وتوفر الولايات المتحدة دعما واسعا لمقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا.

المنطقة الامنة معروفة بكونها سلة سوريا الغنية ببترولها وغازها، وهي ان تمت فعلا حسب الخطة التركية ستحدد جزء من معالم الحل السياسي في سوريا وستضع بيد أنقرة مزيدا من أوراق القوة على

طاولة الحل، بيد انه لا يمكن التنبؤ بتفاصيل المشروع ومصير قوات سوريا الديمقراطية “قسد” الذي يعتمد على الصيغة النهائية لآلية الانسحاب الأمريكي ان حصل، ويبدو واضحا ان الولايات المتحدة لا ترغب بخسارة حليفها المحلي بشكل كامل، كونها لن تستطيع تأمين مقاتلين محليين ملتزمين بأهدافها ومصالحها، وهو ما يرجح إعادة هيكلة هذه الميليشيات بصورة ما حتى يمكن السيطرة من خلالها على قرارها العسكري وتطويعها بما يراعي المخاوف الأمنية التركية، وضمان رضا الحليف الاستراتيجي، وهذا ما يرجح احتمالية تحويلها إلى قوات حماية حدود، او قوات شرطة وأمن محليين.

القاعدة الأساسية للإرهاب

لا توافق بين واشنطن وأنقرة على تفاصيل مشروع “المنطقة الآمنة”. هذا ملخص ما رشح عن سلسلة الاجتماعات التي عقدها ممثل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السورية، جايمس جيفري، في تركيا ما بين 22 و24 يوليو 2019. الزيارة اللافتة في توقيتها لم تكن مفتاحا لحلحلة عقد التوافق على مصير مناطق شرقي الفرات الحدودية، بل مناسبة جديدة لتثبيت التباينات الأمريكية التركية. ولأن هذه التباينات تتخطى ملف شمال شرق سوريا إلى مصالح إقليمية واستراتيجية، يبدو تحقيق التفاهم على حل يرضي الطرفين ويناسب تموضعهما وتحالفاتهما معلقا إلى حين. وتؤدي خطوات واشنطن المتسارعة لتنفيذ مشروع “القوات المتعددة الجنسيات”، بالشراكة مع “قوات محلية”، دورا بارزا في دفع أنقرة إلى استخدام ورقة التهديد بالتصعيد العسكري، وتجييش بعض القوى “المحلية” ضد خط “قوات سوريا الديموقراطية”، في محاولة لتعجيل حسم عملية التفاوض.

النقاش التركي الأمريكي حول “المنطقة الآمنة” استجلب ردا من دمشق، التي رفضت “أي شكل من أشكال التفاهمات الأمريكية التركية، والتي تشكل اعتداء صارخا على سيادة سوريا ووحدتها”، متهمة النظام التركي بأنه “شكل ولا يزال القاعدة الأساسية للإرهاب، وقدم له كل أشكال الدعم العسكري واللوجستي”. وقال مصدر في وزارة الخارجية السورية إن دمشق “نبهت مرارا إلى مخاطر المشروع الأمريكي في سوريا، والذي يستهدف كل السوريين، وتجدد دعوتها بعض الأطراف التي تماهت مع هذا المشروع للعودة إلى الحاضنة الوطنية وألا تكون أداة خاسرة في هذا الاستهداف الدنيء لوحدة الوطن السوري”.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close