خيانة الامانة ظاهرة طارئة في المجتمع العراقي

ادهم ابراهيم

نتحدث هنا عن خيانة الامانة من المنظور الاجتماعي. وسواء عرفناها لغويا او قانونيا، فهي في جميع الاحوال خيانة الشخص لما اؤتمن عليه من مال او ممتلكات، ويستوي في ذلك المواطن العادي والسياسي

يقول العلامة السيد حسين فضل الله ان الامانة هي قيمة إنسانية أخلاقية، تنطلق من عهدٍ بين صاحب المال الذي يتركه على نحو الأمانة، وبين الذي يحتفظ بالأمانة، فصاحب المال يعطي الإنسان المؤتمَن الثقة به بأنه سيحفظ له أمانته، والمؤتمَن يعطيه العهد بأنه سوف يحفظ أمانته ويرعاها ولا يخونها
وقال الصادق عليه السلام. لاتغتروا بصلاتهم ولا بصيامهم فان الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم. ولكن اختبروهم عند صدق الحديث واداء الامانة

وقد شرفً اللّه تعالى الامانة والمتحلّين بها ، بقوله : (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)ء

ونظام الحكم عند المسلمين يستند على دعامتين القوة والامانة. وذلك بالاستناد الى قوله تعالى : ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ). حيث ان ولاية امر الناس تمثل امانة عظيمة في رقابهم
والامانة واجبة من قوله تعالى ( ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها. واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)ء

واذا كان الامر كذلك فلماذا انحرفت الاحزاب والكتل الاسلامية الحاكمة في العراق وخانت الامانة وغدرت بالعراقيين منذ مجيئها للسلطة على يد المحتل الامريكي والى يومنا الحاضر، بل ازدادت شراهة وغلو في السطو على الاموال. ولم يبق اي مرفق من مرافق الدولة والمجتمع الا ودخلوا فيه وابتزوه بشتى الوسائل ولم تسلم حتى الطبقات الفقيرة من المتقاعدين والكسبة والارامل من تسلطهم وسرقتهم
وما الفساد المستشري في كل مرفق من مرافق الدولة والمجتمع الا وجها من وجوه خيانة الامانة

ولم تقتصر خيانة الامانة على قيادات الاحزاب والمتنفذين فقط وهي بالتاكيد طبقة سياسية فاسدة، مارقة لاتراعي القيم الدينية ولا الاخلاقية . ولكن الكارثة الكبرى انها اصبحت نموذجا لكثير من الافراد ، سواء الموظفين منهم او الاشخاص العاديين ، حيث عمت خيانة الامانة والرشوة والسرقة في المجتمع بشكل خطير حتى اصبح المرء في كثير من الاحيان لايأتمن على نفسه في مرفق عام ولا من صديقه او جاره او اقرباءه المقربين
ان الانسان في اي مكان لايمكن ان يتعايش مع اخيه الانسان دون توفر الحد الادنى من الاخلاق العامة والامانة، فهي تسهل التعامل بين الناس من خلال الثقة ، وتوفير الامان والالفة وتماسك المجتمع

وهنا تمتزج الامانة مع احترام الغير والصدق وحفظ العهود وصون اعراض الناس وغيرها من الاخلاق ، كما تحقق التصالح مع النفس والشعور بالرضى، وهي من اهم مميزات الانسان السوي لانها تجعله ينسجم مع مجتمعه ومحيطه وعائلته

كما ان خيانة الامانة تجر وراءها كل الصفات السيئة من الكذب والنفاق والغدر. وتؤدي الى تخلف الفرد والمجتمع وتعطل التقدم والحضارة، وتسبب في كثير من الاشكالات والامراض النفسية ، لكونها تعطل الفكر الانساني السوي والعمل الجماعي

ومن ذلك يتضح ان خيانة الامانة مسألة اخلاقية وهي بعيدة عن المظاهر الدينية، فكثير من الناس يمارسون طقوسهم الدينية من صلاة وصوم وحج وزيارة الاماكن المقدسة، ولكنهم في نفس الوقت يسرقون ويغشون ويخونون ويكذبون ويمارسون النصب والاحتيال والمماطلة في اداء الاعمال

في مجتمعنا العراقي لم نشهد سابقا مثل هذا الكم من الغش والفساد وخيانة الامانة والانانية المفرطة. وهي عادات طارئة. حيث ان الشعب العراقي من الشعوب الحضارية العريقة وكان على الدوام يمثل قدوة للشعوب والمجتمعات القريبة والبعيدة، وكان العراقي صاحب غيرة ونخوة وامانة وشهامة وشجاعة ووفاء واخلاص ومساعدة الغير من المحتاجين والمساكين وصاحب كرم وجود. وغيرها من الصفات الحميدة
واذا كانوا كذلك فلماذا انتكسوا وطغت عليهم العادات النفعية والطمع والنفاق وخيانة الامانة بدل القيم النبيلة العليا
اغلب الظن ان هذا الانقلاب في المفاهيم الاخلاقية للشعب العراقي جائت ثم سادت بعد الاحتلال الامريكي للعراق وما رافقها من تشجيع المحتل للسرقة والنهب على نطاق واسع بما سميت بالحواسم . ومارافقها من جلب طغمة فاسدة من الحكام والمتنفذين الذين حكموا البلد باسم الاسلام السياسي واشاعوا قيم الرشوة والسرقة واباحة المال العام. وهذه كلها من مظاهر خيانة الامانة والغدر والاحتيال

من الاقوال المشهورة عند العرب، ان الناس على دين ملوكهم. وهذا صحيح خصوصا في موضوعنا هذا. ولا يمكن تغيير المجتمع وجعل الناس اسوياء الا بازالة الطبقة الحاكمة الفاسدة كليا وتغيير العملية السياسية برمتها. حيث ان استمرارها سيؤدي الى مزيد من الانتكاسات الاجتماعية ولاجيال عديدة

ان خيانة الامانة تمثل منتهى الانحطاط الانساني وهي توصيف واضح عن سوء الاخلاق وسقوطها وابتعادها عن كل القيم الاخلاقية المتعارف عليها قديما وحديثا

ولذلك فنحن بحاجة الى ثورة اخلاقية تعيد قيم التمدن والحضارة لهذا الشعب العريق وتستبعد كل الاشخاص من ذوي المفاهيم الاخلاقية الفاسدة والمنحرفة والنزعات الانتقامية المريضة البعيدة عن عادات وتقاليد المجتمع العراقي المتحضر . ولابد من اعادة زرع القيم الاخلاقية النبيلة في الاجيال الجديدة من الصدق والتسامح والوفاء ونشر الوعي والتثقيف بها في البيت والمدرسة والشارع
ادهم ابراهيم

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close