يللي يريد وصف الواقع, التزام الأمير بالأخلاق…

يللي يريد وصف الواقع, التزام الأمير بالأخلاق,والهم الطغاة بمكر ودهاء من اجل البقاء في السلطة ووجوبا اقتراف الاساءات

د.كرار حيدر الموسوي

الفلسفة السياسية الكلاسيكية القديمة كفلسفة أفلاطون وأرسطو راهنتْ على عقل الإنسان، أو لنقل: قدمتْ النظرة إلى الإنسان بصفته كائنًا عاقلا على بقية النظرات، وسعتْ إلى تعزيز هذا فيه، فالواجب والطبيعي عندهم أن يكون عقل الإنسان هو السيد المسيطر على الشهوات والغرائز.

أما عند نيكولو ماكيافيللي أو مكيافيللي أو ميكافيلّي أو ميكافيللي أو مكيافيلي -باختلاف طرق كتابة هذا الاسم- فالغرائز هي المسيطرة قبل كل شيء.. فالحاكم الطيب الذي يتصرف بحكمة ورقي ويظهر الخير والفضيلة والأخلاق الحميدة دائمًا، أو ينتظر من المحكومين ردود أفعال حسنة عاقلة، سيفشل بالتأكيد في رأي صاحبنا؛ لأن الشعب سيعتبره ضعيفًا وبالتالي يحتقره. وسيخدعه خصومه أيضًا ويمكرون به.هناك بشر قذرون منحطون سمعتهم في الحضيض كما يقال، وهم الذين اشتهروا بالسلوكيات الخسيسة المشينة.. وهناك في التاريخ دول منحطة أيضًا، وهي التي عُرفت بالنوايا والأطماع والجرائم والممارسات السياسية السيئة.. كل ذلك معروف والحديث عنه مألوف؛ أما الغريب الذي قد يلفت الانتباه هو الحديث عن كتب قذرة منحطة أيضًا.. فهل هناك حقًا كتب سيئة السمعة؟!حصل كتاب «الأمير» الذي ألفه المفكر الإيطالي مكيافيللي على هذه السمعة القذرة منذ مئات السنين، لأن اتجاهه المستهجن المقيت، يشرح ويعلّم السياسيين وغيرهم فنَّ الخسّة، ويبرر السلوكيات الذميمة وإتيان الفضائح مهما بلغت من الدناءة والحقارة، بشرط خدمتها للسلطة والمنفعة الشخصيتين.ولذلك ظل مصطلح «المكيافيللية» في نظر الكثيرين وصمة عار مخزية حتى اليوم، يُسَبُّ به من يمارس السلوكيات المشينة أو يسلك المسالك الرديئة المستقبحة التي بررها وأوصى بها ميكافيلي، وخاصة في المجال السياسي.. ويروى أنهم طلبوا من مكيافيللي أن يلعن الشيطان ويتبرأ من كتبه، فقال: ليس هذا الوقت المناسب لاكتساب الأعداء!.لقد كثر الكلام عن هذا الكتاب الذي يُدرَّس في أغلب الأقسام السياسية في جامعات العالم، والذي قرأه -وربما حفظه عن ظهر قلب- كل رجال السياسة والحكام، لا سيما الذين عرفوا بالجبروت والدناءة وانعدام المبادئ والقيم والأخلاق الحميدة، حتى لو أنكروا ذلك.. لقد كثر الكلام حتى ارتبط اسم هذا الإنسان عند عامة الناس بالصفات الدنيئة، كالخسة والكذب والخداع والمراوغة والتسلق والاستغلال وانعدام الضمير.وامتد هذا الارتباط إلى عيادات أطباء النفس والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، فأصبحوا يستخدمون مصطلح «الميكافيلية» لوصف وتشخيص كل مغرور ومحتال وخائن، لا يعترف إلا بالمكر والقوة والمراوغة والأساليب اللاأخلاقية في الوصول إلى الحاجات وتحقيق الرغبات والمطامع.ظلت سمعة الكتاب سيئة، إلى حد تحريم الاطلاع عليه في كثير من المجتمعات، ومن ذلك أن روما منعته عام 1559م، وأحرقتْ كلَّ النسخ الموجودة منه.. ولكن الحال تغيّر نسبيًا عند حلول عصر النهضة، فبرز بعض المدافعين عن ماكيافيلِّي وتُرجم كتابه، الذي وصل إلى أفضل درجات الاهتمام به في القرن الثامن عشر، عندما أثنى «جان جاك روسو» على كثير من أفكاره، ومدحه «فيخته» أيضًا من عدة جوانب، بل وشهد له هيجل بالعبقرية، حتى اعتبر ماكيافيللي أحد الأركان التي قام عليها عصر التنوير في أوروبا.وهذا لا يستلزم بالضرورة أن هؤلاء وغيرهم من الفلاسفة الذين أثنوا على بعض أفكار ميكافيللي أو على كثير منها، أو الذين أبرزوا أهميته وتأثيره على الواقع، وخاصة الواقع السياسي في ذلك العصر.. لا يستلزم حديثهم عنه أنهم يتفقون معه في كلِّ شيء.وبلغ الاهتمام ذروته حين سلب ألباب كثير من الحكام، ومنهم مثلا «بنيتو موسيليني» –حاكم إيطاليا الفاشي- الذي اختار كتاب «الأمير» موضوعاً لأطروحته للدكتوراه.. وكذلك «هتلر» فقد كان -كما يُروى- يقرأ كتاب الأمير قبل أن ينام كل ليلة.. وغيرهم من الملوك والحكام، خاصة الجبابرة الطغاة البعيدين عن الأخلاق والإنسانية والقيم النبيلة.وخلاصة هذا الكتاب أنه أظهر العمل السياسي عاريًا دون زيادات غيبية أو لاهوتية أو أخلاقية، والموضوع الرئيسي الذي يتناوله الكتاب هو: كيف يمكن أن تكون السياسة صنعة فعّالة؟ ما الواجب على الحاكم ليحقق النجاح ويحافظ على سلطته؟!بدأتْ مع مكيافيللي الفلسفة السياسية في العصر الحديث كما يرى البعض، التي ترى أن الدولة كيان تنظيمي أنجزه الناس بأنفسهم. وتحاول النظر إلى السياسة بلا نظارة الأخلاق، على الرغم من أن ماكيافيللي ذاته لم يكن في ذلك غير أخلاقي، إلا أنه كان يترك الأخلاق في فلسف ته خارجًا أمام الباب، دون التشكيك فيها بصورة مباشرة متعمدة واعية.يعتبر ماكيافيللي مخترع التعاليم السياسية للحكام، وتقوم تعاليمه على الخبرة والتجربة، وقد استقى نظرته السياسية من الأحداث السياسية في عصره من جهة، ومن الوقائع التي رواها المؤرخون من جهة ثانية.مر بتجارب قاسية كالسجن والنفي والتعذيب، ولكن ولادته الحقيقية كفيلسوف سياسي كانت في المنفى، حيث تفرَّغ للقراءة وإعداد مذكراته الكثيرة التي يأتي على رأسها ما نحن بصدده وهو كتاب «الأمير»، الذي بدأ في تأليفه في النصف الثاني من عام 1513م، وانتهى منه في عيد الميلاد من نفس العام.القيم الأخلاقية عنده لا تناسب الأمراء في عملهم السياسي؛ لأنهم لا يعيشون في عالم الملائكة، بل في عالم التآمر والحقد والصراع على السلطة.. يقول مثلا في كتابه: «لهذا يجب على الأمير الذي يريد أن يحافظ على مكانته، أن يكون قادرًا على العمل غير الطيب، وأن يكون قادرًا على فعل الخير وتركه حسبما تتطلب الظروف».ليس له صلة بالأمير الكامل أخلاقيًا، أو الملك الحكيم الفاضل الفيلسوف المؤدب الصالح، الذي حلم به أفلاطون وغيره، بل كان ميكافيللي ينظر إلى أرض الحقيقة والواقع فقط. وكان يقول:»إني أترك التخيّلات عن الأمراء وأتحدث عن الواقع».في نظرية مكيافيللي ينبغي على الحاكم الذي يرغب في النجاح أن يتجه إلى غرائز الإنسان لا إلى عقله، فيعزف عليها بإتقان كما يعزف الإنسان على آلة موسيقية.للفلسفة السياسية عند ماكيافيلي مصطلحات كثيرة، من أهمها -مثلاً- مصطلح «حسن الحظ» وتكرر هذا المصطلح عند حديثه عن الاستيلاء على الحكم، وأنه فضيلة وقوة وانتصار مهما كانت الأسباب، ويحتاج مخاطرة عالية، ويحتاج مهارة فائقة، تظهر مثلا في الاستيلاء على الحكم بمساعدة قوة أجنبية، أو بمساعدة القدر، أو بـ «حسن الحظ».والخلاصة هي أن سياسة مكيافيللي سياسة انتهازية، لا تعترف إلا بالمنفعة والمصلحة، ولا مكان فيها للأخلاق أبدًا؛ فكل مفيد ضروري عنده مهما بلغ من الخزي والانحطاط، والغايات تبرر الوسائل في كل الأحوال.وفي هذا العصر الذي أكثر فيه السياسيون والمهتمون بالسياسة من استخدام مصطلح «الفوضى الخلاقة»، يحسنُ بنا أن نشير إلى أن مفهوم هذه النظرية تكرر عند ميكافيللي بعدة أساليب، إلى الحد الذي جعل بعض الباحثين يعدّه مؤسسًا لهذه النظرية، ومن ذلك قوله مثلاً في كتابه الأمير:«الشجاعة تُنتج السلم، والسلم يُنتج الراحة، والراحة تتبعها فوضى، والفوضى تؤدي إلى الخراب، ومن الفوضى ينشأ النظام، والنظام يقود إلى الشجاعة».كما تجدر الإشارة إلى أن التاريخ سجّل لمكيافيللي أنه كان من أوائل الفلاسفة الذين طالبوا –بقوة ووضوح وجرأة- بإبعاد المؤسسة الدينية عن الحكم، رغم شدة الخطر الذي يحيط بمن يطالب بمثل هذه المطالبة في تلك العصور.وأختم ببيتين رائعين لفيلسوف المعرّة وأديبها الكبير أبي العلاء، الذي فهم أكاذيب السياسة وخسة كثير من السياسيين، واحتقر هذه الاتجاهات السياسية النتنة الموغلة في الرذيلة -رغم أنه سبق ميكافيللي بقرون طويلة
أعتقد أنه ما من طاغية من طغاة العالم كان بالفعل في حاجة إلى “نصائح” ميكافيللي، فهم بدون حاجة إليه يطبّقون طرقه في الوصول إلى السلطة وممارستها، لكن الكتاب ذو دلالة كبيرة بالفعل لأنه يشكل أول عمل مكتوب يوضح بصورة صريحة جلية منطق السياسة المعاصرة (التي أسّسها الغرب ونقلها للآخرين). وفي عمل مكيافيلي نجد بصورة واضحة صريحة لا نفاق فيها ولا مجاملة مبدأ فصل السياسة عن الأخلاق والقيم المتجاوزة لمصلحة النظام السياسي. وبهذا يعد الكتاب آية من آيات “العقلانية” كما تفهمها الحضارة الغربية الحديثة، أي المبدأ الذي يسميه الأستاذ عبد الوهاب المسيري “العلمانية الشاملة” وتعني لا فصل الدولة عن الدين بل فصل القيم الأخلاقية المطلقة عن الحياة كلها

ينطلق ميكافيللي من أنه يريد وصف الواقع كما هو وليس الواقع المثالي كما يتخيله هذا الكاتب أو ذاك: “لا أود الوصول إلا إلى الحقيقة وليس تخيلها، وإن الأصح هو أن نكتب ما يفيد الآخرين وليس ما نتخيله، فقد تخيل الكثيرون جمهوريات لم ترها عين إنسان أو تخطر على ذهن آخرين غيرهم وليس لها وجود في الحياة التي نحياها، وشتان بين حياتنا كما نحياها وبين ما ينبغي أن تكون

يناقش ميكافيللي دوماً الأفعال لا من منظور الحكم الأخلاقي المطلق الذي يمكن أن يطلق عليها بل من منظور ملاءمتها لتأدية الغاية التي رأيناها وهي غاية الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها، وفي سبيل ذلك لا يناصر ميكافيللي القتل العشوائي للناس لكنه يراه ضرورياً عند لزومه! قتل أولفرتو خاله جيوفاني الذي رباه ومعه أعيان المدينة التي استقبلته بحفاوة و ميكافيللي يبرر ذلك: “كان جميع من قتلهم يستطيع إفساد الموقف لو ظلوا أحياء كما أنه حصّن نفسه بالجديد من الأنظمة سواء المدنية أو العسكرية بطريقة تجعله لا يأمن على نفسه فقط خلال عام واحد يقضيه في مدينة “فيرمو” ولكنه أيضاً يصبح مصدر خوف لجميع جيرانه”. وينصح ميكافيللي من يستولي على ولاية جديدة أن يرتكب الجرائم “الضرورية” مرة واحدة لكي لا يضطر أن يعود إليها في وقت آخر! وفي رأيه أن”الأخطاء” يجب أن ترتكب دفعة واحدة أما المزايا فيجب إعطاؤها إلى الرعايا جرعة جرعة حتى يستمتعوا بها ويشعروا بفائدتها!

و ينصح ميكافيللي أن لا يعتمد إلا على قواه الخاصة، وأن يظل على حذر ممن يساعده في الوصول إلى السلطة. وفي كثير من الحالات على الأمير أن يصفّي من ساعدوه ويبني قواه الخاصة المؤلفة من أناس أحسن هو إليهم ولم يحسنوا هم إليه! على أنه لا يغفل الإشارة إلى فوائد محبة الشعب للأمير خصوصاً في حالات مهاجمة العدو، ولكنه دوماً ينظر إلى هذه المحبة بعين التشكك وينصح الأمير بوسائل “لدعمها” من إغراء أحياناً وتخويف أحياناً أخرى!

الأمير النموذجي هو الأمير الذي يفكر في الحرب حتى في أوقات السلم: “ينبغي للأمير ألا تكون له غاية أو فكرة سوى الحرب، ونظامها…فهذا هو الفن الوحيد اللازم لمن يتولى القيادة” وهو يقول إننا لن نرى رجلاً مسلحاً يطيع رجلاً أعزل!

يبحث مكيافيلي في موضوع التزام الأمير بالأخلاق، وهو على مألوف طريقته لا يبحث في الموضوع بصورة مجردة بل يبحث فيه من منظور تأثيره على غاية الاحتفاظ بالسلطة. وهو ينطلق من رؤية متشائمة للطبع البشري: “من الممكن أن نقول عن عامة البشر أنهم ينكرون المعروف ويحبون المراوغة في الحديث ومراؤون… هم أعوانك طالما استفادوا منك… ولكن حين تقترب الأخطار ينقلبون عليك”).

ألهم كتاب “الأمير” الطغاة والجبابرة منذ القرن السادس عشر مرورا بحقبة هتلر وموسيليني الذي أُشيع عنه أنه اختار هذا الكتاب موضوعا لرسالة الدكتوراه! ووصولا إلى طغاة عصرنا هذا الذين تتلمذوا على الفكر الميكافيللي ويطبقونه بحذافيره على شعوبهم. ميكافيللي اشتهر في عالمنا العربي بنظرية “الغاية تبرر الوسيلة” التي تجرد الانتهازية في أخس صوره لها ووردت هذه العبارة تحديدا في الفصل الثامن عشر من ذات الكتاب. دافع ميكافيللي في كتابه عن نهجه شارحا بالتفصيل المكثف العميق أساليب سيطرة الحكام على الشعوب. حيث استنتج أن على الأمير أن لا يعبأ بأن يوصف بالشدة ما دامت هذه الشدة من أجل الحفاظ على مواطنيه وولائهم له، فالحريات هنا تعتبر مسألة فردية صغيرة لا مانع من انتهاكها إذا ما أردنا الحفاظ على وحدة وتماسك البلاد. فمن يصبح حاكم لمدينة حرة ولا يدمرها فليتوقع أن تقضي عليه لإنها ستجد دائما الدافع للتمرد باسم الحرية وباسم أحوالها القديمة ومثال ذلك فقد الإسبارطيون السيطرة على أثينا، بينما خرب الرومان قرطاجنة من أجل السيطرة عليها فلم يفقدوها.

درس عملي للعامة بينما مجرد اقصائهم هو خطر يتهدد الحكم ووحدة الدولة لأن وجودهم كافي بخلق جو من البلبة وفكرهم يدفع إلى المقاومة وبها لن تنعم البلاد برائحة الاستقرار. ميكافيللي برر هذا البطش الذي ينادي به ذاكرا أننا قد نتعجب بأن الأعمال الصالحة قد تجلب الكراهية، مثلا إذا تحدثنا عن الإسكندر الذي كان طيباً لدرجة أن العامة اعتبروه مخنثاً لأنه لم يعدم أحداً خلال الأربع عشرة سنة التي قضاها في الحكم دون إجراء محاكمة عادلة له! واعتبروه أنه أجاز لوالدته أن تسيطر عليه، فاحتقره الناس مما جعل الجيش يتآمر عليه ويقتله.

ميكافيللي ذكر أنه من الطبيعي أن جميع الأمراء يريدون الظهور بمظهر الرحمة لا القسوة، ولكن عليهم التأكد ألا يسيء استخدام هذه الرحمة. لا ينبغي على الأمير التردد في إظهار القسوة للإبقاء على رعاياه متحدين، لأنه بقسوته هذه هو أكثر رحمة من أولئك الذين يسمحون بظهور الفوضى بسبب لينهم، فالأضمن للأمير أن يكون مهابًا على أن يكون محبوبًا.

المكر بالنسبة لميكافيللي يجب أن يكون أسلوب حياة معجون في كل شيء يفعله الأمير يُشعره بالمتعة عندما يخدع العامة ويُشعره بالمتعة المضاعفة عندما يخدع المخادعين. فهنا اعتبر المكر فضيلة الحكم وأورده في كل فصول كتابه فنجده يهمس لأميره بأن لا يحاول أبداً أن يكسب بالقوة ما يمكنه كسبه بالخداع، فالأمراء الذين حققوا أعمالا عظيمة هم من لم يصن العهد إلا قليلا. وعلى الأمير أن يتعلم المكر من الحيوانات المفترسة فيكون ثعلباً يتجنب الفخاخ وفي ذات الوقت يكون أسداً يخيف الذئاب ومن يريد أن يكون أسد فقط فهو لا يفهم الأمور جيدا.

مكيافيللي لا يتصور الأمير كرجل لديه مسؤوليات كثيرة، بل مسؤوليته الوحيدة هي ضمان استقرار الدولة التي يحكمها فينبغي أن لا تكون له غاية أو فكرة سوى الحرب وطرق تنظيمها، وإلا يتخذ لدراسته موضوعا آخر سواها. فشتان بين رجل مسلح ورجل أعزل ومهما كان الأمر فلن نجد رجلاً مسلحا يطيع رجل أعزل وهو بكامل إرادته. النفاق خصلة من خصال الخطابة لدى ميكافيللي فعلى الأمير هنا التظاهر بالتدين، فالناس عامة يحكمون بما يرون بأعينهم أكثر مما يحكمون بما يلمسون بإيديهم، لأن الكل يستطيع أن يري ولكن قلة قليلة تستطيع أن تدرك ما أنت عليه. ميكافيللي تيقن واستوعب أن الصراع السياسي واستقرار الحكم لا يعترف بالقيم الأخلاقية ولا يستند إليها، فهل هناك من حكامنا من لا يتبنى فكره؟

طريق الطغاة واحد.. فمن يعتبر؟كان نيكولاى شاوشيسكو يحكم رومانيا بالبنادق والعسس والاجهزة الامنية.. والحزب الشيوعى المهيب الذى أصبح اقطاعية خاصة للرئيس يرفع من يشاء ويخفض من يشاء ويعتقل من يشاء

كان يظن أن الدوله ملكا خاصا له والحزب من خلفه يعيد تنصيبه مرارا وتكرارا إلها أوحدا وقائدا أبديا، لا يردعه هتاف الهاتفين ولا أوراق الدستور ولا معاناة الجوعى وهزال الفقراء، يهرول من قصره إلى قصره ومن مؤتمر إلى مؤتمر ومن جماهير محشودة بالتخويف والترغيف إلى مسيرات محفودة بالمال والعصى.

كان كل شيئ يصنع على مقاس أحلامه وامنياته لا تأبه بالعاطلين ولا بالمرضى ولا ضيق الحياة وانسداد الأفق، كانت الينا شاوشيسكو السيدة الأولى صاحبة المال والصولجان والجمعيات الخيرية (الكذب) ترفل من نعيم إلى نعيم ومن أضواء الفلاشات إلى أضواء الاستديوهات والبرامج وتبتلع موارد الدولة.

كان كل شيئ يمضى على وتيرة واحدة ولم يظنوا أبدا أن الزمان يمضى بهم إلى محض جثتين بزخات الرصاص الذي طالما وجهوه لشعبهم وتحت أصابع عساكر طالما حسبوهم كلاب حراستهم، كان نهار 25 ديسمبر من العام 1989 رسالة للعالم أن الطغاة إذا مضوا فى طريق شاوشيسكو فهذا مصيرهم وأصبح جيفة وتبدد حزبه الحاكم

كان زين العابدين بن على يظن أن التونسيين أصبحوا كائنات مدجنة في مزرعته الواسعه يفعل فيهم وبهم ما شاء كيف شاء وخلفه ترسانة من الأجهزة الأمنية ولا قانون يعلو فوق رغبات الرئيس فمنذ أن صعد إلى السلطة فى العام 1987 لم يقل له أحد لا.. وكانت زوجته ليلى الطرابلسي تنهب الأموال دون منطق أو عقل يخبرها أن من هم فى سدة الحكم لا يحتاجون للأموال فكل شيئ مجاب وليس عليها إلا أن تطلب وكان الإعلام يسبح بحمده وحمدها ويمجد توجيهاتهم ورؤيتهم الحصيفة وقيادتهم الرشيدة ولم يستيقظوا إلا على أصوات الزحف ليهرولوا تاركين كل شيء منبوذين من وطنهم ويعلموا أن كل شيئ كان أكذوبه وأن فقاعة السلطة انفثأت وأصبحوا يبحثون عن ملاذ وملجأ.

ظن القذافى أنه والد كل الليبيين وأنه مصدر عزهم وثروتهم وسبب حياتهم، كان يمن عليهم بكل شيئ ولم يدر ان كل شيئ لا يساوى نسمة حرية كان أمنه يحصى الأنفاس والأحلام ورغبات الحالمين وخيالات السائرين فى الطرقات، كان يظن أنه الأوحد والأول والآخر والظاهر وله ملك ليبيا ونهرها العظيم وبترولها المنساب، كان القائد والزعيم والإمام الملهم ويصرخ فى الناس.. من انتم؟ فلا شخص فى ليبيا له قيمة أو معنى إلا هو، ليصبح جثة متعفنة على مرتبة قذرة.

كان على عبدالله صالح يلقب بالراقص على رؤوس الثعابين.. يجيد فنون الخداع وألاعيب السياسة، يشتري قبيلة ويبيع أخرى يوالي زعيما ويعادي آخر يعين قيادات ويقيل آخرين، كان داهية وماكر يصعد جبل ويهبط وادي ولا يسمع إلا الهتافات والأتباع يرقصون ظن أن اليمن ليس إلا ملكا خاصا له لم يخلقه الله إلا من أجله، ولم يستيقظ إلا وهو جثة متكومة على ظهر لاندكروزر بيك اب تشابه تماما جثث ضحاياه مصحوبة باللعنات وتكبيرات الحمد.

قبل مقتل تشاوسيسكو بنصف عام كان البشير يصعد إلى سدة الحكم ومن خلفه الحركة الإسلامية تماما كالحزب الشيوعي فى رومانيا، أصبحت الحركة الإسلامية محض مكتب علاقات عامة للرئيس يختم على القرارات ويؤكد على الأوامر ويعيد حياكة الدستور، وهو يرفع من يشاء يذهب بإبراهيم محمود ويأتي بفيصل يقيل غندور ويعين الدرديري يركل نافع ويصفع على عثمان ويأتى بابن خالته رئيسا للوزراء ولا قيمة لدستور ولا لدورة رئاسية وكلهم خائفون.. خائفون البطش وفقدان المصالح، وعربات الأمن تخترق الطرقات.. وأسلحتهم مشهرة تماما كالذين حموا تشاوسيسكو وصالح وبن على والقذافي، ولكن.. طريق الطغاة واحد.

بن سلمان بين “ميكافيللي” و”كارل شميت”
ينصح المفكر والفيلسوف الإيطالي نيكولو ميكافيلي (١٤٦٩-١٥٢٧م) الأمراء بقوله “هل من الأفضل أن تكون مهاباً أم محبوباً؟ الإجابة هي من الجيد أن تكون مُهاباً ومحبوباً، ولكن من الصعب تحقيق ذلك، والأضمن أن تكون مهاباً على أن تكون محبوباً، إذا لم تستطع أن تكون كليهما؟”. وبعده بثلاثة قرون سيخبرنا المفكر والفيلسوف الألماني كارل شميت (١٨٨٨-١٩٨٥م) بأن السياسة هي قبل كل شيء “القدرة على استكشاف العدو”.

عمل كثير من الأمراء بنصيحة “ميكافيلي” لكن النتائج لم تكن دائما كما أراده لهم، فلا حبٍ كسبوا، ولا هيبة نفعتهم حين قامت الشعوب. فبعد سنوات قليلة من صدور كتابه “الأمير” الذي ضمنه النصيحة المشار إليها، سقط أمراء الإقطاع في إيطاليا وأوروبا. كما أطاحت الثورات بالملوك الذين احتكروا الدين وحكموا بالحق الإلهي، بعدما انتصروا على باباوات الكنيسة الذين رأوا في أنفسهم التجسيد الأخلاقي والسياسي للحقيقة. وبالمثل، حاول الزعيم الألماني “أدولف هتلر” أن يعمل بنصائح “شميت”، فخاض حربه العالمية انطلاقاً من رؤية واقعية محضة تعتبر القوة العارية هي ليس فقط السبيل الأمثل، وربما الوحيد، للحفاظ على الدولة، وإنما أيضا تجسيداً حقيقياً لمعناها باعتبارها لاهوتاً سياسياً. وما هي إلا سنوات قليلة، حتى هُزم “هتلر” وانتحر بإطلاق الرصاص في فمه، وانتهت معه أسطورة النازية التي حاول أن يصنعها ويرسخها للأبد.

تثير الأحداث المتسارعة بالسعودية والتي كان آخرها حملة الاعتقالات التي طالت أمراء نافذين، ووزراء، ورجال أعمال كبارا، فضلاً عن تجميد أموال مئات القبائل والعائلات، أسئلة حول دوافع الحملة وأهدافها ومن يخططها ويقف وراءها. ظاهريا، تستهدف الحملة، كما تم ترويجه في الإعلام، “محاربة الفساد”، في حين أن ما تخفيه يحمل أكثر من ذلك ويحمل عدة سيناريوهات. فهي إما تهدف، كما قال البعض، لمعاقبة بعض الأمراء ورجال الأعمال الذين رفضوا، سراً أو علانية، المساهمة في تمويل المشروع الجديد الذي أعلنه ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، قبل أسبوعين ويعرف بمشروع “نيوم” الذي يحتاج ما يقرب من ٥٠٠ مليار دولار. وإما أن تكون ضربة استباقية منعت انقلاباً داخل العائلة المالكة ربما كان وقوعه وشيكاً على نحو ما ذهب بعض التقديرات. وإما أن تكون محاولة من بن سلمان لإرهاب وتخويف أعضاء العائلة النافذين ومنعهم من الوقوف في وجهه إذا ما تنازل له والده عن العرش. وإما لإرسال رسالة للخارج مفادها أنه الحاكم الفعلي للبلاد وأن بيده المنح والمنع. وإما جميع ما سبق.

الخوف سلاح الطغاة للسيطرة على الشعوب -فى رواية واقعية وربما مسلسل درامي لا يعرف كم عدد حلقاته، أو فيلم من السينما الهابطة المنتشرة هذه الايام، وفي مسرحية كوميدية تراجيدية هزلية في نفس الوقت، في هذا المشهد ترى اُناس ضاق بهم الحال من غلاء الاسعار وسوء الاوضاع، وسكتت السنتهم فما عاد النطق يعرف لها سبيل، وعلى الجانب الآخر ترى فئة قليلة استُضعفت تقبع خلف القضبان كانوا قد حملوا على عاتقهم مصير أمة بأكملها وفوق كل هذا مدرعة تدهس الجميع ولا تفرق بين أحد في مشهد تكرر في مصر منذ آلاف السنين بل وفى الوطن العربي كله.

عند رؤيتك لهذا المشهد يتبادر إلى ذهنك سؤال واحد فقط، لِمَ يرتضون كل هذا الذل والهوان؟! والإجابة هي قطعاً الخوف. كاذب من قال انه لا يخاف، فالخوف فطرة بشرية فطر الله الناس عليها حتى انبياء الله ورسله – وهم أكمل البشر – لم ينزع من قلوبهم الخوف، ولكن الاختلاف هو كم نسبة هذا الخوف وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر في الإنسان ويتأثر به. فنرى مثلا نبى الله موسى – عليه السلام – كان يخشى أن يكذبه قومه لأن لهم عليه ذنب “ولهم علىّ ذنب فأخاف ان يقتلون” وكذلك عندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم “فأوجس في نفسه خيفة موسى”

إذن فلا عيب من أن نخاف ولكن كل العيب أن نستسلم لهذا الخوف، تُرى لو أن موسى -عليه السلام- لم يسمع كلام ربه “لا تخف” واستسلم لخوفه وشعوره الفطري؟! بالتأكيد كانت ستُكتب الغلبة للسحرة وسيتم تكذيب موسى -عليه السلام- بحجة مبنية على دليل، ولكت عندما تغلب على هذا الخوف وطرده من قلبه وتوكل على ربه كانت النتيجة هي الانتصار. المعادلة بسيطة جدا، فخوف معه استسلام ينتج عنه جبن وانهزام وعلى النقيض تماما خوف معه مقاومة ينتج شجاعة. وهكذا تكون الشعوب، فالشعوب التي تستكين وتستسلم للطغاة تصبح أجبن ما يكون وترضى بأقل القليل مخافة البطش والظلم، أما الشعوب الثائرة والمقاومة تتحدى الخوف فتنتصر عليه ومن ثم تنتصر على الظلم والاستبداد وتصبح حرة أبية.

وإذا أردنا أن نأخذ مثالا حيا فالشعب المصري خير مثال في كلا الحالتين فنرى أن الشعب المصرى قد عانى كثيرا طوال ٣٠ عاما من الفقر وضنك المعيشة وتكميم الأفواه وكل أشكال الظلم والاستعباد وكان يخشى أن يتكلم حتى لا يتم الزج به في المعتقلات، ولكن في لحظة فارقة هي لحظة طرد الخوف من القلوب هب الشعب المصري بصوت واحد “الشعب يريد اسقاط النظام” وصمد وقاوم حتى أسقط النظام وانتصر بالفعل، انتصر على الخوف الذي تولد بداخله منذ عشرات السنين وانتصر على نظام ظل جاثما على صدره طوال تلك السنوات. ولكن دائما كما يقول علماء التنمية البشرية ليس المهم الوصول للقمة ولكن الاهم هو المحافظة عليها، فقد عاش الشعب المصري أكثر من عامين في حرية وكرامة لكنه لم يصمد كثيرا امام الدبابة هذه المرة وعاد الخوف مجددا لكنه هذه المرة أكبر وهيمن على العقول قبل القلوب.

ربما ثار الشعب المصري لأنه فاض به من أفعال نظام مبارك لكن ما نراه الآن يفوق أضعاف ما كان يحدث أيام مبارك فقد أخرست الدبابة السنة الكثير من الناس والجمتهم لدرجة “اضرب خلينى اتوب”، عاد الخوف مُحملا بكل أنواع الأسلحة التى تعصمه من السقوط بل عاد ليهاجم من جديد ولم يكتفِ بالدفاع والوقاية فقط، وقد سيطر هذه المرة على القلوب والعقول والجوارح، لكن ترى كم سيصمد بهذه الأسلحة والدفاعات المتكتلة؟! يتوقف ذلك على مدى استسلام الفريسة له ومدى درجة المقاومة ..

مازلت أتحدث عن هذا الخوف البغيض الذي سيطر على عالمنا العربي وجعله يستكين ويستسلم لأنظمة قمعية تحكمه بالحديد والنار، فقد خافوا من القتل والآن يموتون جوعا وقهرا وخافوا من السجن فأصبحوا في سجن أكبر، الخوف سلاح استخدمه الطغاة للسيطرة على الشعوب ومقدرات البلاد وقوت العباد فنشروه بين الناس ليحققوا احلامهم الخبيثه او ربما احلام اسيادهم من الغرب والصهاينة.

إننا بحاجة ماسة الآن إلى لحظة مثل لحظة إلقاء موسى العصى ونحتاج إلى لحظة كمثل التي كانت في غار ثور “لا تخف ولا تحزن إن الله معنا” ونحتاج للحظة مثل ٢٥يناير ننزع فيها هذا الخوف ونقاومه ونتغلب عليه حتى نستعيد كرامتنا وحريتنا وأوطاننا المغتصبة من العملاء والخونة.. فمتى تحين هذه اللحظة؟!

النظرية الميكافيلية: الغاية تبرر الوسيلة-هذا المبدأ الذي تبناه نيكولو مياكافيلي المفكر والفيلسوف والسياسي الإيطالي في القرن السادس عشر، حيث يعتقد أن صاحب الهدف باستطاعته أن يستخدم الوسيلة التي يريدها أيا كانت وكيفما كانت دون قيود أو شروط. فكان هو أول من أسس لقاعدة الغاية تبرر الوسيلة.

واعتبرت هذه القاعدة هي الانطلاقة الأولى التي ينطلق منها كل سياسي ديكتاتوري، حيث يضعها نصب عينه ويتبناها لتبرر له الاستبداد وممارسة الطغيان والفساد الأخلاقي. ويرى مياكافيلي ضرورة استخدام العنف و القوة من قبل القائد السياسي مبررا ذلك بأنه يولد الخوف، و الخوف أساسي من أجل السيطرة على الشعوب -حسب اعتقاده- ومن لم يفعل ذلك لا يعتبره قائدا سياسيا ناجحا.

لكن! أيعقل أن يُترك المرء لاختيار أية وسيلة يريدها دون أن يضع لها معاييرا تحفظ المجتمع من الدمار والقتل والتفكك والفساد، فتصبح الحياة مليئة بالفوضى بعيدة كل البعد عن النظام الذي يحفظ الأمن والأمان، كيف لحياة أن تقوم على قاعدة تسلب الأمن والأمان من الحياة اليومية فتبرر للحاكم قتل شعبه! ومن ثم تبرر للأخ قتل أخيه!

الغاية تبرر الوسيلة.. فلينظر كل واحد منا إلى نفسه، ربما يجد أنه يتبنى هذه القاعدة عمليا في مكمن سره، فلا ينظر إلى الوسائل التي توصله لغاياته من حيث القيم والمبادئ والمشروعية.

السؤال الذي يطرح نفسه، إن كان لتلك القاعدة كل هذه الأضرار فهل نستطيع أن نلغي هذه القاعدة من حياتنا، ونعتبرها قاعدة خاطئة لا تصح بأي شكل من الأشكال؟!

أولا من البديهي أن صاحب الغاية النبيلة يبحث في البداية عن الوسائل السليمة والصحيحة، وصاحب الغاية الذي لا يحمل الخير لشعبه ومجتمعه وبيئته يبحث دون تردد عن أية وسيلة توصله لغايته الخبيثة، ولا يبالي مهما حملت تلك الوسائل من أضرار ومخاطر على المجتمع، وتجدر الإشارة إلى أن كثيرا من الناس لا يفرق بين قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة” وبين القاعدة الشرعية “الضرورات تبيح المحظورات”..

قاعدة الغاية تبرر الوسيلة -كما ذكرت- هي ليست مقيدة بشروط ومعايير وفتحت الباب على مصراعيه وميكافيلي قد فسرها تفسيرا يدل على عدم تقييدها بأية شروط.. أما قاعدة الضرورات تبيح المحظورات فهي حتما مقيدة بشروط ومعايير ولها ضوابط شرعية يصبح حينها المحظور مباحا..

فعند الإكراه يجوز الكفر شرط أن لا يكون الكفر قلبيا، وكالتورية أيضا في بعض الحلات وكالكذب في الإصلاح بين الناس.. وعندما قال النبي صلى الله عليه لنعيم بن مسعود رضي الله عنه: “الحرب خدعة”.. فقد قيدت الخدعة في حالة الحرب فاعتبرت حالة استثنائية لا تصح إلا بموجب الحرب.. فيمكننا أن نعدّل على القاعدة الأولى فنقول: أن الغاية (قد) تبرر الوسيلة إن كانت الغايات نبيلة والوسائل مشروعة.. وأن الوسائل المشروعة يجب أن تكون مقيدة وتسير في فلك الضرورات التي قد تبيح المحظورات..

الميكافيلية المجتمعية-عندما بدأت الاتجاهات تعود من المجتمع إلى الفرد الواحد ‏حينها وقعت في هوة التشكلات والجماعات حتى وصلت إلى التيارات المتناحرة فيما بينها إذ نجد ضمن كل تكتل أفراد يتناحرون فيما بينهم بدوافع متعددة ومختلفة ولها خلفيات معينة منها السياسي والسلطوي والديني والعقدي.
إن الفرد منّا لم يعتد بتاتاً على تقييم نفسه بنفسه في أعماله ومنجزاته وما يفعله في حياته بل اعتاد أن يأخذ تقييماً عن نفسه من الآخرين بشكل أو بآخر وهذا الأمرر سبّب نشوء مجموعات وتكتلات متحجّرة ومتقوقعة على نفسها وفي محيطها الخاص والضيق جداً وتعتقد تلك الجماعات بأن منصبها السياسي أو الاجتماعي أو القبلي من الممكن أين يحقق لها كل شيء تريده وتعمل على ذلك في سبيل تحقيقه.

ولكنها في الجانب الآخر منفتحة نعم منفتحة على الاختلافات الواسعة كالمحيطات وعندما بدأت تغذية العنف انتقلت إلى طور آخر يشبه العصابات أو أسوأ من ذلك وتلك نجدها في شتى المجالات منها الدين والسياسة والأدب والاجتماع بشكل عام.

ولم يقتصر ذلك العنف على وجود مصلحةٍ ما بالضرورة بل انتقلت وتضخّمت إلى التعدي وذلك من أجل خلق صراعٍ مرير قد فُرّغ من محتواه المرجو منه وهنا بدأت مرحلة التوحّش حدَّ الإدمان ومن بقي له غاية قبل الصراع وقام بإدارته بواجهة أخلاقية إنما تخفي تحتها ميكافيلية محضة باعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة.

والحفاظ على هذه الواجهة الأخلاقية من خلال أدوات وشكليَّات يُعلّق عليها ويعلّل بسببها الأخطاء الفادحة والفشل الذريع وبعد ذلك يبقى هذا الميكافيلي نظيف تقي لا تشوبه شائبة ولا تظهر عليه علامات الخسّة.

إنه ذاك الشخص الذي ذكره مفصّلاً الكاتب الإيطالي الشهير نيكولو ميكافيلي في كتابه الأمير الذي كتبه في بدايات القرن السادس عشر واضعاً فيه خلاصة تجربته وحكمه التي قدمها للأمير لورنزو آنذاك ذاكراً كل نصائحه التي تعين الأمير على حكم شعبه بأي شكل من الأشكال.

لا يختلف الشخص الميكافيلي الذي وضع تصوره الكاتب الإيطالي عن الشخص الذي يعيش بيننا في وقتنا الحاضر فطباع البشر لا تتغير ولا تتبدّل فهي مجبولة على الحب والكره أو الطيبة والقسوة أو الخير والشر وهذا الشخص أو التكتل يحمل طبائعاً من الاستبداد والاستغلال والغرور والثقة المفرطة بالنفس وحتى جنون العظمة بطبيعة الحال وهو بشكل أو بآخر يشكل خطراً على المجتمع ككل لاعتماده المصلحة الشخصية النفعية والعائدة على ذاته وإن أدت تلك المصلحة إلى دمار البلدان وخراب البنيان.

وما حدث بالمختصر أن تلك العقلية الميكافيلية تم تقاسمها بين الجماعات والأفراد أي تم توزيعها ولكن البقاء والغلبة للأقوى كأي غاية وبعدها دخلت في مرحلة من الفوضى العارمة الغير قابلة للتنظيم بالبتات المطلق إلا بفناء بعضهم بعضاً، ومن يبقى ملتزماً صف الحياد فسوف تلقى عليه أكوام ثقيلة من الأخطاء وتحميله المسؤولية كاملة عما يحصل، والتغافل هنا يكون عن الشخص الميكافيلي الذي يحمل بين طياته الخبث والحقد والضغينة ونجاسة الوقائع التي حدثت والتي تمت إدارتها من فناء خلفي غير معلومٍ للكثيرين ربما إلا لمن بحث ودقق بتمعّن.

يعتبر كتاب ( الأمير ) للكاتب مكيافيللي, هو الملهم للكثير من الطغاة, فهو منهج متكامل, لمن يريد أن يكون طاغية, حيث وضع الكتاب قواعد لعبة الشر, مؤكدا بين سطوره, أنه لا مكان عند الطغاة للأخلاق والقيم, فكان هتلر يضع هذا الكتاب على مقربة من سريره, فيقرا فيه كل ليلة, قبل أن ينام, وليس غريبا أن يمتدح موسيليني كتاب الأمير, فيقول : (( لقد قرأت كتاب الأمير, وغيره من مؤلفات ذلك الأمين العظيم, قراءة واعية)), حيث يعترف موسيليني بأنه يشتق سلوكه, من قواعد مكيافيللي الخبيثة, التي تحقق النجاح, لمن يطلب التحكم برقاب الناس.
لم يفوت صدام كتاب الأمير, بل هو دستوره في حكم العراق, والدليل تطابق سيرته مع تعليمات وقواعد الكتاب.
من أبشع وصايا مكيافيللي, انه يؤكد, ان الطغاة لكي يحتفظوا بالسلطة, عليهم اقتراف الإساءات المتكررة, بحق الشعب, أما المنافع الصادرة منهم للشعب, فيجب أن تمنح قطرة فقطرة.
صدام طبق هذه التوصية بحذافيرها, من أول يوم لتسلمه السلطة, فكانت تصدر منه الإساءات, بحق الأصدقاء والأعداء والشعب, مما مكنه أن يسيطر على الحكم, نتيجة إشاعة الخوف بكل محيطه, حيث تحول صدام لمركز للشر الدائم, يرهب منه الكل, فلا قيم ولا قانون يحكم حركته الشريرة, أما منافعه باعتباره رأس الحكم, فكانت بالقطارة, مما جعل الشعب يفرح بالقليل, الصادر من الطاغية صدام, كرفع الرواتب بضعة دنانير, يجعل الناس مستبشرة فرحة, مع رهبة كبيرة للطاغية, وهذا هدفه الأكبر,أن تكون الناس مذعورة منه, ومستسلمة له.
وصية آخر لمكيافيللي خطرة جدا وهي : (( على الحاكم الذكي, أن لا يحافظ على وعوده, عندما يرى أن هذه المحافظة, تؤدي إلى الأضرار بمصالحه))
صدام بما يحمل من ارث قذر, نتيجة عيشه مع صعاليك تكريت, ثم انتقاله للعيش مع عصابة منحرفة في بغداد, وتأثره الكبير بخاله المنحرف, كلها جعلته تركيبة منزوعة الأخلاق والقيم, فوجد صدام في مكيافيللي وكتابه تناغم كبير, مما جعله يسير على سطور كتاب الأمير, نحو حكم العراق, وصفة عدم الوفاء بالعهود, هي ميزة مهمة لصدام, وبرزت في فترة حكمه, مثل اتفاقه عام 1975 مع الشاه, ثم نقضه عام 1980, ثم العود إليه عام 1990, بحسب الظروف, ووعوده للشعب بالحرية والعدالة, ونقضه لكل وعد يعده, بعد أن يسيطر, أو تتولد ظروف جديدة, مما جعل لقب الكذاب الأقرب لصدام, على المستوى العالمي والمحلي, وهذه الصفة جعلت يكسب الكثير, على حساب الناس والتاريخ.
هذه وصيتين فقط , ووصايا مكيافيللي كثيرة, مثل: الخيانة, والكذب, وادعاء التدين, والانتهازية, والتلون, وكلها عمل بها صدام, طوال عهده المظلم.
ترى لو لم يكتب مكيافيللي كتابه المشئوم, هل كان صدام أدرك السبيل لغايته, في حكم البلاد بالحديد والنار, بل كيف يمكن أن نتصور عالم, من دون شر هتلر وموسيليني, بالتأكيد سيكون القرن الماضي مختلفا, لأن كتاب الأمير, الهم الطغاة لسبيل الشر الأكبر, فما فعله هتلر وموسيليني بأوربا, وما فعله صدام بالعراقيين والإيرانيين والكويتيين, كانت جرائم مخيفة, سجلها التاريخ بأنه الأبشع في الحقبة الأخيرة, وهي متطابقة تماما مع أفكار كتاب الأمير, حيث تحول لأول مرة الكتاب, من عنصر نافع, إلى عنصر مخيف, لمساهمته في دمار البلدان.
اعتقد أن على الأمم المتحدة, والمنظمات العالمية والحقوقية بالخصوص, أن تأخذ الموعظة من هذا الكتاب, فتمنع كل منشور يدعم العنف, أو أي وسيلة إعلامية, تدعم ظلم الطغاة, ويمنع من تحقق العدل, وان يتم محاسبة المساهمين في نشر أفكار, تسهم بولادة طغاة وجبابرة.
أن المساهمة في نشر الشر في العالم, جريمة يجب أن تمنع, ويعاقب الساعي أليها.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close