الدكتور أسامة عكنان يدعو حماس لتسليم القطاع للسلطة

وجهة نظر غير انفعالية وغير عاطفية في “حماس، وفي “المقاومة الغزِّيَّة”!!

منذ أن شاركت حماس في الانتخابات التشريعية لسلطة أوسلو في عام ٢٠٠٦، وحتى الآن وهي تعاني من أزمة أخلاقية عميقة لم تستطع الفكاك منها، ولهذه الأزمة عديد الأوجه، تمكننا الإشارة إليها في التالي:

أولا: هناك تناقض واضح بين فكرة المشاركة في الانتخابات وبين مبدأ مقاومة الاحتلال، فعندما تشارك حماس في انتخابات تشريعية تحت مظلة أوسلو، فهي – أحبت أم كرهت، اعترفت أم لم تعترف – لا تملك أيَّ مُسَوِّغ سياسي أو قانوني أو أخلاقي لتقنع أحدا بأنها ضد أوسلو، وضد التسوية، وضد وجود إسرائيل، إلى آخر هذه المعزوفة. فهذا من أبشع أنواع التناقضات التي يمكن الوقوع فيها:

“أنا ضد وجود الاحتلال وضد التفاوض معه، ولكني أوافق على إجراء انتخابات تحت سقف الشرعية التي يمنحني إياها الاحتلال، والتي بناء عليها أجري الانتخابات، والتي تقتضي في ذاتها من ثمَّ اعترافا به، ولا يمكنها إلا أن تعني ذلك”!!!

ثانيا: إن انسحاب إسرائيل من قطاع غزة لم يكن انتصارا للغزيين، ولا انتصارا للمقاومة، بالمعنى الحقيقي أو حتى بالمعنى الواسع لمفهوم الانتصار، فقطاع غزة ما يزال يعاني من الاحتلال، بالمعنى الواسع للاحتلال أيضا، فليس الاحتلال فقط ودائما وحصرا أن يكون جنود الجهة المحتلة موجودين على أرضك، مدججين بالسلاح، بل يكون الاحتلال قائما بالفعل إذا كان جنود العدو يمنعونك من ممارسة ما تُجَسِّد به تحرُّرَك واستقلالك وسيادتك على الجغرافيا وعلى الديموغرافيا اللتين تظن أنك حررتهما من الاحتلال. وقطاع غزة أرضا وشعبا بهذا المعنى يعاني من احتلال أبشع وأشد وأشنع من احتلال الأرض، ومن ثم فكل محاولة لإقناع النفس والآخر بأن ما حصل هو إجبار لإسرائيل على مغادرة الأرض تحت وطأة المقاومة، هو تلاعب بالعواطف وتجاهل للحقائق، وتغطية على واقع لا يُراد الاعتراف به، وهذا وجه مهم من أوجه الأزمة التي تعاني منها حماس بوصفها سيدة الموقف الداخلي في قطاع غزة!!!

ثالثا: إسرائيل تعاملت مع قطاع غزة منذ عام ٢٠٠٦ بوصفه ورقة رابحة في مشاريعها المستقبلية، انطلاقا من إدراكها لذهنية القائمين على إدارة القطاع وهم “الحماسيون” بالدرجة الأولى. فهي كانت تريد استكمال توريط حماس في مستنقع الاستنزاف الدائم والارتباط الحتمي بالمشاريع المُعَدَّة للقضية وللصراع. فحماس التي بدأت بإغراق نفسها في هذا المستنقع منذ انتخابات ٢٠٠٦، كان يجب – صهيونيا وأوسلويا ووظيفيا.. إلخ – أن تغرق أكثر في هذا المستنقع بتحوُّلِها إلى طرف سياسي ومؤسسي قانوني له مسؤوليات والتزامات تسبب له ارتباكات خطيره تجعله عاجزا عن الخروج من بوتقة ما زُجَّ به وبالقطاع وبالغزيين في أتونه.

فمنذ ذلك الوقت، ما الذي استطاعت حماس أن تفعله على وجه الحقيقة، غير أنها تتسبب في تدمير القطاع من قبل إسرائيل، ثم إعادة إعماره من قبل قطر، ثم إعادة تدميره ثم إعادة إعماره.. إلخ، مع دفع فاتورة باهظة بآلاف الضحايا والمصابين في كل مرة، مقابل عدة عشرات من الجنود الإسرائيليين الذين يعتبر سقوطهم مفهوما في معادلات أي حرب رابحة، ليكون مفهوم النصر الذي يتم الترويج له لاحقا هو أن إسرائيل خافت من احتلال القطاع مرة أخرى، وكأنها كانت تريد احتلاله، أو أنها فشلت في تحطيم معنويات الغزيين، وكأن المعنويات وحدها تكفي لأن نكون منتصرين!!!

رابعا: لا حماس ولا حلفاؤها في القطاع وعلى رأسهم “حركة الجهاد”، منتبهون إلى واقعة أنهم مجرد أدوات في يد المشاريع والقوى الإقليمية من جهة، ومجرد ضحايا هم والغزيون جميعا لجغرافيا سياسية لا تملك أي مقوم من مقومات النصر، فقطاع غزة ساقط استراتيجيا بكل المعايير، لا بل إذا كانت الضفة الغربية وقطاع غزة معا ومعهما فلسطين المحتلة عام 48، عبارة عن أراضٍ ساقطة استراتيجيا، عند الحديث عن الحروب الفاصلة، فما الذي يمكن قوله عن 348 كيلومترا مربعا هي إجمالي مساحة قطاع غزة؟!

ولكي تضح الصورة أكثر لدى من لا يستطيع تصور هذا السقوط الاستراتيجي للقطاع، فيتخيل أن الثبات فيه كافٍ لتغيير العالم نقول:

“إن مساحة قطاع غزة لا تزيد عن نصف مساحة أمانة عمان. ومع ذلك يُراد لهذه المساحة ولسكان هذه المساحة – قطاع غزة – أن تقاوم ترسانة إسرائيلية، وتصمد وتثبت، وتفرض معادلات، ويتم الرهان عليها، وتغمرنا مشاعر خيالية لا معنى لها ونحن نصف الغزيين بالأبطال الذين سيغيرون التاريخ ويعلمون العالم كيف تكون المقاومة.. إلخ. ونحن أنفسنا عندما نتحدث عن الدولة الأردنية، نبدأ بالحديث عن العمق، وعن الاستراتيجيا، وعن موازين القوى.. إلخ، أي أننا مرضى إلى حد استعدادنا لتحميل نصف مدينة عمان مسؤولية تحرير الأمة!!!!

خامسا: منذ أن انسحبت إسرائيل من قطاع غزة وهي تتعامل معه بتحرُّرٍ كامل من أي التزام يُفرض على المحتل تجاه الأرض التي يحتلها، سواء من الناحية القانونية أو من ناحية الكلفة السياسية والعسكرية، محولين إياه إلى ورقة رابحة داخليا وخارجيا، في حين أن القائمين على القطاع هم الذين تكبدوا هذه الكلفة الجديدة، دون تحقيق أي منفعة أو مصلحة.

فكلما أرادت إسرائيل استخدام القطاع في أي قضية، فإنها تخلق حالة استفزاز محدَّدة للغزيين ولحماس وحلفائها، فيأتي الرد انسجاما مع ما تكرس من أن أبطال غزة ومقاوميها الأشاوس يعاملون العدو بالمثل دون خوف من النتائج ومن الخسائر، فتنطلق عدة صواريخ من القطاع نحو بعض المستوطنات الصهيونية، غالبا ما تكون صواريخ لا تأتي بأي نتيجة، ليأتي الرد الإسرائيلي الذي أسست له القيادة الإسرائيلية بهذا الاستفزاز كي تمرِّرَ أمرا ما، سواء كان هذا الأمر داخليا أو خارجيا. ومن يتابع عشرات الحالات الشبيهة ويدقق فيها يستطيع أن يتلمس هذه السياسة.

ونحن جميعا وقبلنا حماس وحلفاؤها، نبلع الطعم ولا تستوقفنا المسألة إلا في جانبها البطولي بسبب الدماء والضحايا، ونصرخ وتعلو أصواتنا لتصب كلها في خدمة الخطة الإسرائيلية، لأننا بما نفعله نكرس واقعة تحميل الثقل المقاوم لغزة وللغزيين ولحماس.. إلخ، وهذا مكمن الكارثة!!!

سادسا: وعندما أدركت حماس أنها لا تستطيع لا هي ولا القطاع بأكمله، أن يكونا أكثر من ورقة تدفع فواتير المخططات والمشاريع التي ما انسحبت إسرائيل من القطاع عندما انسحبت إلا لتمريرها، أو لنكون أكثر إنصافا، ربما عندما قبلت حماس مكرهة الاعتراف بهذه الحقيقة، فإن عجلة الموت والاستفزاز وحفلات المقاومة الموسمية.. إلخ، أصبحت تصب علنا ووضوحا في صندوق المشاريع التي تعيش حماس حالة من التناقض الصارخ بين واقعة رفضها أيديولوجيا، وعدم القدرة على التمرد عليها فعليا وواقعيا، فتزداد أزمتها الأخلاقية تجذرا ورسوخا، فتنزلق رغما عنها بإرادتها أو بغير إراتها إلى كل ما من شأنه خدمة مشاريع التسوية الصهيوأميركية!!!!

سابعا: صحيح أن كل حركات التحرر الوطني، والثورات ضد الاحتلال والاستعمار، بدأت مقاومتها للمستعمر وللمحتل في ظروف انعدام أي توازن في موازين القوى بينها وبين العدو، وصحيح أن كل تلك الحركات والثورات حققت التوازن خلال سيرورة العمل الثوري التحرري على الأرض، لكن الأصح من ذلك كله، هو أن هذه الحركات والثورات انطلقت وهي تعي تماما جغرافيتها السياسية، وإمكانات هذه الجغرافيا.. إلخ، ومن ثم فإن حركة حماس وحلفاؤها إذا كانوا يراهنون على النقطة الأولى دون إدراك النقطة الثانية، فليسوا سوى مجموعة من المغامرين المتهورين والانتحاريين، لأن عليهم أن يفهموا جيدا – ليصيغوا خططهم في ضوء فهمهم هذا بعد ذلك – أنه لا قطاع غزة، ولا هو ومعه الضفة الغربية أصلا، يمكنهما أن يمثلا جغرافيا سياسية استراتيجية لأي تحرير أو مقاومة منتجة وفاعلة على الأرض،

ومن يتصور خلاف ذلك فهو واهم إن لم يكن جاهلا بقواعد الحرب الثورية، وبتاريخ الثورات، وبحروب العصابات.. إلخ. لذلك عندما فشل مشروع خلق القاعدة الآمنة خارج حدود الأرض المحتلة، سواء في الأردن قبل عام 1970، أو في لبنان قبل عام 1982، لم يجد “التسوويون” أمامهم بدل إعادة إنتاج فكرهم الثوري التحرري على قواعد مختلفة تحرِّرُهم من قبضة “الهوية الفلسطينية المدمرة”، سوى أن يرتموا في أحضان أوسلو كمقدمة لمشروع تسوية لم ينتهي ولن ينتهي. وهذا ما تفعله حماس، التي وأيا كان ادعاؤها لغير ذلك، فهو ادعاء أجوف مفرغ من أي مضمون، ولا يخدع إلا السُّذَّج.

فحماس لا تختلف عن سلطة أوسلو في رام الله، وعن النظام الوظيفي العربي، في أن الجميع غارقون إلى أذقانهم في مشروع تسوية عماده قداسة “الهوية الفلسطينية”، وإن كانت لكل طرف أجندته الخاصة وأدواته الخاصة وتحالفاته الخاصة للتعاطي مع المسألة، ومن ثم فكلهم فاشلون،

إلا أن الأوسلويين أكثر انسجاما مع أنفسهم، لأنهم حرروا أنفسهم من حالة التناقض التي تعيشها حماس، التي راح الكل يستخدم أزمتها العميقة تلك على النحو الذي يدفع به مشاريعَه خطوات إلى الأمام، وهي غارقة إلى أذقانها في أوهامها الواهية!!

وأخيرا ومع أن تحليل وتفكيك مكونات الأزمة الأخلاقية العميقة لحماس ينطوي على المزيد، إلا أننا نكتفي بما أوردناه للتأشير به على عمق هذه الأزمة، وعلى خطورة الدور الذي تلعبه حماس بإصرارها على منهجها الراهن في التعاطي مع القضية ومع الصراع.

ونؤكد في هذا السياق، على أن حماس ليس أمامها إلا سبيل وحيد تستطيع بواسطته تبرئة وإنقاذ نفسها والغزيين والقضية كلها من الكارثة الأخلاقية التي أوقعت فيها نفسها منذ تورطها في المشاركة في انتخابات عام ٢٠٠٦، وهذا السبيل يتطلب القيام بالخطوات التالية:

1 – حل إدارة غزة نهائيا وكليا، وتسليم القطاع بالكامل إلى سلطة رام الله كي تتحمل هي مسؤوليته، لا بل إن أمكنها أن تجبر الإسرائيليين على إعادة احتلاله من جديد فلتفعل.

2 – أن تفَكِّك كل مؤسساتها العلنية، وأن تعود مجرد مقاومة فاعلة تحت الأرض، وتمارس عملها ذاك بهذه الطريقة، أيا كانت الخسائر التي ستقدمها، فمهما كانت هذه الخسائر، فهي أقل بكثير من خسائر الغزيين المدفوعة في كل شيء في ظل معادلات الحالة القائمة منذ انسحاب إسرائيل من القطاع.

فمن يقبل بأن يقدم الغزيون في أربع حروب وفي عام من مسيرات العودة قرابة الخمسة آلاف قتيل، وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين، فالأولى به أن يحمي كل هؤلاء من هذه الخسائر بخطوة كالتي ندعوه إليها، وليقدم هو مقاتليه الذين سوف يكون تأثيرهم وهم يقومون بأعمال مقاومة على الأرض وفي كل مكان، أكثر بكثير مما يتوقعون.

ومع أنهم لن يحرروا الأرض انطلاقا من بؤس الجغرافيا السياسية للأرض المحتلة كلها، إلا أنهم يستطيعون تغيير مسار الصراع وإفشال المشاريع التسووية، وقلب رأس المجن على رؤوس أوسلو وصفقة القرن.. إلخ، بدل أن يكونوا أدوات تستخدم في سبيل تجسيد وجهة النطر الصهيونية بخصوص تلك المشاريع، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا!!

وإذن فإن لم تفعل حماس ذلك، فإما أنها لا تفعله لأنها لا تدركه، وبالتالي فهي حركة جاهلة وغير مؤهلة لأن تتحدث باسم قضية وشعب وأمة في أخطر قضاياها.

وإما أنها لا تفعله لأنها لا تريد أن تفعله، إما لأنه يتعارض مع أجندتها الخاصة وارتباطاتها الأيديولوجية من جهة، والسياسية الإقليمية من جهة أخرى، وإما لأنها غير مستعدة لأن تدفع ثمنه المكلف مفضلة أن تبقى التكلفة مدفوعة من قبل القطاع ومن قبل الغزيين أنفسهم.

فإن كانت لحماس أجندتها، فإنها مثلها مثل الجمع لا يحق لها أن تزايد على أحد، أما إن كانت تستسهل أن يدفع القطاع والغزيون الثمن دائما لتحصل على ما يمكنه تجسيد مصالحها وأجنداتها وأيديولوجيتها، فهي مجرد مؤسسة وظيفية لا تختلف عن مؤسسة رام الله ولا عن مؤسسة عمان، لكن القدر حباها بفرصة وجود كتلة بشرية تستطيع استثمار دمائها فيما تريده هي “أهل غزة”!!!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close