ثقافة الجهل

فارس حامد عبد الكريم
قد يبدو أمراً غريباً ان يقال إن للجهل ثقافة، بل الأمر على خلاف ذلك، إذ يخطئ من يظن ان الجهل يعني ان الجاهل لايملك من المعرفة والمعلومات إلا بحدودها الدنيا، الحال ان للجهل ثقافة هي الأخطر تأثيراً على حياة البشر ومستقبلهم ودواعي تطورهم.
بل ان ثقافة الجهل ومن خلال خزينها التاريخي تتغلب على ثقافة المعرفة في المجتمعات التي تعيش على مخلفات الماضي البالية وتمنع تحررها وتقدمها.
ومن مرتكزات ثقافة الجهل؛ تقديس العادات والتقاليد الموروثة بكل تفاصيلها دون قبول تمييز الصالح والطالح منها.
ومنها الإعجاب بمظاهر الإعتداء والنصب والإحتيال ولو نفسياً بإعتبارها موروثة من عادات الغزو والنهب والسلب وكسب الغنائم وإعتبارها مفخرة وصور من صور الشجاعة التي اعتادت عليها القبائل في مختلف الشعوب عبر التاريخ. وكم مجدت ثقافة الجهل الدكتاتورية ورموزها ذلك ان هذه الثقافة تربط الشجاعة والمجد بالجريمة والقتل والتعذيب وإرهاب الناس وكبت حرياتهم.
ومنها المعتقدات (سواء دينية او غير دينية) التي لا تستند الى حقيقة الدين ومعناه الروحي الحقيقي وتستند في اغلبها الى خرافات واساطير وأعمال شعوذة وهذه تشكل خزين ثقافي هائل تجمع عبر الزمن.
ومن مظاهرها الواضحة للعيان كثرة العرافين والسحرة ومن الغريب ان من بين من يراجعهم ويتعامل معهم من اصحاب الشهادات المرموقة!
ومن مظاهر ثقافة الجهل الخوف من كل ماهو جديد من ضروب العلم والمعرفة ومحاربته بلا هوادة
وقد استطاعت ثقافة الجهل عبر التاريخ ان تسقط خيرة الفلاسفة والعلماء والأدباء، ويحفل التاريخ بأمثلة مرة على ذلك، وتحل محلهم أرباب ثقافة الجهل من الانتهازيين والنصابين والتافهين والفاسدين …..
ومن اوجه ثقافة الجهل اعتبار ان للحقيقة وجه واحد وعلى هذا النحو هي ترفض الثقافات الإنسانية الأخرى وتمنع تلاقيها وتبادل المعارف فيما بينها.
ولايخفى ان لثقافة الجهل، وفي كل زمان ومكان، رجالها المؤتمنين على سيادتها وإنتشارها بما توفره لهم من نفوذ إجتماعي ومصالح ومكاسب خاصة.
ان ثقافة الجهل هي هي ثقافة البؤس والحرمان والفقر الدائم والعبودية الخفية والرضوخ للأمر الواقع.
ويبدو لي ان اول من تحدث عن ثقافة الجهل وحذر منها هو الرسول الكريم (ص) والامام علي (ع)
فقد جاء في الحديث الشريف (…وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا)*.
وقال الإمام علي (ع)(لا تربوا أولادكم كما رباكم أباؤكم فإنهم خُلقوا لـ زمان غير زمانكم).
••••
*أصل الحديث الشريف: ” إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا ، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا ، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا ، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا “

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close