ثمن الحرية

ليس من السهل ان تقود دولة أو تتحرك فيها بحرية ، بل وتنتزع فيها حقوقك من دون ثمن ومكابدة ، ولا يقوم بهذا ولا يتصدى له إلاَّ من كان يحمل رؤية ومشروعاً وثقة بالنفس وإيمانا مطلقاً ، وإذا كان زمن الثورة والثوار قد ولى فإن المعول عليه هو تلك القدرة في التغيير بوسائل حديثة يتقدمها الفهم والإدراك والعلم والوعي العام .

وفي منطقتنا العربية ثمة سلالات تؤمن بالتغيير النابع من الشعب ومن القادة السياسين ، وهي تؤمن بان ذلك يحتاج لموقف من نوع فريد ، وطبعاً حين نستثني ما سمي ( بالربيع العربي) من خارطة وعينا ، بإعتباره وصمة أساءت للعرب ومزقت أحلامهم وأمانيهم وجعلتهم كعصف مذموم تذروه الرياح الصفراء فجعلت منهم الإرهاب والتخلف .

نعم ما نعول عليه هو تلك القيادات الشابة التي فرضت نفسها عبر هذا الصراع الطبقي وقدمت نموذجاً نحترمه ونجله ، هذه القيادات ذهبت إلى حيث الداء فصارعته ، لأنه الشيء الذي يحد من حركة العربي ويساهم في تكسير عظامه وعقله ، هذه القيادات ساهمت بالشيء الكثير الذي نعلمه والذي لا نعلمه في عملية جبارة لقلع جذوز التخلف وما يعيق الحركة إلى الأمام ، وهذه واحدة تحسب لإرادة الشجعان في زمن النفاق .

وطبعاً يلزمنا المصارحة هنا حيث إننا في مواجهة مباشرة مع نفاق كهنة الدين ، ومن يتلحفون بأوزآر خطايات الأحزاب المتأسلمة ، والتي سببت مع مثيلاتها من التجمعات الرجعية الكثير من الضيم والضعة لشعوب المنطقة وفي أعين العالم .

وأُعيد القول ثانيةً لولا إيمان هذه القيادات بان المستقبل لن يرحم من يتغنى بأوثان التراث وما فيه من عفن ، لن يكون ممكناً التقدم أو حتى مُجارات القوم فيما هم ذاهبون إليه ، وإليك أن تنظر إلى خارطة العالم كيف تغيرت علمياً وذهنياً ، وحسبك هذا التفاوت بيننا وبينهم .

إذن كان لا بد من رجال يتحملون المسؤولية مع كثرة الضاجين والمثبطين

، رجال نعي انهم يريدون خيرا بالعباد والبلاد ، ولم تكن جدلية العدالة والحرية هي الشغل الأولي ولا بتعميم أيديولوجيا الرهان على أحقيات الزمن الجميل ، بل كانت المثابرة ان تنتصر الحرية وفي ظلها يسود الوئام والتساوي والمشاركة وتعميم ثقافة الإختيار ، التي هي جزء من كل ، شعرت بهذا حينما أعطي للمرأة هامش لا بأس به من الحرية في العمل والإختيار والمشاركة في القرار والتنمية ، وأحسست به حين تنادى القوم بالحلول الديمقراطية لمشكلاتنا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية ، وهذه لا يشعر بها إلاَّ من أنكوى بنار الظلم والقهر والحرمان والسجون .

إن تجربتي مع العقل العربي حافلة بموجات من الشد والجذب والمد والجزر ، لكن إيماني بأن العربي والشباب العربي طموح ويستحق أفضل ، لذلك كان هاجسي أن التغيير سيقوده شباب قادة من وسط هذا الحكم العربي ، وليس من خارجه وهكذا بدى لي واضحاً في بعض الدول التي نحت جانباً الإيديولوجيا ، وسمحت للعقل أن يعيش الحياة ويتمتع بالقدر اللازم من الحرية ، فسقطت أوراق التوت من الأراخنة ومتصيدي الناس في دهاليز الفكر العتيق ، وستنجح التجربة ولكن علينا الدعم والمساندة ، من غير النظر بالمخزون التاريخي وما يعتمل في الصدور ، ومبدئنا دائماً تلك الحكمة القائلة – أذهبوا فأنتم الطلقاء – ، والعفو عند المقدرة من شيم الناس الصالحين الذين ينظرون للمستقبل ، ولا يتكدسون في البحث التاريخي عن الأحقيات والمزاعم ، فكل ذلك من الماضي التعيس الذي خلف لنا أرثاً تعيساً مثله نعيش تداعياته يوماً بعد يوم ،

إنني أُحيي هذه الطفرات التي حولت الساحات إلى ما ينفع الناس وينال رضاهم وسعادتهم ، أُحيي تلك الإنتفاضة التي تميز حقاً بين ما هو صواب وماهو خطأ في الواقع وليس في التخيل والوهم ، وأظن إن الأيام ستكشف عن المزيد حين نجد دولاً قد تحولت ثم أصبحت المثل والقدوة ، وكذا هي الأيام بيننا فلننظر وتنظرون

راغب الركابي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close