فنون العراق الجميلة، زرياب ينفل الارث الموسيقي العراقي الساطع الى الغرب ويطوره *

د. رضا العطار

زرياب : عهده شهد انعكاس ملامح الصراع الذي يتكرر في كل نهضة تاريخية بين الفن الرصين، التربوي، الاعدادي، الهادف، وبين الفن السهل الخفيف المرتبط بتاثيرات الرغائب العابرة، لا بتاريخية البناء والصناعة المحكمين.
عرف فن بغداد الموسيقي في القرون الوسطى الاولى اشعاعا على العالم العربي على نحو عام، ثم انتشر هذا الوهج البغدادي الساطع لمدارسها الموسيقية الشامخة في الغرب بفضل زرياب الذي تتلمذ على يد اسحاق الموصلي في بغداد.

كان ذلك عام 207 للهجرة عندما استقبل الخليفة عبد الرحمن الثاني زرياب في العاصمة الاندلسية قرطبة قادما من بغداد – – – وبعد ان استقر به المقام قام بتطوير الموسيقى العراقية والعربية والشرقية، تطورا خاصا. اذ جمعت بين حناياها القواعد النظرية والرموز الماورائية والتنجيمية والفيزيولوجية – – – كما قام زرياب، وهو عالم واسع الثقافة بخلاصة للاصول الهندية والفارسية واليونانية والرومية وفرض على الموسيقى دورا (علاجيا) نفسيا له سماته الخاصة والمتصلة بالمزايا والامزجة الموافقة للمقامات الموسيقية المختلفة – – – ولعله يمكن القول انه من هنا نشأ النظام الصوتي والنمطي والجوفي للنوتات الاربع والعشرين التي ترمز في الوقت نفسه الى صنوف الحركات الموسيقية التقليدية.

ولعمق الكيفية التي وصل اليها زرياب بفن التلحين المتعلق بالتعبير الموسيقي، انه النوع الخاص من الجمال الذي له جميع مظاهر الجمال الحسي، الامر الذي يجعل الاسماع تميل في كثير من الاحيان الى الخلط بين الحبور المتأنّي من اللحن وبين المتعة الحسية الخالصة – – – وموسيقى زرياب افصحت عن سر هوى من الاهواء او ابتداع من ابتداعات الخيال العميق الرؤيا من حب او حزن او فرح. هو الذي يغدو الشئ الرئيسي الذي يتجاوز حتى الاحلام الداخلية للفنان.
ولضرورة الاستجابة لهذا الفن المدون، اضاف زرياب وترا خامسا على اسحاق الموصلي واستحدث (مضرابا) من قوادم النسر للضرب على اوتار العود.

وخلال قرن كامل من الزمن، اي في اعوام (233 – 334 ) تجلت معالم التدني والانحطاط السياسي في العصر العباسي. وكان من اسباب هذا التدني ظهور الجند الاتراك المرتزقة الذين لعبوا دورا في تاريخ الخلافة العباسية الثانية – – – وكان هؤلاء قد استقدمهم الخليفة المأمون الى بغداد ليواجهوا اتساع طغيان الجنود الخراسانيين المأجورين.

وفي عهد الخليفة المعتصم كان جيشه كله مؤلفا من الجنود الاتراك. اما الجند من العرب الخلص وابناء القبائل فقد اسقطت اسماؤهم من ديوان الجند (اي وزارة الدفاع) فرجعوا الى قبائلهم لكي يكونوا عنصرا دائم الثورة والاضطراب. ويمكن القول ان هذه العوامل وغيرها ساهمت حقا في دفع الدولة العباسية باتجاه الانحطاط السياسي.

* مقتبس من كتاب حضارة العراق لعادل الهاشمي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close