ما الذي تغير؟

علي علي

منذ عام 2003 حتى اللحظة اتخذت مفردات كثيرة حيزا في مسامع العراقيين، أولها كانت مفردة السقوط، وقطعا كل سقوط يعقبه واحد من اثنين، أما نهوض.. او تداعيات في السقوط. والذي حدث منذ ذاك العام مازال يحدث، ولايمكن إخضاع تسميته الى قاعدة او قالب واحد يصلح لكل التفسيرات، إذ كلٌ يفسره حسب ما يظنه واقعا.. او نزولا على ما يتمناه.. او طبقا لما تملي عليه مصلحته، لذا فمنهم من يشيد بالانجازات التي حصلت رغم ضآلتها، ومنهم من يضعها تحت صورة مكبرة ألف مرة، فتضيع الصورة الأولى تحت سلبيات الصورة المكبرة، وبذا يكون تحصيل حاصل الصورة الظاهرة مموها او مفبركا، وبالتالي فالصورة لاتمثل الحقيقة. ومن المفردات الأخرى التي شاء لها الظرف ان تدوي في مسامعنا طيلة السنوات الستة عشر الماضية، هي مفردة (التغيير).

والتغيير يأخذ من المعاني الكثير، ومن الصور أكثر، والعجيب الغريب في ساسة العراق الجديد أنهم مشغولون بالتغيير، في حين أن المواطن قبلهم يريد التغيير وهو بأمس الحاجة اليه، بدءًا من أصغر مفردات حياته، لكنه في وادِ وهم في وادِ. فكيف يغمض لهم جفن ويهدأ لهم بال وهم على علم بملايين الأفواه الفاغرة التي قلما تكتمل لديها النعم الثلاث في يوم واحد وآن واحد وآنية واحدة، تلك النعم هي (الريوگ والغدا والعشا). ومن المؤكد ان أصحاب الأمر والنهي في مجالسنا الثلاث، على دراية بأعداد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر بألف درجة، ولم تصلهم رائحة أمل حتى لو حصل ألف تغيير. فالتغيير في نظر المواطن هو النقلة النوعية في جوانب حياته، التي مل من تردّي أوضاعها يوما بعد آخر وعاما بعد عام، وأتعبه ضنك العيش، وهو في بلد يفيض نهراه حبًا وخيرًا وعطاءً، وتتنوع خيراته تحت الأرض وفوقها، ومع كل هذا لم يلمس أي تغيير من الذي يسمعه منذ عام 2003. إذ يصطبح بذات القلق، ويمسي بخيبة الأمل ذاتها، وهذا دأبه في حياته منذ الربع الأخير من القرن المنصرم حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

وبدخول الديمقراطية والانفتاح في ذاك العام (المفترج) حل التغيير بكل ماأوتي من قوة، ولكن..! باتجاه لم يكن بالحسبان، إذ شمل التغيير أشياء غير مرغوب فيها ودخيلة على طبائعنا، فتارة ظهور تماسيح في أهوارنا، وتارة أخرى انسياب افعى سيد دخيل الى بيوت مطمئنة او مدارس اطفال آمنة، وطورا خنازير برية تهاجم راعيا في الفلاة او فلاحا في زرعه، أو اسماك قرش تلتهم صبيا في ترعة او جدول يستحم فيه، لاسيما انه لم ير صنبور ماء وفرته له حكومته في البيت، وقطعا تتربع على عرش التغيير الأحداث المفزعة، وهي المفخخات والعبوات وأدوات القتل والدمار التي لم يكن يراها إلا في أفلام الرعب، فباتت تحيق به وتحيط مدينته وزقاقه ومحلته وبيته. وفوق هذا التغيير وذاك ما تطرحه لنا شجرة البرلمان من تغيير في الثمار، إذ لم نعهد من كبير أو صغير دخل تحت قبة البرلمان إلا تغيير السير، وجعله عكس ما يشتهي المواطن وضد تياره، وهو لايطلب سوى المعقول من حقوقه، واليسير من ثروات بلده، التي سرعان مايشملها التغيير فتتبدد على أيدي من يتسنمون المناصب في سدة الحكم.

فهل هناك في الأفق مايطمئن المواطن بالمعنى الحقيقي لمفردة التغيير؟ أم ان التغيير في العراق يعني النكوص والتقهقر والتخلف، في زمن يعدو فيه بنو آدم نحو حياة الرفاه عدوا وقفزا وتحليقا!.

[email protected]

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close