إيران تلعب اللعبة الأمريكية – الغربية

صباح علي الشاهر

مهما قلت أو تقول عن إيران ، فإنها تحسن اللعب في ساحة السياسة ، وهي تدرك تماماً حسنات وسيئات الغرب وأمريكا ، وتوظف هذا الفهم بإبداع ..

الغرب لعب لعبة النظام الذي يخلق من رحمه حزبان ، أو إتجاهان يتصارعان في العلن ، يتعاديان لحد اللعنة، لكنهما لا يخرجان قيد أنمله خارج أسس النظام الغربي أو الأمريكي . ربما ينقنقان بما هو ضد النظام كلياً لكنهما لا يفعلان ما من شأنه تهديد النظام جوهريا .. في بريطانيا حزب العمال بمواجهة حزب المحافظين ، وفي أمريكا (الجمهوريون بمواجهة الديمقراطيون) ، ومنذ أمد بعيد وهما يتناوبان على الحكم ، ولكن لا أحد منهم هز أسس النظام المعبر عن مصالح الرأسماليين ، ولا عمل شيئاً لإرجاع حق مهضوم لشعب من الشعوب ، وهم بهذا لا يخدرون شعوبهم فقط ، بل يخدرون شعوب العالم ، الذين في كل شدة وأزمة ينتظرون رحيل هذا الرئيس ومجيء ذاك ، هزيمة هذا الحزب أو ذاك. يمنون النفس بمقدم هذا الرئيس الشاب، أو ذاك الرئيس الآتي من القاع ، أو ذاك الأسمر البشرة ، أو ذاك الذي من أصول شرقية ، أو الذي قال يوماً كلاماً عبر عن تضامن مع الفيتنام في نضالها الشرس بمواجهة أمريكا .

نفس الحيلة التي تصل لحد الخديعة إستعملها النظام الإيراني ، حيث أنشا ما يسمى “الإصلاحيون” بمواجهة “المحافظون” ، والإثنان يرتبطان بالنظام ، ويسعيان إلى تعزيزه وعدم المساس به ، وإن كان كل منهما يعمل وفق إجتهاده ، ولكن من دون خروج على النص .

أحياناً يصل الصراع بين المحافظين والإصلاحين لحد كسر العظم ، وربما يتجه ليس للإقصاء فقط بل إلى الإيداع في السجن ، أو الإقامة الجبرية لمن يخسر في المنازلة ، لكنه لا يتعدى هذه الحدود، فالأمر في الأول والآخر موكول لرؤية السيد المرشد وموقفه ، والقرار قراره مثلما القرار في أمريكا موكول إلى القوى التي تشكل الدولة العميقة وتوجهها ، وكذا الأمر في أغلبية الدول الأوربية .

وإذا كان الغرب وأمريكا يتلاعب بالعالم كله يوم الانتخابات ، انتخابات السلطات التشريعية ، أو الانتخابات الرئاسية ، فإن إيران أيضاً تتلاعب بالغرب وأمريكا عندما يحل موعد الانتخابات الرئاسية ، وكذا التشريعية ، وربما أحياناً الانتخابات البلدية .

تلعبون ونلعب ، (وما فيش حد أحسن من حد!)

****

أوباما الديمقراطي عزز موقع الإصلاحيين عبر توقيع الاتفاق النووي ، وكانت له حساباته الدقيقة ، وقد كان الرجل أقل تأثرا بالسعودية وعرب الخليج ، وإسرائيل وإن كان حليفها الأكبر ، وقد إنعكس هذا الموقف على الداخل الإيراني ، مما جعل التيار المحافظ يفشل في الانتخابات للمرة الثانية ، ومن المؤكد أنه إنعكس على السياسة الخارجية الإيرانية أيضاً ، حيث السياسة الخارجية إنعكاس للسياسة الداخلية ، أما ترامب الجمهوري فقد أضعف موقع الإصلاحيين عبر تخليه عن هذا الاتفاق ، والتساؤل الذي يطرح نفسه : ماذا يريد ترامب من هذا ؟

هل يريد تعزيز موقع المحافظين وإضعاف الإصلاحيين ؟ بالنسبة لشخص غارق في العنصرية وشديد المحافظة وإنعزالي ، يمكن أن يكون هذا التسبيب منطقي ، فإذا كان ماركس قد قال : ” يا عمال العالم إتحدوا” فالمتعصب المحافظ المهووس بالحسابات التجارية ، لماذا لا يقول : “يا متعصبي العالم ومحافظيه إنهضوا !” ، أولم يرحب لوحده بالمتعصب والعنصري اللندني ، والرجل على أية حال بعيد كل البعد عن الإصلاح والمصلحين ، لذا فقد تصرف على سجيته ، وقد تكون للرجل مآرب أخرى منها : ألم أٌقل لكم مثلما قال نتيناهو إن إيران تسعى لإنتاج القنبلة الذرية ، هاكم هاهو ذي الشيطان يسعى لدمار العالم ، أوقوفه عند حده!

هل يريد ترامب فعلاً منع إيران من صناعة القنبلة الذرية ؟ إذا كان كذلك فلماذا يخرج من الاتفاق الذي نظم وهندس بشكل لا يسمح قط لإيران بإمتلاك السلاح النووي، أم يريد دفع إيران لإنتاج القنبلة النووية ، وهي التي لا ترغب بإنتاجها لحد الآن لسبب عقائدي .

فشل الإصلاحيين في إيران ومجيء المحافظين ، وبالأخص بعد الغدر الأمريكي والأوروبي ، وتخليهم عن عهودهم سيدفع إيران لإنتاج القنبلة الذرية ، لأن أصبح في يقينها ويقين شعبها الذي يتعرض للحصار أنه بالحصول على القدرة النووية العسكرية يمكن ضمان عدم الإعتداء على إيران ، ويمكن التعامل معها بشكل مغاير، وهم يرون كيف رضخت أمريكا ومن وراءها الغرب للهند عند إنتاجها للقنبلة الذرية ، وكذا الأمر فيما يتعلق بباكستان التي مازالوا يطلبون ودها ، أما مثال كوريا الشمالية ، وزعيمها الشاب الذي شيطنوه ، وألصقوا به كل صفات الخبال والرعونة والهمجية فهو مثال حي وملهم . أما قضية فتوى تحريم صناعة القنبلة الذرية ، فيمكن نقض الفتوى بفتوى ، علماً أنه حتى في الفقه السني على إختلافه ثمة ناسخ ومنسوخ حتى لكلام الله، فكيف يكون الأمر بالنسبة لرأي فقيه ، خصوصاً إذا كانت الأمة مهددة بالخطر.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close