ألأقلية النوعية و الأكثرية الجاهلية

عزيز الخزرجي
حين عرض الأمام الحسين(ع) الحقّ على آلعالم و كما أشرنا في آخر مقال(1)؛ كان آلجواب: جواب ألّلؤماء ألخبثاء ألأنذال ألمنافقين .. و كما يتعاملون الآن بإجحاف مع الحقّ المُبين وأهله .. مستخدمين الحقّ مع الباطل وكل وسيلة و واسطة لكبح جماحه رافضين بسبب العقبة الكأداء؛ التواضع أمام الحقّ .. بل و التكبر عليه .. لقد كانوا يقولون للأمام بلا حياء: نحن لا ندري ما تقول يا حسين! لقد ألفنا الشرع والحق و الخليفة بآلأجماع .. بمعنى .. نحن لا نريد أن نفهم ما تقول!

أضاف بعضهم: لقد وعدونا بكيس من التمر بعد قتلك ..

و آخر: وعدونا بمنصب كبير و هبات و عطيات..

و كبيرهم عمر بن سعد : يصيح وسط الميدان .. [إنها مُلك الريّ]!
وهكذا وقفت تلك الأقلية النوعية بوجه الأكثرية الجاهلية .. و ما زالت القياسات الباطلة حاكمة في هذا المنحي بسبب النظرة و التفكير المحدود.

ولم تنتهي القضية عند ذاك الحدّ؛ بل إستمرّ الجّهل ورواتب الحرام بوسائل مختلفة حتى من قبل الدّعاة”ألميامين” جدّاً بعد ما كانوا من أشرف الناس المُدّعين لحكم آلأسلام و هم يتوزّرون صورة الصدر المظلوم بلا حياء .. لأجل الفساد و آلحرام ..

و ما زال الجّهل مُتغلغلاً و رفض فهم الحقيقة بذرائع شتى قائماً حتى من قبل المثقفين.. و هضم حقوق الفلاسفة و حصارهم و قتلهم سُنّةً وسط العالم خصوصاً ألعربان, و هكذا قتلوا آلحسين .. و لا يزال يقتولون كلّ شريف و مُفكر و فيلسوف بلا رحمة .. و المشهد يتكرّر يومياً مع عناد مسبق .. بسبب لقمة الحرام التي إنهضمت في البطون وسرت بمجاري الدّم .. فإختلط الحق بآلباطل وإنمسخ الجميع.
في الحقيقة حين تأمّلتُ آلسّبب الكامن وراء هذا الأنهيار الأخلاقي والظلامية في التعامل مع الحق من حيث علّمنا الله سبل الوصول للحقيقة المطلقة وكشفها بعد دراسة جذورها و القضايا ذات العلاقة لمعرفة الحقّ النظيف الطاهر العليّ؛ رأيتُ آلسّبب .. أنّ أكثر الناس بما فيهم المثقفين ولموت الضمائر ماتت عندهم بؤر التفكر و الأبداع, فأصبحوا يقيسون (ألسّيئ بآلأسوء) و (الرّدئ بالأردء) و (الكوني بآلأرضي) و (المعصوم بآلعاميّ) و هكذا .. حتى صارت المقايس ظالمة ؛ و الأحكام مجحفة ؛ و التقييمات ظالمة؛ و العلوم مظاهر و شكليات .. وإلّا كيف يُمكن أن يصل الأمر لأن يقيسوا (علّياً مع معاوية) على سبيل المثال .. حتى قال عليّ(ع) في ذلك:
[لقد أنزلني .. أنزلني الدهر؛ حتى قالوا معاوية و عليّ] وقس على ذلك!

إنّ الفلسفة الكونيّة توصي في أحد أهمّ مبادئها الأساسية ليس فقط لمعرفة الحقّ بل لكشف أسرار الوجود أيضا؛ إلى وجوب تبنّي ألسّاعي المؤمن إلى عقيدة كونيّة محكمة القواعد و البنى التحتية تشدّه للأعلى لتشكيل رؤية كونيّة تستند لجذورٍ ضاربة في أعماق ألوجود, لأعتقادها بعدم جدوى الأيمان الظاهري المبني على مجموعة مسائل فقهية تحدد أداء العبادات الشخصية, بل تؤكد فلسفتنا على خوض غمار تجربة الوجود و لكل منا تجربته و طريقته لأن الطرق لله بعدد أنفاس الخلائق ؛ بمعنى عبور محطات العشق ألسّبعة(2) إلى حيث مدينة المحبة والخلود ألأبدي والذي معه يصل ألمسافر إلى حقّ اليقين وهي المرحلة التي فيها لا يزداد الأنسان بعدها يقيناً(3), و كما قال العليّ الأعلى: [لو كُشف لي الغطاء ما إزددت يقينا], و السبب لكونه (ع) ما عَبَدَ اللهَ لا خوفا من النار و لا طمعاً في الجّنة ولا كعبد من العبيد, و إنما عبدهُ لأنّهُ(ع) رآه مستحقّناً للعبادة لكونه تعالى رحيماً ودوداً عطوفاً حليماً و ألف صفة ممّا ذُكر في الأدعية المتواترة, و هذا هو المقياس الكونيّ في بيان حقيقة ألأيمان والتعبد و العقيدة النافعة, ولا يرتبط بمذهب أو دين أو عقيدة أو قانون.
في مقابل هذا المقياس الكونيّ يقيس آخرون معيار الأيمان و العقيدة بكثرة المصلين و عدد الركعات و طول اللحية و آلألقاب المرصعة بآلأيات و بعدد ألحجيج و المسلمين في العالم, و الذين لو تأملت عددهم اليوم فإنهم يزيدون عن ملياري مسلم – يعني ثلث سكان العالم تقريباً – و أكثرهم من المؤمنين بآلمقياس الرّياضي .. لكنّ – كبيرة – هنا تعترضنا, مع تساؤل هو: هل ين المليارين من المسلمين لهم وزن و ثقل و مكانة في العالم بقدر عددهم!؟
و بآلضمن .. ما فائدة ملايين السادة و أضعافهم من الشيوخ والعلماء,إذا كانوا يعتاشون على الغير ولقمتهم و بيوتهم وبنوكهم و مساكنهم و حتى أثاثهم و القلم الذي به يكتبون قد صنعه فئة قليلة غلبت ملياري مسلم .. بل جعلهم عبيداً لا يستطيعون العيش بدونهم؟
إن “شعب الله المختار” حصرناه بين قوسين صغيرين لأن عددهم لا يتجاوز ألـ 12 مليون نسمة نصفهم يعيش في إسرائيل, هذا في مقابل أكثر من ملياري مسلم.
ما آلسبب في عدم جدوى الأعداد والأرقام و الكميات في مقابل النوعية حتى ولو كان عدد النوعيين قليل جداً بنسبة 1 / 2000 مسلم!؟
إن اليهود الذين يحكمون 22 دولة عربية يزيد عدد سكانها على 350 مليون عربي يضاف لهم ملياري مسلم زائداً 5 مليار من النظراء في باقي دول العالم .. لهي مسألة كبيرة يجب التوقف عندها, لمعرفة السبب و جذور المشكلة النوعية لا الكمية و كما يعتقد بذلك المثقفين للأسف!
هذه أسئلة كبيرة و كبيرة جدا على المثقفين والعلماء الوقوف عندها مليّاً مع تجنب قياس السيئ للأسوء؛ والردئ بآلأردء؛ و المعصوم بآلعامي؛ والكوني بآلأرضي, و المسلح بآلعلم النافع مع المسلح بآلأوهام و التقاليد و المسائل المتحجرة, و كما قرأت من البعض الذين إستشهدو بأقوال آخرين مفتخرين بكون عدد السادة قد كثر و نسل يزيد قد إنقطع .. و نسوا بأن يزيد قد خلّف عشرات بل مئات الملايين من اليزيدين الذين لا يرعون إلاً و لا ذمة, و لكنهم يسعون ف مسالك العلم و التسلط بآلحرام و الحلال و سادتنا ما زالوا يعيشون على أكتاف الكادحين و عرق جبينهم و قوت و مستقبل أطفالهم الذين لا يجدون مدرسة جيدة يتعلموا فيها أو مستشفى متطور يتداوون فيها أو حديقة عامرة أو شارع نظيف أو مدينة جميلة يقضون فيها حياتهم .. أي سادة و شيوخ هؤلاء الذين يأكلون الدّنيا بآلأدين؟
أ ليس هذا هو آلفساد العظيم الذي يفتخر به المثقفون! لم يبق سوى الرجوع و الأفتحاز بعدد موتانا في مقابرنا و تفضليهم على الآخرين و كما فعل أهل الجاهلية الأولى والتي مازالت حاكمة بقياسات حنبلية و حنيفية و شافعية وإجتهادات شيعية جديدة و المشتكى لله.
الفيلسوف الكوني
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) https://arusalahwar.com/%d9%85%d8%a7%d8%b2%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7-%d9%8a%d9%82%d8%aa%d9%84%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86%d8%b9
(2) بدأنا قبل شهر محرم بعرض تفاسير الأسفار السّبعة و قد أتممنا بحث (الطلب) و ( العشق) إلى (المعرفة) وسنكمل الباقي تباعا في الحلقات القادمة إن شاء الله, مع الأعتذار بعد توقف نسبي بسبب مقتل رائد العشق الذبيح الحسين(ع).
(3) ألأيمان الحقيقي ثلاث مراحل, هي: علم اليقين و عين اليقين و حقّ اليقين.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close