زعيب وشحيج المنابر وحلقات براثن الشر والخراب والديمقراطية المسلفنة وبضاعة السياسين الفاسدة تحكم العراق وألزاما !

د.كرار حيدر الموسوي

أذا لم نحدد وبشكل واضح، وصارم، من يحكم العراق الآن فعلاً، فإننا نكون كمن يسير على عماه، بلا هداية، ولا دراية، تماماً مثل ذاك الذي يحارب طواحين الهواء، أو ذاك الذي يحسب السراب ماءا وسط ظمأ الصحراء*لقد وضعوا قطارنا على السكة الخطأ، ولا خيار لنا إلا بتغيير هذه السكة وإتجاهها، وليس بتغيير القطار، فالقار قطارنا، وهو الذي يظلنا جميعاً ويأخذنا إلى ضفاف المستقبل الذي نريده سعيداً ومشرقاً لنا جميعاً كعراقيين، عراقيين لا سنة ولا وشيعة ولا كرد ولا مسيحين، عراقيين وعراقيين وحسب .
ليست مجرد أكاذيب ومغالطات إنها سياسة مُخطط لها، رسم تفاصيلها المُحتل، ونفذها الأذناب الذين جاء بهم، والذين إلتحقوا بركبهم، ونسج على منوالها المغفلون، القول بأن : الشيعة يحكمون العراق !لم يسأل مرددوا هذه الفرية عن حقيقة من يحكم العراق، وهل يحكمه الشيعة فعلاً ؟إلى من ينتمي رئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، ووزير التربية، ووزير التخطيط، ووزير الدفاع، ووزير الثقافة، ووزير الكهرباء، وغيرهم من الوزراء، وكيف يتشكل البرلمان وأجهزة الأمن والشرطة، والتشكيلات غير المرتبطة بالسلطة التنفيذية قولاً، لا فعلاً ؟ومن هم على رأس السلطة في المحافظات ذات الأغلبية السنية، ومم تتشكل حكومة كردستان، ومن يقود محافظاتها الثلاث، ومن على رأس بيشمركتها الكرد، والكرد فقط؟سيقول قائل : كل هذه المناصب شكلية، المنصب الحقيقي الفعلي هو منصب رئيس الوزراء، الذي هو بنفس الوقت القائد العام للقوات المسلحة ؟هذا كلام صحيح، إلى حد ما، ولكن طالما ظل البعض ينظر للأمور بمنظار طائفي أو عنصري، وطالما إعتمدتم صناديق الإنتخاب، فأن هذا المنصب سيظل من حصة العنصر والطائفة الأكثر عدداً، إلا إذا إرتأيتم طريقاً آخر، ألا وهو الإنقلاب، الذي أصبح متعذراً في الوقت الحالي، أو الإنفصال، الذي سيتبعه إنفصالات بلا حصر ولا عد .
وزعموا أن حكم الشيعة حكم فساد وإفساد، والحال أن الحكم الذي جاء به المحتل، كان ومازال وسيبقى حكم فساد وإفساد، ويتساوى في الفساد والإفساد الشيعة والسنة والكرد، وبقية الأقليات المشتركة فيما يسمى بالعملية السياسية، وهي عملية نهب بلا حدود، رسمت بذكاء سيجعلنا نلف وندور كثور الناعور .الطائفيون المكشوفون، والمستترون تحت غطاء اليسارية أو القومية أو الوطنية، يزعمون أن الشيعة غير مؤهلين للحكم، وأن تجربة السنوات ما بعد الاحتلال تؤكد هذا !ترى ماذ عن فساد الساسة السنة، الذين يبيعون ويشترون علناً المناصب الوزارية، وحتى عضوية البرلمان، وماذا عن فساد وزراء التربية، والكهرباء، وبقية الوزارات، وهو فساد لا يقل عن فساد بقية الوزارات التي يحتلها الشيعة إن لم يزيد ؟ وماذا عن فساد حكومة إقليم كردستان، وإحتكار الهيمنة والنهب من قبل الحزبيين الكرديين؟
ويقولون لك لا نأمنن على الديمقراطية في ظل المليشيات الشيعية، وهذا كلام حق يراد به باطل، فمن جهة لا ديمقراطية في ظل السلاح المنفلت والعصابات المنظمة، ليس هذا فقط، بل لا ديمقراطية في ظل عدم المساواة بين إبن الفلاح وإبن المرجعية، بين إبن العامل وإبن السيد، أو الشيخ، أو الملّه، ليس المساواة على الورق، بل المساواة الفعلية، فليس من المعقول أنك تُقبّل يد صبي، ثم لا تنتخبه أو تنتخب من يمثله عندما تتوجه لصندوق الإقتراع، وتقبل عجلات سيارة السيد، ولا تنتخب من يطالبك بإنتخابه. المساواة تستلزم إبطال سطوة المال السياسي، ونفوذ العوائل، والعشائر، والقوى المتغولة، والعمل على جعل المواطن حراً عندما يدلو بصوته .
الغريب أن هؤلاء الذين يسمون الحشد الذي هزم أكثر التنظيمات إرهاباً بالمليشيات، سموا الزرقاوي والقاعدة وداعش ثواراً، ينتصرون لمظلومية الطائفة المهمشة، وطالما أنت غير منصف أخي السني فإن أخوك الشيعي سيظل يتحذر منك، وسيدافع عن ميليشياته التي تحمية، وقد حمته فعلاً، وطالما أنت أخي الشيعي غير منصف، وغير عادل، ومحتكر لقرار البلد الذي يشاركك فيه الآخر من أبناء الوطن، فأن أخوك السني سيلوذ ويحتمي بأي مصيبة يضعوها أمامه حتى لو أدت هذه المصيبة إلى إحراق بيته بمن فيه .
من يحكم العراق الآن ؟. نطرح السؤال ونحن نعرف أن هناك حكومةعراقية ومجلس نواب ومؤسسات دولة.. لكننا نعرف ايضا أن هناك مليشيات مسلحة تتسيد الشارع مثلما نعرف ان هناك عصابات منظمة وزمرا ارهابية لا يدري احد طبيعة اجنداتها الا اذا كنا نعترف بان الفكر الاسود الذي يعشش في عقول قياداتها يمكن ان يكون اجندة لتدمير ما تبقى من بلاد الرافدين. والواضح ان لمختلف هذه الجماعات المسلحة الدور الاكبر في الشارع العراقي، فهي التي تتحكم في حركة الناس وحريتهم وعملهم ونشاطهم وهي التي تقرر وتملي على السياسيين العراقيين خطابهم وبرامجهم وتوجهاتهم المعلنة والخفية. هل يتم ذلك برضا الحكومة والاحزاب والسياسيين ام انه بات يتم رغما عنهم بعد ان تعاظمت فوة هذه الجماعات فتمردت على الذين اوجدوها ؟ سؤال يقودنا الى مجموعة من التساؤلات عن قدرة مؤسسات الحكومة العسكرية والأمنية على حماية المواطنين وردع المليشيات وتفكيكها وحلها نهائيا، بعد أكثر من ثلاث سنوات على إنهيار دكتاتورية صدام وبعثه وطائفيته غير المعلنة. وإذا كانت الحكومة العراقية المنتخبة بكل مؤسساتها، غير قادرة على حل هذه المليشيات فمن الذي يستطيع أن ينقذ العراق والعراقيين منها؟ خاصة وان معظمها يرتدي لبوسا طائفيا لم يكن معلنا في العراق بغض النظر ان كان ذلك ناجما عن طبيعة النظام الديكتاتوري السابق وقسوته وقمعه او عن قناعة بحتمية التعايش في عراق موحد او انتظارا لفرصة الانفصال الطائفي جغرافيا بين مكونات الدولة العراقية الحديثة. لقد تصاعدت الطائفية في العراق مؤخرا إلى مستويات لم يسبق لها مثيل وهو تصاعد يرفضه العلمانيون المتطلعون لحياة جديدة ويرفضه رجال الدين علنا لكن كل منهم يلقي اللوم على الطائفة الأخرى ويرى نفسه بريئا مسكينا مسالما وضحية لطائفية الطرف الآخر بينما هو مقتنع تمام الاقتناع انها صحيحة و شرعية ومقدسة ويجب المحافظة عليها في حين ان السياسيين المتدينيين يعون أبعاد المشكلة الطائفية وبيدهم الكثير من مفاتيح حلها ولكنهم يبخلون بها أو لا يريدون حلها! والمؤكد ان العلماني يجد مصلحته في وطن موحد ومجتمع متفتح منسجم ومتوافق في حين يجد رجل الدين السياسي مصلحته في مجتمع محتقن متوتر صغير وضيق ومغلق يقام على جزء مقتطع من الوطن واذا كان البعض يرى أن لا حل للطائفية إلا بتركها تسير نحو حتفها أي تركها تنحر نفسها بنفسها. فان آخرين يصرون على وحدة العراقيين والعراق بعناد لا يقل هوسا عن عناد المفرقين ويحرصون على بقاء البيت العراقي قائما متواصلا مع تاريخه وينابيعه الروحية الأصيلة وفي الاثناء يعود آخرون للحضن القبلي كحصن يقي من التمزق الطائفي. ورغم الخشية المشروعة من توحد موقف القادة الطائفيين ضد العلمانيين فان المؤكد ومن الضروري أن يستمر العلمانيون في حث القادة ورجال الدين في الطائفتين على مزيد من الحوار الهادف لتمتين وشائج التفاهم والمحبة وتنشيط الحراك الفقهي أو الفكري والثقافي المأمول ان يكون مفرغة صواعق وساحة تنفيس عن المكبوت الطائفي بطريقة سلمية وودية تقطع الطريق على مشروع تفجير الفتنة الطائفية والذي يجري العمل عليه بقوة داخل وخارج العراق. والحل الوحيد الممكن والمعقول هو التصدي الحازم لطائفية الطائفتين بالقوة وحل ميليشياتهما ومنظماتهما السرية ذلك إن خلع الأنياب الفولاذية للطائفية يظل ضرورة ملحة ليشمل سحق المنظمات الإرهابية التكفيرية في أوساط السنة وبتعاون وإسناد غالبية السنة المتضررة من ممارسات الإرهابيين وتصفية المليشيات الشيعية بقناعة معظم الشيعة وبقوة القانون ودمجها في مؤسسات الدولة بطريقة مناسبة وصحية، وتصفية المتمردة منها! ان الحل الجذري بيد قادة بعض الأحزاب والكتل السياسية الحاكمة، لأنها هي التي تدعم وتمول وتساند وتؤيد هذه المليشيات المسلحة والتي تنتمي لها وليس لغيرها. ونعود الى سؤالنا الاول للساسة العراقيين هل تريدون أن تحكموا العراق من خلال مليشياتكم المسلحة التي كبرت حتى على مقاساتكم أم من خلال مؤسسات الدولة التي تقولون انكم قادتها؟

عندما خرج العراقيون إلى الشوارع في 16 محافظة من مجموع 18 في عام 2011، نطق وكيل المرجعية «الصامتة»، غير المرئية لعموم الشعب، ليحذر المحتجين على سوء الخدمات والفساد، من استغلال تظاهراتهم من قبل «مندسين» يسيئون إلى العراق,وكان نوري المالكي، رئيس الوزراء ايامها، المدعوم من قبل المرجعية، قد اصدر حكمه على المتظاهرين المسالمين بالإرهاب مصرحا عبر قناة ‘العراقية’ الرسمية، قبل يوم من تلك المظاهرة: ‘أدعو إلى عدم المشاركة في مظاهرة الغد لأنها مريبة… ان من يقف خلف المظاهرة الصداميون والإرهابيون والقاعدة’. وكانت النتيجة اطلاق النار على المتظاهرين وقتل 29 متظاهرا بينهم طفل. واعتقل نحو ثلاثمائة شخص فيهم صحافيون وفنانون ومحامون بارزون كطريقة للترهيب. إلى جانب المرجعية، وأعني هنا علي السيستاني، وقف مقتدى الصدر مقترحا، في اكثر لحظات الحكومة الطائفية تأزما، امهالها مدة مائة يوم لأجراء الاصلاحات. كان هذا، بالاضافة إلى حملات التهديد والاغواء والاعتقالات، سببا آخر لإلهاء المتظاهرين عن اهدافهم الاساسية وتمييع القضايا وبالتالي انهاء حملة المطالبة بالحقوق.
وكما قامت قوى النظام بالإلتفاف حول المطالبين بحقوقهم الاساسية، عام 2011، عادت ذات القوى، هذه المرة، ومنذ انطلاق التظاهرات الحاشدة في العديد من المدن، من شمال العراق إلى جنوبه، للالتفاف حولهم، بتكتيك مغاير للمرة السابقة. اذ لم يهاجم النظام المتظاهرين بالقوة ولم يرشهم بالرصاص، بل سارع ساسته، كلهم، إلى اعلان تضامنهم مع المتظاهرين ضد الفساد. وكأن الفساد جرثومة حطت على ارض العراق من الفضاء الخارجي ولا علاقة لهم به. فاستنكروا وأدانوا وشجبوا. سارع بعضهم إلى القنوات التلفزيونية، ليعلنوا، كما يفعل طيب القلب أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، عن «قلقهم» من الفساد الذي يعيق وصول التيار الكهربائي إلى ابناء الشعب المظلوم (وهو الاسم الرسمي، حاليا، للشعب العراقي).
هدد آخرون بفتح ملفات الفساد (للمرة العاشرة بعد المائة على الاقل!) ومحاكمة المسؤولين وابعاد غير الكفؤين. وبلغت خطوة احتواء التظاهرات وتمييع المطالب قمتها حين انضم ساسة الفساد، أنفسهم، من مسؤولين ومستفيدين من احزاب ومليشيات وحشد شعبي إلى ساحات الاحتجاج في المدن المختلفة، لينفذوا ما برعوا بتنفيذه خلال الـ13 سنة الماضية أي السرقة والنهب ورمي المسؤولية على الآخرين.
لم تسلم حتى الساحات وشعارات المتظاهرين ومطالبهم المشروعة من الايادي المتعودة على النهب. فجأة صارت مآسي الشعب مآسيهم. مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، كان من بين الذين صحوا من سباتهم على اصوات المتظاهرين. فدعا حيدر العبادي، إلى «تشكيل لجان مستقلة وبإدارته المباشرة، لإحالة ملفات الفساد والمفسدين للحكومة السابقة والحالية إلى الادعاء العام». متناسيا ان هذا بالضبط ما قام به المالكي ليخلق بطانة الفساد الخاصة به وان الدول والمؤسسات لاتبنى بهذه الطريقة. تبعه اسامة النجيفي، نائب رئيس الجمهورية، الذي جدد «دعمه لأصوات المتظاهرين» وضرب رموز الفساد وهو احد المتهمين بملف فساد ثقيل. وأكد رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، على «حق المواطنين بحرية التعبير الحر عن حقوقهم ومطالبهم ومحاسبة المفسدين». أما رئيس كتلة الدعوة النيابية، فقد طمأن العبادي بأن «الجماهير ستقف مع رئيس الوزراء في قراراته الخاصة بإبعاد المفسدين من واجهة الحكومة، وان عزيمة الشعب لا تقهر»، متعاميا عن حقيقة ان رؤساء الوزراء الثلاثة الذين اوصلوا العراق إلى هاوية التفكك والفساد الاداري والسياسي الحالي هم قادة حزب الدعوة، وان نداء «المرجعية الرشيدة» الذي تم توجيهه، إلى العبادي، للضرب بيد من حديد على المفسدين سيتطلب، كخطوة اولى، محاسبة قادة حزب الدعوة نفسه، مهما تظاهروا بادعاء الاصلاح

.
أما حث « المرجعية الدينية العليا» رئيس الوزراء العبادي على «ان يكون اكثر جرأة وشجاعة في خطواته الاصلاحية» ومن ثم استجابته الفورية، باعلان التزامه الكامل بالتوجيهات القيمة للمرجعية الدينية التي عبرت عن هموم الشعب العراقي وتطلعاته، فإنه يبيّن، اولا: أدراك المرجعية بأن النظام على حافة الانهيار ازاء غضب الجماهير..
ثانيا: ان المطالبات لم تعد مقتصرة على الخدمات بل تعدتها إلى الدفاع عن حق الحياة. رابعا: ان من يحكم العراق، فعلا، ليس ما يسمى بالحكومة والبرلمان بل ذلك الكيان المسمى «المرجعية الدينية العليا»، القابع في بيت منزو بمدينة النجف، الذي لا يسمع الشعب صوته، الا عبر وكيل، ولم ير غير بعض صوره المضببة التي لايعرف احد تاريخها بالاضافة إلى فيلم تم تصويره اثناء نقله إلى لندن عندما قامت قوات الاحتلال الأمريكي بتدنيس ضريح الامام علي. ترى ما مدى معرفة هذه المرجعية بأمورالعراق والعالم بما فيه الإقتصاد والتكنولوجيا والسياسة الدولية والإقليمية والتوازنات العسكرية، أو حتى فهمها الإحصاءات والجغرافيا خارج اختصاصها في كتب الفقه؟ مع ذلك، يقدم النظام الحالي صورة المرجع غير المرئي، باعتباره مصدر الإلهام لسياسات الدولة الكبرى في قضايا مصيرية، إضافة لكونه أيقونة العواطف، العقائدية، الشعبوية، النقية.
انه «الذي يرى كل شيء»، لذلك تصبح طاعة فتاويه فرضا على المواطنين خاصة حين تتطابق مع متطلبات الساسة وتتماشى مع المحافظة على النظام الطائفي. ولعل اهم تساؤل سيوجهه جمهور المتظاهرين إلى انفسهم عند انفضاض التظاهرات، بانتظار تحقيق «الاصلاحات» الموعودة، هو عن فائدة وجود حكومة ومجلس نواب إذا ما كانت مرجعية السيستاني هي القادرة على تسيير الدولة بواسطة فتوى؟ لم الانتخابات؟ ماذا عن الدولة المدنية وحق المواطنة وحكم القانون؟ والأهم من ذلك، ماذا عن بقية الشعب العراقي، بتنوعه الديني والمذهبي، ازاء مرجعية تمثل مذهبا واحدا؟

إن موقف الأحزاب السياسية من العلاقة التي تنشأ بين الحكومات العراقية المتعاقبة وبين الغرب ؛ أنما هو موقف وطني يمثل إرادة الشعب العراقي ؛ فالذي ترفضه الأحزاب يرفضه الشعب العراقي والذي تريده الأحزاب يريده هذا الشعب . بمعنى آخر: إن الأحزاب جعلت لنفسها القيمومة التامّة على الناس في هذا البلد . ويجد المراقب أن هذه الفرضية هي المعوّل عليها في تحديد (وطنيّة)الحكومة من عدمها .و من الضروري الإشارة إلى شيئين :-

الأول :- أتعامل مع فكرة وجود الأحزاب السياسية أو الثقافية داخل المجتمعات الإنسانية على أنها ظاهرة عصرية وحضارية وضرورية ؛ بل هي مظهرٌ حيٌّ من مظاهر حرية التعبير التي جاءت بها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية على اختلافها . على هذا فانّه ليس من قصدي المساس بهذه الفكرة كما هو دأب الجماهير العريضة في العراق الآن ثقة بأصحاب الرأي الذين دلّت الشواهد المتكاثرة أنهم يرعون مصالحهم العملاقة حسب , لأنني أنظر إلى الحزب السياسي على أنه جهد بشريّ يرنو إلى زج الطاقات الفكرية والفسلجيّة في عملية سياسية غايتها تحقيق أهداف عامّة يسعى إليها الجمهور . على هذا فأنني من المؤمنين بعدم جدوى مقولة فصل الدين عن الحياة ‘ ذلك أن مفهوم الدين عندي عام يتخطّى مسألة (الطقوس العبادية) .

الثاني : يؤسفني جداًّ أنني لم أتبنَّ (أيديولوجيا) حزبية إلى الآن حتّى أدعو القارئ المحترم إلى تبنّيها ونبذ التي هو عليها . فلتطمأن نفسٌ أني لا أدعو إلى حزبٍ دون آخر ‘ولكنني ألفت نظر الجميع إلى واقع مرير تظهر الإشارة إليه في الأسطر التالية .

إنّ الواقع الذي عليه الحياة الحزبية في العراق يكشف للمنصف حينما يتأمل في الأحداث السياسية التي عصفت بالبلاد منذ العام 1914 ولحد الآن يجد أن أغلب الأحزاب العراقية تسعى جاهدة لتحقيق منافعها الخاصة بغطاء (وطني) أو غطاء(ديني) بحسب طبيعة جماهير هذا الحزب أو ذاك ‘حيث إنّ(العملة) الرائجة في (سوق السياسة العراقية)حبّ الدين أو حبّ الوطن, والعجيب أن الاختلاف في طبيعة هذه الأغطية(الخطابات السياسية المعلنة)التي تتبناها الأحزاب لا ينسحب على الوسائل التي يتخذها هذا الحزب أو ذاك في التعامل مع المتغيرات داخل البيئة السياسية العراقية . بمعنى أن الحزب(الديني!) يمارس خارجاً نفس الأساليب التي يمارسها الحزب (الليبرالي!) .

الكل ينظر إلى (المهام الوطنية والدينية) أنها(فرص عمل) تحقق له ولمؤيديه(مستقبلاً مرموقاً).. الكل يعاني من المرض السلوكي الخطير : الاستئثار بالسلطة ؛ بمعنى أن السلطة حقٌّ طبيعي له ولعائلته ولمنطقته الجغرافية ولمذهبه العقائدي أو السياسي وهكذا , حتى صار من السهولة لكل إنسان في البلاد ارتداء لباس الدين ولباس الوطنية في أي وقت يشاء !!ولكن الكل لا يكترث بإسلامه و لا بعراقه !!!ما قيمة الإسلام من دون أن يحيا المسلمون حياة آمنة ؟؟وما قيمة (هذا الوطن) من دون أن يحيا أبناؤه بعيداً عن التغييب والشعور بالجوع وعن الخوف والقتل والمرض؟؟؟(قادة) الرأي في المجتمع العراقي فاسدون مجرمون يقودون الجماهير نحو الهلاك والدمار من خلال ما يُشيعونه من منظومة قيَمٍ فاسدة تقوم على أسس غير حضارية !!

إقرؤا تأريخ العراق الحديث جيداً لتروا ماذا كان يفعله زعماء العشائر ورجال الدين وكثير من السياسيين إبان حوادث الحرب العالمية الأولى في(الشعيبة) وفي غيرها من البلدات العراقية ما تنفر منه النفوس الأبيّة من سرقة الأموال والبحث عن (فرص عمل) والمتاجرة بمشاعر الملايين المغيبين عن الحقائق الذين أحسنوا الظنّ بقادتهم على أنهم هم الذين سيقودونهم إلى(برِّ الأمان) !!أنظر إلى ما ذكره الإمام المجاهد المجدد آية الله العظمى السيّد هبة الدين الحسينيّ المعروف بالشهرستاني في مذكّراته(أسرارُ الخَيْبَة) : « إن كثيراً منَ العشاير المجاهدة- والحق يقال- أساؤا الصنيع مع حكومتهم الإسلامية, فلم يصرّحوا بعدد اتباعهم الموجودين حقيقةً ,وأمراء جيشنا أيضاً أخطأوا في إهمال أمر التفتيش عن أحوال المجاهدين وإعدادهم على وجه التحقيق ..فلقد كان كثيرون من رؤساء العشاير يظهرون للحكومة عدد اتباعهم أضعاف الموجود لديهم ليقبضوا معاشاتهم ‘ ومع ذلك كانوا هؤلاء لايوسعون على اتباعهم غالباً . ولقد رأيت من أثبت عدد أصحابه في دفتر الحكومة مائة وثلاثين ولم يكن معه الثلاثون بل رأينا من أحصى جماعته زهى ألف ولم يكن معه مائة فكان هؤلاء يتقدمون لاستيفاء حسابهم الباطل نقدياً فإذا وصلت النوبة إلى بقية المجاهدين وجدوا كيس الحكومة كفؤاد أم موسى فارغاً» .

هذا وتجد في مذكرات الإمام كاشف الغطاء والشيخ الأستاذ محمّد رضا الشبيبي ؛ الّذَين أرَّخا تلكم الحقبة أيضاً , حادثاتٍ تهزُّ المشاعر ‘ وتبعث على الأسى !!الذين(جاهدوا) المحتلَّ البريطاني كان (جهادهم) دفاعاً مستميتاً عن المحتل العثماني( الدولة العَليّة العثمانيّة الإسلامية) لأنه ضَمِنَ مصالحهم العملاقة ‘ لكنهم لا يبعد استعمالهم آلة الدين وآلة الوطن في جهادهم هذا .الشعب العراقي وعبر تاريخه السياسي لا يعرف لماذا يرفض ‘ كما أنه لا يعرف لماذا يوافق لأنه شعبٌ(منبريٌّ)-إن جاز التعبير- أي أنه شعبٌ يأخذ ثقافته منَ المنبر فقط ‘ من دون أن ينتبه إلى أن الكثير من المنابر هي من صنع المتسلطين عليه باسم الدين أو باسم الوطن!!!قيل لهم:أنتم عرب والعربي يرفض المحتل وعليكم بمدافعة المحتل الكافر الأجنبي , وهذا شيء جيد,ولكن كيف إذا كان المحتلَّ غير أجنبي وغير كافر -بالمعنى العُرفي للكفر- ؟؟

قيل لهم أنه من ولاة الأمر!!!العراقيون قاوموا المحتل البريطاني في العام 1914 ولم يعتبروا العثمانيين محتلّين حتى يقاوموهم وإن مارسوا ضدّهم شتى صنوف الإذلال والتجويع . (المنابر السلطوية) كانت تقول لهم أن هؤلاء مسلمون والمسلم يسوغ له ممارسة الإرهاب والاحتلال,ولو قبضت هذه المنابر( ثمناً) من بريطانيا لقالت لهم أن هؤلاء فاتحون !!

أنني أنظر بعين الاهتمام أن لا فرق بين محتلٍّ(الفاعل) وآخر على أساس الجنسية أو المعتقد أوصلة القربى.. كل مَن يفرض إرادته بالقوّة على محتلٍّ(المفعول به) فهو فاعلٌ للاحتلال, ثقافة الاحتلال يقترفها الناس في البلاد على بعضهم البعض الآخر أيضاً . الصراع في العراق صراعٌ بين القوي وبين الضعيف لا بين الحقّ وبين الباطل ,بعض المؤسسات العامة ومنذ زمن تمارس الاحتلال أيضاً باسم المصلحة العامّة !العراقيون رفضوا معاهدة (بورتسموث ) لأن المنابر السلطوية كانت ترفضها بهذا العنوان أو ذاك ؛ وإلاّ أي عراقيٍّ قرأ بنود هذه المعاهدة بروح وطنيّة حقيقية لا بروح وطنية اصطنعها أصحاب المصالح الذين يتاجرون بمشاعر المغيَّبين عن الحقائق ..

مَنْ ذا الذي قرأ بنود المعاهدة ‘ والدراسة في مدارس الحكومة كانت حراماً في العراق ؟!هل يجرؤ أحدٌ – على سبيل المثال -أن ينشر للشعب- الآن- بنود هذه المعاهدة ليعرف عن كثبٍ ماذا فُعل بأسلافه خيرٌ أو شرٌ ؟وهل يجرؤ أحدٌ من قادة الأحزاب أن يقول للشعب ما هي الدوافع الحقيقية التي حملته على زج الملايين في أتون معارك دموية راح ضحيّتها الآلاف تحت هذا المسمّى ذاك ؟؟كل الذي حصلنا عليه هو أن ثمن دماء الأبرياء التي سالت على أديم الوطن كان أن تبوَّءَ الماحلون مقاعد يمارسون من خلالها ثقافة تغييب الحقائق عن الملايين حتى لا يعرف أحدٌ منهم حَقَّهُ !!العراق يشخب دماً عبيطاً منذ عشرات السنين ‘فمن الذي يُوقف هذا النزف الخطير ؟؟!!لماذا لم يقل (الحاليون) الذين ملئوا الساحات والشوارع بالضجيج والبكاء على صدام والعروبة : إن صدام أعطى خطّ (التالوك) المائي إلى إيران لقمة سائغة بعد أن يأس الشاه من الحصول عليه من نوري السعيد الذي أطيح به على أنه حليف الاستعمار ؟؟ولماذا لم يقل(الحاليون) أن صداماً هو أول من أرسى دعائم تقسيم البلاد حينما أصدر قانون( الحكم الذاتي) ثم قسّم البلاد إلى أربع مناطق مرّتين ؟؟

الكرة-الآن- في مرمى الشعب العراقي ممثّلاً بقادة الرأي فيه الذين أعتزُّ بهم كثيراً ؛ الذين يقرّون أو لا يقرّون شكل المستقبل لهذه الأمة المعذبة ‘ يزيدون في عذاباتها ‘ أو يُضمدون جراحاتها ,يصبرون قليلاً مواساة للفقراء المغيَّبين ؛ الذين لا يجدون لهم ناصراً إلاَّ الله ‘ أو يتنعَّمون على نشيد جراحاتهم الشاخبة دماً عبيطاً منذ العام 1914وإلى الآن !! المبادئ لا تُتَرجم بالشعارات المنبثّة هنا وهناك ؛ وإنما بالعمل الدؤوب والتضحية بالراحة المنشودة ‘ لأن الذي يتصدّى لإنضاج الرأي في المجتمع لابد أن يأخذ بالحسبان أن الله يسمع ويرى ؛ (وهو شديد المحال) !!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close