بعيدا ، بعيدا عن عويل المدينة : قصة قصيرة

بقلم مهدي قاسم

…فكر مع نفسه مهموما ومتضايقا ومستاءا ، كأنما ليحّث نفسه
على الابتعاد عن هذه المدينة قدر الإمكان و التي حل موسم عواءها الطويل و الشرس ، لأنه كان يعلم شاعرا بالصميم ماذا تعني له هذه الأيام العصيبة من سلق أعصاب على حرائق صخب و ضجيج مدويين ونوبات هستيريا منفلتة على مداها الأقصى ..

حقا ، فيا لها من مدينة منتهكة بكل شيء تحت سطوة هؤلاء
الوثنيين الجدد ، ومصابة بكل أعراض من وحشيات سادرة تجعل الحياة مقيتة وسقيمة وصعبة العيش بالمرة ، قد تكون هي الوحيدة ما بين كل المدن في العالم باتت متعرّضة ، بين حين و آخر ، لنوبات هوس و هستيريا حادة ، أشبه بأعراض جنون جماعي خطير ، ينفلت في بعض المرات بعواقب
كارثية ، ترافقها رائحة دماء تنزف قانية ، و قرمزية ببقع حمراء كثيفة ، ذات خطوط وممرات ملتوية تتدفق من جروح غائرة طوعا و استعراضا تبجحا في الهواء الطلق ، تجمعات مختلفة مصابة بشتى أصناف من مازوخية مزمنة تحيل الألم المبرح إلى تجليات من نشوة روحية وهمية ولكنها
مؤقتة للحظات عابرة ومبهمة ، تعقبها بعد ذلك ، صحوة أو يقظة كوابيس يومية معتادة و مريعة من حياة بائسة أشبه بالموت حيا محتضرا و معذبا و قاسيا شنيعا !..

في مثل هذا الوقت الصاخب ضجيجا عاليا و عويلا مرعبا ،
يأتي كدفعة واحدة ، على شكل حزمة سهم منطلق دوما ، فلا يكف عن الانطلاق ومن ثم الإصابة المستهدفة في مراكز الأعصاب المرتعشة ، فيتخذ كل ركن وزاوية ومنعطف و أفق هنا ، طابعا من سواد ، في سواد ، فوق سواد ، و تحت سواد ، وبين مكعبات سواد ، امتدادا أسود في كل مكان ،
حيث تضخّمه شهقات نواح ونحيب عاليين منطلقين ضربات جلد الذات ومعاقبتها بكل قسوة ، ولكن لذنب وهمي لم يُرتكب أصلا ، على نحو موجات متلاحقة ومكثفة من ظلام دامس لا يوجد أي أمل ببصيص نور أو ومضة شعاع من شعلة مضيئة قد تضيء وجه ليلها الكالح والمعتم ، فيشعر إنه على
وشك أن يختنق بتموجات ظلام ، يحتضر سوادا مكثفا يمتد من معدته صعودا نحو حلقه مستقرا هناك بشدة وضراوة ، فيُعزي نفسه :

ـــ ما هي إلا بضعة أيام حتى تعود المدينة إلى رشدها وصوابها
السابقين و الهادئين ، و حتى ذلك الحين ما عليك إلا الهروب بعيدا ، بعيدا عنها ، ومن حسن حظك توجد عند ضاحية المدينة بساتين وتلال وجبال صغيرة يمكن الاحتماء بها بعيدا عن هذا الضجيج الشرس المنطلق ليلا و نهارا وعلى مدار أربع و عشرين ساعة ، و ذات أنياب تفترس الأعصاب
افتراسا رهيبا ، ثم خطر على باله أيضا إن كل هذا سيكون فرصة رائعة لانسجام واندماج رائعين مع سكون الطبيعة والتوحد بها احتضانا ، و ثم الإصغاء بحنو عذب و رغبة آسرة إلى دبيب حشرات ساعية بهمة ، وإلى ثغاء وعول و أنعام ناعسة ، و تغريدات طيور فرحة عادت لموطنها الأصلي
من خلجان مترامية أطراف ، وهسسة أعشاب و أزهار برية و نسائم مبهجة استيقظت لتوها برقة لطيفة ، مع تفتحّات براعم زاهية وريانة على انسكابات ندى فجر عارم ، وتساقط أشعة شمس صباح مبهرة ، ثم سيأتي الليل بأجواء من تآخي وديً بصمته وسكونه وسطوع نجومه المزدانة توهجا مثل
ثريا أو عناقيد عنب مشعة ، سيأتي بلا شعور بتهديد أو إزعاج ، سيأتي كأنما بحضور عرافة وقورة أو حكيم غير مرئي ليقول له حتى الليل هنا يختلف عن ليل مدينتك المتهسترة و العاوية على مدار اليوم كله ، فالليل هنا صديق هادئ لك ، فنم بملء عينيك بعمق و اطمئنان .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close