الحلقة الاولى “فيلم المسألة الكبرى”

المجاهد السيد نور الياسري والشيخ ضاري والعلاقة بينها في ثورة ١٩٢٠ وفيلم المسألة الكبرى.

لقد قلت بعد ان نشرت إعلانا قبل أسبوع ترقبوا مقالنا الجديد.. عن العلاقة بين المجاهد السيد نور الياسري والشيخ ضاري الزوبعي في ثورة العشرين وفيلم المسألة الكبرى. وكانت معظم التعليقات تجهل الحقيقة حول الموضوع؛ وبعضها تحمل شجونا كبيرة في الافئدة؛ وبعضها كانت بأسلوب غير انيق وغير مرضية؛ والجدل العقيم بين طياتها؛ راجيا من الجميع الابتعاد عنه وحتى نتمتع بالآراء القيمة. وأتمنى ان ندرك الغاية من نشر بعض الحقائق عن تاريخ العراق النقي الخالي من الغلو والتزوير في هذه المقالات. لقد كان عدد القراءات حسب تقرير إدارة الفيس أكثر من عشرين ألف والاعجاب أكثر من الفين وأربعة مئة والتعليقات ثلاثة مئة. وبالرغم انه كان اعلانا بصيغة تساؤلات مطروحة؛ لكن التعليقات اقتحمته اقتحاما. ولقد قدمت في هذه الحلقة فيلم المسألة الكبرى على العلاقة بين السيد نور الياسري والشيخ ضاري في الوثائق الاستخبارات البريطانية سوف تكون في الحلقة القادمة او الثانية.

ان المبالغات والغلو لدور شيخ ضاري الزوبعي في ثورة العشرين لم تكن البداية في فيلم المسالة الكبرى بل سبقت هذا الفيلم. ولم يكن ضاري الوحيد دوره في كتابة تاريخ الثورة العراقية الكبرى (١٩٢٠) مليئا بالغلو. وانما هناك كتابات بالغت وغالت غلوا كبيرا بدور عشيرتها مثل صاحب الحقائق الناصعة. فلا عجب من المبالغات هنا وهناك ولكن الخطورة في “افرازاتها” وانعكاساتها الخطيرة.

واني هنا أسجل شهادة شيخ المؤرخين العراقيين السيد عبد الرزاق الحسني وقال؛ عن عبد السلام؛ والثورة؛ وضاري: (وقد حدث انقلاب عسكري في العراق في 14 تموز 1958؛ اطاح بنظام الحكم الملكي القائم؛ وأعلن النظام الجمهوري. وكان العقيد عبد السلام محمد عارف؛ أحد مدبري هذا الانقلاب؛ واحد أقارب الشيخ ضاري المحمود. فلما تسلم رئاسة الجمهورية العراقية في حادثة 8 شباط 1963 م؛ عمل عملا متواصلا على إحياء ذكرى الشيخ ضاري؛ واقام مسجدا فخما خاصا له؛ ومدارس ضخمة لأبناء قبيلته؛ وصدر كتاب باسم (الشيخ ضاري) لأستاذين هما عبد الحميد العلوجي وعزيز الحجية ملئ بالمبالغات. ولا يخفى ان الكتاب طبع طبعة ثانية في عام ٢٠٠٢.

وقد ذكر لي الاستاذ لؤي الطريحي؛ مدير المتحف الوثائقي لثورة العشرين في النجف وانا اعد البحث في عام ١٩٨٥؛ ان عبد الحميد العلوجي ؛ بعد أن اهدى كتاب ضاري الى مكتبة المتحف . قال لي عبد الحميد العلوجي ؛ ( كتبنا هذا الكتاب اثناء حكم عبدالسلام ؛ وحينما انتهينا منه ؛ مات عبدالسلام ؛ وثم قدمناه الى رئيس الجمهورية شقيقه عبدالرحمن ؛ ولم يقدم لنا إي شيء سوى كلمة واحدة .. شكرا؛ بعد مقابلة كانت قصيرة جدا)

والجانب الاخر؛ قال لي السيد عبد الشهيد السيد نور الياسري أن رئيس الجمهورية السيد عبد السلام محمد عارف منع كتابه (البطولة في ثورة العشرين) أن يتداول في المكتبات؛ لأنه لم يتحدث عن الشيخ ضاري بإسهاب.

ان اهتمام الرئيس العقيد عبد السلام عارف بضاري دون زعماء الثورة الاخرين؛ بعد انقلابه العسكري؛ وسيطرته على الحكم؛ قد قام بقتل الوطنية العراقية في المجتمع العراقي ولدى الاجيال المتعاقبة؛ وساهم في وضع اسس الطائفية السياسية في الدولة وفي تفكير الناس بعد قيام الحكم الجمهوري. وبالطبع ان الدول المتقدمة تعمل على احياء يوم استقلالها؛ وتخلد اعمال زعمائها المخلصين؛ في النفوس؛ لكي تبقى جذوة النضال متقدة في نفوسهم ومن غير فتور. وليس الامر سهلا ان تلغي الرئاسة الرسمية للدولة دور الوطنيين البارزين وكفاحهم الطويل والمرير من اجل استقلال وطنهم وبناء دولتهم؛ تحت تأثير الافرازات القبلية الضيقة. وأن الدوافع القبلية لباسها حمية الجاهلية الاولى؛ وحمية الجاهلية لا تبن وطنا ولا تحم حقوق المواطنة. وان الثورة العراقية الكبرى؛ هي الارث الكبير للعراقيين وهي المدرسة الوطنية الكبرى؛ ولا يمكن ان يشيد بناءها الا بكل الأركان.

المسألة الكبرى وضياع المسألة الكبرى…!

لا أدرى لماذا حصر حزب البعث العراقي؛ الثورة العراقية الكبرى بالشيخ ضاري؛ من خلال فيلم المسالة الكبرى؛ الجدير بالذكر ان حزب البعث العراقي وعبد السلام عارف كان كلاهما طرفي نقيض للآخر ولاسيما عما جاء في التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن لحزب البعث؛ حول طبيعة الصراع بينهما.

وقبل الخوض بالحديث؛ يطيب لي ان أسجل مشاهداتي للقارئ الكريم عن هذا الفيلم وحكايات الناس بعد عرضه. المكان: سينما بابل ـ شارع السعدون؛ بغداد؛ الفيلم: المسألة الكبرى ـ ثورة العشرين (1920)؛ المخرج: محمد شكري جميل؛ بطل القصة: ضاري المحمود الزوبعي؛ العرض اواخر خريف عام 1982. شاهدتُ جموعا غفيرة أمام شباك التذاكر في سينما بابل؛ ولم تشهد صالات عرض افلام السينما في تاريخ العراق الحديث؛ مثل تلك الكثافة من أبناء الفرات الاوسط والجنوب. وفي صور التزاحم؛ ترى عددا من الشيوخ المسنين؛ وربما بعضهم من الذين اشتركوا بالثورة …! وكانت الفوضى هي أقرب من التزاحم؛ أمام شباك التذاكر. وتستطيع أن تلمس حب العراقيين الابدي لثورتهم المجيدة ضد المحتل؛ وتدرك حبهم لرجالها الطيبين؛ ولكن بين التزاحم والفوضى صاح المنادي بصوت عالٍ أمام شباك التذاكر: ( يابه ..! الثورة هي إنطوه للشيخ ضاري؛ وانتم عليمن مخبوصين..) . ولا أدري هل عادوا خائبين بعد مشاهدة الفيلم؛ وهل الشيخ ضاري خيب ظنهم؟

ولا شك ان الاجابة كانت واضحة عبرت عنها بأكثر من صورة بأسه في مدن الثورة المسلحة وقصيدة شعر او هوسة ملحمية تطفح بشجون الزمن؛ وعبير الشهادة. وكانت أكثر الأهازيج الشعرية شهرة بين الناس جاءت من مدينة الرميثة التي انطلقت منها الثورة ومن بني حجيم وقال احد شعراءها ورجالها (لو شعلان يدري إنباكت الثورة؛ جا شك التراب وطلع من كبره؛ موش بخان ضاري المسألة؛ إي هي بالسوير المسألة الكبرى.. الشاهد عدنه.. الشاهد..) ومما يحزن له بعد تشيع جثمان الشيخ ضاري في بغداد بعد وفاته في السجن عام 1928 م ؛ كانت من بين الهوسات او الاهازيج الشعرية (دم ضاري وشعلان نريده ) . وقد كانت اسماء الثوار تتآلف أثناء الثورة بين الناس وتتعانق عند المحن ولكنها تنافرت بعد فصل الفيلم؛ ويا ترى كم خلق هذا الفيلم من شق كبير في جدار المجتمع العراقي؟ وكم هي حجم المتناقضات التي صنعها هذا الفيلم بين جيل الثورة وجيل ما بعد الثورة …!؟ وهل يدري ضاري او شعلان أبو جون او يوسف السويدي؛ او السيد هادي مكوطر؛ او حبيب الخزران او السيد نور الياسري؛ او علي ال بازركان؛ او عبدالواحد الحاج سكر أو هادي زوين او شعلان الجبر أو شهيد الوطن عبد المجيد كنه وكوكبة الشهداء الستة الاخرين الذين اعدمهم الحاكم العسكري في السجن العسكري المركزي للاحتلال في بغداد ( وهم سلمان بن احمد ؛ حسن بن حميد ؛ محمد بن سلمان ؛ صالح بن محمد ؛ احمد بن عبدالله ؛ سامي بن محمود ) أو السيد محسن ابو طبيخ وغيرهم من ابطال النهضة العراقية ؟ ان هذا الفيلم صار لدى المناطق الثائرة اداة فرقة؛ وأحد عناوين الطائفية السياسية؟ الغريب ان الفيلم كان إنتاجه أثناء الحرب العراقية الايرانية؛ بدلًا من يشد اواصر المناطق الثائرة بالوطن؛ لكنه اسهم بعدم المبالاة اتجاه الوطن؛ يا لها من محنة على الوطن وعلى الثورة وعلى شهداء الثورة؛ وعلى الذين انفقوا مالهم على الثورة ..! ومما زاد الطين بلة كره الناس لضاري بعد مشاهدة الفيلم.

ولا شك ان مخرج الفيلم محمد شكري جميل فجر قنبلة طائفية مسيلة للدموع على مقابر شهداء الثورة وزعمائها مما جعل المشاهدين والشعراء صاروا يستغيثون بهم لينهضوا. ومن المحزن ان إيران في وسائل إعلامها السمعية صار لها هذا الفيلم مادة للتحريض الطائفي اثناء الحرب العراقية الايرانية.. في البرنامج الاذاعي “حجايه ويه الناس”

لقد ذكر لي شيخ المؤرخين الحسني زارني مدير المسرح؛ عبد الامير معلة (صاحب رواية الايام الطويلة عن حياة صدام حسين)؛ وقلت له لماذا اعطيتم ثورة العشرين الى ضاري وقطعتم من الفيلم اللقطات التي تخص زعماء الثورة ورجال الدين ؟ فأجاب معلة قائلاً يوجد جزء آخر للفيلم. علما لم يكن جزء آخر للفيلم ولم نره ذلك.

وأليس؟ كان من الاجدر بالمخرج ان يضع في اللقطات الاولى في المعارك وهي الدقيقة السادسة ان يكتب على الشاشة الرميثة ـ معركة السوير ـ بدلا من ان يكتب شتائم لجمن في اللقطات اللاحقة او مثلما كتب شتائمه. وفي الدقيقة (٤٨) لماذا لم تضع اسم معركة الرارنجية التي وقعت في الكفل؟ .علما ان هذه المعركة اشتركت فيها عشائر المشخاب والشامية لوحدهم . لماذا لا تستعينوا بشيخ المؤرخين السيد عبد الرزاق الحسني ؟وهو من المساهمين بثورة ولاسيما عند كتابة النص او السناريو. أرى ان المبالغ التي صرفت على هذا الفيلم تكفي لبناء أكثر من جامعة في المناطق الثائر.. ولكنهم كانوا ايتام من ثورة العشرين.

لقد تابعت معظم المقابلات مع المخرج محمد شكري جميل لم يذكر او يتحدث عن حذف لقطات لجمهور عن الفيلم ..! وهل يعتذر لشهداء الثورة؟ واعتقد لو كان حيا بيننا عميد الفن العراقي الراحل حقي الشبلي لصرخ ولأسمع من به صمم في الافاق. وهل تعلم ان حقي الشبلي كان يمثل ويغني للثورة وان المس بيل حاضرة كانت تشاهد المسرحية التي كان يمثل فيها قبل إعلان الاحكام العرفية في بغداد…وقدكتب في جريدة اليقظة وفي ذكرى احياء الثورة؟ ومن المؤسف ان جميل لا يعرف حتى عن اللباس الوطني. ففي الدقيقة (١٢٦) من الفيلم بعد خروج جنود البريطانيين من النادي الليلي وهم في حالة سكر ويعرض اشخاص يلبسون السدارة.. علما ان السدارة لبسها العراقيون بعد ان طالبت تركية بالموصل فنزعوا الطربوش.

وثمة قراءة واضحة للنصوص التاريخية بين السيد نور السيد عزيز الياسري والشيخ ضاري الزوبعي؛ ولكنها غابت في فيلم المسألة الكبرى؛ ومن دون شك انها هي عبارات واضحة تقطر خجلا من غياب الموضوعية والدقة؛ في كتابة السيناريو؛ كحد أدنى من كشف الحقيقة للجمهور العاشق لثورته العملاقة ولاسيما ان الاجيال المتعاقبة تريد ان تعرف عن حكايات الثورة وبطولاتها.

وارى أن ليس للشيخ ضاري يداً في اثارة حفيظة الاجيال العراقية عليه؛ وكانت حركته من أجل العراق وكرامة الانسان؛ قاتل وعاش شريدا عن اهله وعشيرته؛ وان المخابرات البريطانية في العراق استمرت بمراقبته لكنه وظل يعمل من اجل القضية العراقية؛ حتى اخر يوم من حياته.

لابد أن يقع اللوم على الذين اثاروا حفيظة الناس ضد الشيخ ضاري؛ وهم الذين كتبوا هذا الفصل الغائب قبل الثورة؛ ولو كان عنوان الفيلم الشيخ ضاري؛ لكان أخف وطأة في اثارة حفيظة الاخرين. ومن العيب ان نختزل الوطنية العراقية بشخص او بزعيم؛ فأنها قتل للوطنية العراقية في رابعة النهار. ولا زالت الثورة العراقية الكبرى ابوابها مفتوحة لإنتاج افلام كثيرة تحيَ في نفوس العراقيين روح الوطنية ولن يغفر الشعب العراقي الكريم

للذين تطفلوا على التاريخ او تسيسه لأغراضهم الشخصية فشوهه؛ ولم ترحم الاجيال الحرة والمؤرخون الوطنيون كل من شوه التاريخ؛ والله هو الحسيب والرقيب. وكفى بالله شهيداً.

وأخيرا.. إذا عرف السبب بطل العجب …الان هل عرفتم من يخلق الكراهية بين احفاد الثوار؟ هل هم الاحياء ام الأموات؟

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) فاطر.)

ملاحظة: نقل بتصرف من الفصل الغائب قبل الثورة.

من كتاب

جهاد السيد نور الياسري في ثورة العراق ١٩٢٠ وصناعة الوطنية.

عادل الياسري ـ أمريكا.

جميع الحقوق محفوظة للناشر (يمنع نسخ أي فقرة او نشر المقال في صحيفة أو أي موقع إلا بإذن الناشر.)

Copyright ©2019 by Adel Alyasiry.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close