ما هو فاسد أصلا لا يمكن أن كون مقدسا !

بقلم مهدي قاسم

دأبت الأحزاب المسيحية الديمقراطية المحافظة ـــ أغلب
الأحيان ــ على تداول السلطة و الحكم في الدول الأوروبية ، و لها الفضل الأكبر في ترسيخ القيم الديمقراطية و الإنسانية المتمدنة جدا و الازدهار الاقتصادي و الحضاري الإنساني ، ليس من ناحية حماية حقوق الإنسان فقط و إنما على صعيد سّن قوانين و أحكام خاصة بحماية حقوق
الحيوان و النبات و الجماد أيضا !..

و عندما انفجرت فضيحة وجود شبهات علاقة مالية غامضة بين
الفاتيكان و المافيا الإيطالية و ضجت بها الصحف و باقي الوسائل الإعلامية المرئية والمقرؤة ، أو بالأحرى عند دوي فضيحة التحرش الجنسي من قبل رجال دين في بعض كنائس وأديرة ، فلم يتطوع أحد من هذه الأحزاب المسيحية ولا بعضا من أنصارها وأتباعها المؤمنين حقا ( و ليس
زيفا نقصد بالنسبة لأحزاب الإسلام السياسي الشيعية ـ والسنية المنافقة والمتاجرة بالدين والمذهب
) فلم ينبرِ أحد من هؤلاء بالدفاع الأعمى و الهستيري الأقصى عن الفاتيكان و قادتها ” المقدسين ” ، ولاعن رهبان قد تورطوا في مثل هذه الفضائح ، إنما تُرك الأمر للقانون ليأخذ مجراه الطبيعي في دولة المؤسسات القانونية التي لا يعلو عليها احد سواء كان ” مقدسا ” أو
ملحدا ، أو بين بين !!. وكل ذلك حدث و يحدث بحكم الوعي الناضج والمتنور و المتفهم جيدا لمجريات الأمور من قبل غالبية المواطنين الأوروبيين ، سواء كانوا في الحكم أو خارجه ، أو في مؤسسات دينية ، و لا سيما لثقتهم بمؤسسات دولة القانون و الدستور ، و التي أمام ميزان
عدلاتها الكل سواسية وبنفس الوزن مهما كانت صفته أو درجته الوظيفية أو الاجتماعية ..

و لكون المواطن الأوروبي المتنور بوعيه الناضج يدرك جيدا
بأن أية مؤسسة ومهما كان طابعها يجب أن تخضع للتحري الجنائي و للقضاء في حالة وجود شبهات تجاوزات قانونية حولها ، و أن الإنسان وبحكم تكوينه النفسي ومهما كانت صفته وموقعه لا يمكن أن يكون معصوما ، بل هو قابل لارتكاب خطأ أم معصيةــ حسب تعبير فقهي ــ و كذلك معرّض
لزلة و كبوة بدافع من مغريات مال و سلطة أو شهوات ورغبات قهرية ، لكونه إنسانا من دم ولحم و زخم مشاعر و أحاسيس مضطرمة شهوة للجنس و حبا للمال و السلطة ، و إذا كان خطأه أو زلته هذه قد تتجاوز حدود القانون نحو جناية أو شيء من هذا القبيل ، فيجب أن يُترك أمره للقضاء
العادل والمستقل، للنظر في قضيته تلك وفقا لأدلة قاطعة أو عدمها …

إضافة إلى معرفته بأن أعمال قذف و قدح وأفتراء وتلفيق تهم
مصيرها ينتهي دائما إلى حساب و عقاب قضائيين .

لهذا و بفضل هذا الوعي الأوروبي المتنور تعامل الناس هناك
مع شبهات فضائح ـــ تمس سمعة الفاتيكان ــ بهدوء وروية و تأنِ ، فلم نشاهد مظاهرات تنديد و تهديد ولا مقالات نارية متهسترة دفاعا عن قدسية ” مقدسين ” فاسدين ..ولا عن مؤسسات ” مقدسة ”

ذلك …….

لأن المواطن الأوروبي ــ الذي بات يمتلك وعيا نقديا متقدما
يتفحص المعلومات وتطورات الأحداث الأمور جيدا قبل الاقتناع بها أو أخذها بمحمل جد و على ضوء ذلك يقررالقناعة بها أو رفضها ــ نقول إنه أصبح على دراية و إدراك عميقين من إن ما هو فاسد أصلا لا يمكن أن يكون مقدسا أبدا ، مهما ترفل بمسوح مقدسة أو تأنق بعباءة نزاهة
زاهية !.

و بالتالي فلا يندفع ــ حتى لو كان مسيحيا متدينا شديدا
ــ نحو ارتكاب حماقة دفاع عن فاسدين ومفسدين تحت ذريعة الدفاع عن ” مقدسات أو مقدسين ” زائفين و كذاّبين من لصوص نَهِمين و جشعين !..

هذا فضلا عن احترامه لذاته ، و لهويته الحضارية ، فهما
و إدراكا ووعيا بخصوص إن :

ـــ مَن يدافع عن الفاسدين ” المقدسين “أو غير المقدسين
فهو أما فاسد مثلهم أو مرتزق من أجلهم أو دفاعا عنهم ..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close