حال العراق زمن الاحتلال العثماني ح 19

* د. رضا العطار

في هذه الحلقة يجدر بنا ان نلقي نظرة سريعة على خلفية هذه الدولة التي حكمت العراق زهاء 400 سنة . والواقع ان العراقيين صعقوا من ظلم العثمانيين بعد ان سيطروا على مقدرات البلاد . لآنهم توقعوا من الدولة الجديدة , وهي دولة اسلامية , ان يجدوا مخرجا من التعاسة والفوضى التي سادت بلادهم، بعد اجتياز المغول لبلادهم , عام 1258 م .

ظهر العثمانيون على مسرح الاحداث اول مرة خلال القرن الثالث عشر الميلادي في هضبة بلاد فارس كقبيلة تعتاش على رعي الانعام . وفي الوقت ذاته كان سلاجقة الروم يقطنون في الاناضول . وعلى اثر غارات المغول عليهم استنجدوا بأتراك ايران ابناء عمومتهم , فأستجابو لطلبهم , شرط ان يسمحوا لهم بالآقامة بقربهم , فوافقوا على ذلك , وبهذه الطريقة نزحوا الى الاناضول واستقروا هناك , ثم اقاموا لهم امارة صغيرة برأسة اميرهم ارطغرل , وبعد موته خلفه ابنه عثمان , وكان هذا شابا طموحا فياضا بالحيوية والنشاط , قاد قومه الى الحرب في كل اتجاه حتى قضى على سلطة جيرانه السلاجقة الآتراك الذين اووهم .

وعثمان هو الذي شق لآبناء جلدته الطريق الى المجد , فأصبحوا يعرفون بالعثمانيين واتخذوا لهم لقب السلاطين . ثم كونوا فرقا حربية مكونة من غلمان صغار يربون تربية عسكرية فيشبون محاربين اشداء . وقد ابدوا من التفاني في الجهاد حتى قفزت دولتهم الى صدارة الامم . وفي عام 1453 م طردوا البيزنطيين من القسطنطينية ونقلوا عاصمتهم اليها وتحولت دولة ال عثمان الى امبراطورية .

صحيح ان العثمانيين ادخلوا اصلاحات على النظم السياسية والمالية , لكنها لم تكن لصالح الشعب العراقي انما لصالحهم , فهذه التعديلات لم تعود بالخير الا عليهم . اما بالنسبة للشعوب الخاضعة , فأنها قد ضاعفت عليهم عبء الظلم الاجتماعي وجعلته ظلما منظما جرى على اساس ضبط السيطرة بهدف ابتزاز الاموال من الناس .

وبينما كان العراقيون في حاجة الى من يرفع عنهم عبء الفقر الغالب والجوع الكافر والجهل المطبق والظلم المزمن , نرى ان الدولة العثمانية تسلم امرها بيد مماليك لا يحسنون اللغة العربية لا كلاما ولا كتابة ولا قراءة , يتكلمون لغة رطانة متكونة من مغولية تركية عربية , لا يفهمها غيرهم , كانوا بعيدين عن عالم الشعوب المغلوبة , ولم تكن لديهم فكرة واضحة عن العراقيين . كان جل همهم جباية الضرائب . وهذه كانت مضاعفة , بعضها لهم والآخر للسلطان .

والحقيقة التي لا شك فيها ان العثمانيين امتازوا بالقدرة على ما سموه قوة الامن . وهذه تتحقق اما عن طريق الفهم والعدل او البطش والارهاب . واقتنعوا ان الآخير اسهل لهم فسلكوا سبيله واستراحوا اليه , وعهدوا الى الامراء الاقطاعيين في اخماد كل نفس معارض واستخراج اكبر قدر من المال . وبذلك ساءت احوال العراقيين المعاشية مثلما ساءت ظنونهم في العثمانيين وهبطت الدولة كلها من حاكم ومحكوم الى درك سحيق .
و بالرغم ان العراقيين والعثمانيين عاشوا جميعهم في امبراطورية واحدة من النصف الاول للقرن السادس عشر الى اوائل القرن العشرين الا ان احدهم لم يعرف الاخر.

فالمعروف عن طبع العراقي انه لا يألف مع غيره الا على اساس العروبة, ومن خصائصه انه لا يقبل على الامتزاج بجنس اخر اذا كان ذلك سيؤدي الى ضياع لغته وهويته العربية . ومهما بلغ من الضعف, فأنه لا يفرط ابدا في لغته وعروبته وكرامته. وعندما يشعر انها مهددة, فأنه ينكمش على نفسه دفاعا عن كيانه ويرفض الامتزاج والتعاون ، حدث هذا عندما خضع العراقيون قسرا لسلطة العثمانيين.

لقد اراد كل من الشعبين العراقي والتركي ان يحتفظ بكيانه ويذيب الاخر في نفس الكيان , فلم يوفق احد منهما فيما قصد اليه . ولهذا شقى العراقيون بالاتراك بقدر ما شقى الاتراك بالعراقيين , وكلا الشعبين العربي والتركي قاسى من ويلات السلطة العثمانية , وظلمهم توزع على الشعبين الجارين بصورة عادلة , وعليهما أنطبق قول الشاعر احمد شوقي – كلنا في الهّم شرق

لقد احجم العراقيون كبقية العرب على تعلم اللغة التركية وقاوموا سياسة التتريك.
وقد ظنت الشعوب الاجنبية المسلمة ان معرفة لغة القران متممة للدين, فأقبلت على دراستها, بينما اقتصر جهد العثمانيين المحتلين على حفظ بعض الايات القرآنية التي يقيمون به صلاتهم , وترجموا القران بلغتهم . لكن بعض علمائهم درسوا اللغة العربية وتفوقوا فيها حتى كانوا يؤلفون بها كتبا ادبية مرموقة.

لم يفهم العثمانيون حقيقة العراقيين على سجيتهم , فقد حاول احدهما ان يتعرف على الاخر , فعينت السلطة الحاكمة جماعات وسيطة بينها وبين العراقيين . وهؤلاء كانوا في الغالب بقايا خدم عند المماليك ومن نشأ معهم , وقد اعطوا للعثمانيين صورة غير صادقة عن طبيعة العراقيين . و اساؤا الىهم بقدر ما اساؤا الى العراقيين .
كان من عادة الدولة العثمانية ان ترسل اسوء جندها الى العراق بينما كانت ترسل احسن جندها الى اوربا وروسيا والقوقاز , فلا عجب ان كان جهل كل منهما بالاخر لم يسمح الى ان يصلا الى نقطة تفاهم.

كانت الدولة العثمانية في الجبهات الثلاث : البلقان وروسيا و فارس في قتال دائم. وهذه الحروب كلفتها تضحيات جسيمة لا عد لها , في المال والارواح جعلتهم يتجهون الى عسف رعايا الامبراطورية وبضمنهم طبعا شعب العراق , مما اثارت لديهم مشاعر الحقد والكراهية وظهور روح التمرد . ولا يخفى ان المتاعب التي طافت كانت اكبر من ان يحلها العثمانيون وحدهم , فلم يكن لهم باع طويل في تحدي الصعاب والبحث عن الحلول .

وقد قام السلطان سليمان القانوني عام 1566 م بسن تنظيمات ادارية للعراق وللدول العربية الاخرى . لكنها انقلبت الى قيود شديدة الوطأة على العراقيين حيث قام بتطبيقها موظفون لا يمتازون بقدرة او بذكاء او بامانة . فجاءت النتائج عكسية .
كانت الدولة العثمانية بمجموعها سلطة اقطاعية توكل الادارة الى اناس يفتقد معظمهم للمقومات الاخلاقية . تترك لهم نسبة من الضرائب المستحصلة من الشعب لتصرف على الجند . وكانوا احرارا في ان يجبوا من الناس ما يشاؤون . اما ما كان العراقيون يعانون من الاهوال على ايدي هؤلاء الاوباش فعلمه عند الله .

ختاما اقول انه بالرغم من ان سياسة العثمانيين للعراق قد اتسمت بالظلم الصارخ طيلة اربعة قرون متوالية , الا ان العراقيين كانوا يعاملونهم دوما بخلق الأسلام , وعندما تعرضت ( امبراطوريتهم ) الى الغزو البريطاني خلال الحرب العالمية الاولى عام 1914 , دافع العراقيون عن دولة العثمانيين بعقيدة الاسلام . فقد هرع المواطنون الغيارى , اناس المدن و ابناء عشائر الريف الى جبهات القتال تحت راية الأسلام , يضحون بأرواحهم الغالية , ملبّين فتوى نداء الجهاد الذي أ صدره علماء الدين في النجف الأشرف . كان المجتهد الأكبر والعالم الجليل السيد الحبوبي الذي قاد جيش المجاهدين الى معركة الشعيبة وهو في عمر الشيخوخة , الشهيد الأول .

* مقتبس من كتاب تاريخ الشيعة في العراق لعبد الله النفيسي ومن لمحات من تاريخ العراق الحدبث للدكتور علي الوردي.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close