هل يحق لعقائدي شمولي ينّظر بالديمقراطية والتعددية ؟

بقلم مهدي قاسم

قلما يجد المرء بين شعوب و أقوام العالم أكثر مّن يتفنن
و يجهد متلاعبا بهلوانيا في تفريغ الكلمات و المصطلحات من معناها وفحواها الحقيقيين كما يفعل بعض كثير من عرب و مسلمين ، بهدف أن يضفوا عليها من معان وأفكار بما هو ليس فقط مناقض لها جدا إنما بضدِ منها تماما ..

و إذا كانت غالبية العرب و المسلمين ـــ مع استثناء بعض
افراد قلائل ــ قد فشلوا في المساهمة في النقلات و القفزات الحضارية والإنسانية و كذلك على صعيد التطورات العلمية و التقنية والطبية الجبارة و الهائلة في عصرنا الحالي ، فإن العرب و المسلمين كانوا ولا زالوا في مقدمة المتفنّنين في حقول الكلام و التعبير ، ليدّعوا
أو يدعوا إلى عكس ما فعلوا ويفعلون في سلوكهم و أعمالهم ، سواء كانوا أفرادا على رأس سلطة أم مؤسسة أو موقع سياسي أم اجتماعي ..

فتجد بعضهم يدعوا إلى قيم ومبادئ إنسانية ( تحت خيمة الخوة
الإنسانية ) أو يزعم متظاهرا بتبني ذلك ، ولكنه يناصر في الوقت نفسه ـــ و بشكل مستميت ـــ نظاما سياسيا ذات عقيدة شمولية بقبضة حديدية باطشة أو أحزابا و مجموعات مسلحة ذات سلوكيات فاشية وبلطجيات دموية ، و بعضهم الثاني يصرّح أو يكتب أنه ضد مظاهر الفساد في الوقت
الذي هو يمارس فنون الفساد بهمة و مثابرة و بأقبح وأشنع صوره الفاضحة ، أو يدافع عن أحزاب ومسؤولين وزعماء موحليّن في مستنقع الفساد من الركبة حتى الرقبة !، بينما نجد البعض الثالث منهم ، وهو المعروف عنه ذلك العقائدي الشمولي و الشرس من ذوي الأفق الضيق ، و علاوة
على ذلك ، فهو متيَّم ــ بهوس جنوني ــ بالأنظمة الثيوقراطية و الشمولية المطلقة التي تقمع كل راي معارض أو مختلف بكل بطش و دموية ـــ مكرّسا ” قلمه” المغوار ، على طول و عرض الخط ، بالدفاع عنها دفاعا مستميتا ، فتجده في الوقت نفسه يصول ويجول ” منّظرا ” وملقّنا
الآخرين عن فصول و أصول الديمقراطية و التعددية ، ولكنه يتناسى أن يضيف أن أسس الديمقراطية والتعددية الحقيقية في أي نظام سياسي قائم و كضرورة لابد منها وهو وجود معارضة حقة تمثل حزبا أو أحزابا ذات عقيدة أو أيديولوجية تحمل أفكارا على عكس من عقيدة الحزب الحاكم ..

فهل توجد معارضة حقيقية من هذا القبيل سواء في إيران
أو السعودية ، على سبيل المثال و ليس الحصر ــ حيث تستطيع أن تنافس الأنظمة الثيوقراطية المطلقة

المطلقة تلك و أن تنتزع السلطة منها بأساليب ديمقراطية
صحيحة و عبر انتخابات حرة ؟!.

بينما إن حق التظاهرة حتى أو مجرد من أجل حماية البيئة
محظور ببنود ونواد جنائية و عقابية رادعة ..

و تجدر الإشارة هنا ــ كمثل لا زال شاخصا و حيا ـ إلى أنه
كيف كانت الأحزاب الشيوعية الستالينية تتشدق بالديمقراطية الشعبية ، ليلا و نهارا ، في الوقت الذي كانت أنظمتها القمعية تحكم بقبضة حديدية ، لتنهار انهيارا سريعا ، بسبب رفض اجتماعي واسع ، مثل كومة من كارتون ، بعد سبعين عاما من السلطة الدكتاتورية الغاشمة ..

إذن فعلى ذقن مَن يضحكون هؤلاء البعض من الموالين المخلصين
والأوفياء للأنظمة الدكتاتورية الدينية القمعية والدموية الباطشة ، عندما ينظّرون عن الديمقراطية والتعددية و عن الأخوة البشرية المنتهكة إيما انتهاك سواء في إيران أو السعودية ، ينظّرون بنبرة عالية و بحماسة شديدة وكأنهم من ليبراليي هذا العصر المخضرمين ؟! .

بينما إنهم في قرارة انفسهم يكرهون الديموقراطية و التعددية
كرها شديدا لأنها تتعارض مع قناعاتهم و ثوابتهم الدينية التي هي أقرب بكثير إلى الأنظمة الثيوقراطية و أبعد ما تكون عن الأنظمة الديموقراطية و التعددية الحقة..

فمن المؤكد إنهم يضحكون على ذقونهم هم أنفسهم بالدرجة الأولى
و الأخيرة ، وكأنهم لا يعلمون أو لا يريدون أن يعلموا ، لأن ما يهمهم ليس توضيح الحقيقة والحق و العدل و إزاحة الستار عن الجوهر الديكتاتوري لأنظمة الحكم الشمولية و القمعية و عن ظلال الظلم المديدة ولا عن أفانين الباطل و مظاهر الفساد المنتشرة ، بكل أنواعها وأشكالها
، إنما محاولة حثيثة منهم لتزييف كل ذلك دفعة واحدة ، أو التستر عليه بكل خبث بهلواني مفضوح ، بهدف تضليل البسطاء والسذج من الناس ، بغية جعلهم سجادة حمراء أو سلّما لأقدام أصحاب السلطة الفاسدين لغرض الصعود المتواصل نحو الكراسي المخملية للمناصب السيادية و امتيازات
الملوك الباذخة .

بطبيعة نحن لسنا رقباء على إيمان الناس بعقائد معينة ،
فليؤمن كل شخص بما يراه مناسبا و ملائما له ، فهذا هو منطق عصرنا الراهن ، ولكن بشرط أن لا يختبئ خلف قيم ومبادئ أخرى وهو بعيد عنها كل البعد ، أو يترفل بها وهي تتناقض تماما مع مبادئه وعقائده الشمولية و الإقصائية ، و التي لا تطيق الآخر المختلف فكريا حيث تبيده
وحشيا في حالة التعارض و الاختلاف ، أو كأن ينظّر عن الديمقراطية والتعددية في الوقت الذي هو أكبر نصير و أنشط ناصر و أخلص منصور للنظام الثيوقراطي القمعي و الشمولي الدموي ..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close