عْاشُورْاءُ السَّنَةُ السَّادِسةُ (١٥)

نــــــــــــزار حيدر
لماذا تعاملَ الحُسين السِّبط (ع) بكلِّ هَذِهِ الشفافيَّة المُثيرة للإِنتباه مع مَن التحقَ بركبهِ؟ حتَّى ظهر للعَيان وكأَنَّهُ يُرِيدُ أَن يختلي بنفسهِ لينتحر؟!.
لماذا لم يُخفِ عليهِم شيئاً من تفاصيلِ قيامهِ التَّاريخي ضدَّ الظَّالِم ليحتفظَ بهِم للحظةِ المُواجهة ثمَّ يُصارحهُم بكلِّ الحقائق هُناك ليضعهُم أَمام الأَمرِ الواقع الذي لا مفرَّ مِنْهُ؟.
لماذا ظلَّ يُصارحهُم بآخِر التطوُّرات، سلبيةً كانت أَم إِيجابيَّةً؟.
لماذا خيَّرهُم مرَّات وكرَّات بين البقاءِ معهُ أَو تركهُ لوحدهِ؟ كما في قولهِ لهم ليلةَ العاشر {وهذا اللَّيلُ قد غشِيَكُم فاتَّخِذُوهُ جَمَلاً، وليَأخُذ كلُّ رَجُلٍ مِنكُم بيَدِ رَجُلٍ مِن أَهلِ بَيتِي، وتفرَّقُوا في سَوَادِ هذَا اللَّيلِ وذَرُونِي وهؤُلاءِ القَومِ، فإِنَّهم لا يُرِيدُونَ غَيرِي}.
هل كانَ الإِمامُ يائِساً؟!.
قَبْلَ الإِجابةِ على هَذِهِ الأَسئلة المُثيرة وغيرها، دعُوني أُشيرُ إِلى الحقائق التَّالية؛
١/ إِنَّ الشفافيَّة عُنصر أَساس في بناءِ الإِنسان صاحب الإِيمان والعَقيدة، وهي تبني الثِّقة بين القائِد والقاعدة أَو بينَ المسؤُول والرَّأي العام، والعكس هو الصَّحيح فالسريَّة في المنهجِ والحركةِ والهدفِ تزرع النِّفاق وإِزدواج الشخصيَّة عند المرءِ، كما أَنَّها تُحطِّم الثِّقة في المُجتمعِ.
إِنَّها أَساس النُّهوض والتَّنمية ولذلك أَصبحت الْيَوْم شِعاراً عالميّاً، أُسِّست له هيئات دوليَّة ومنظَّمات عالميَّة.
٢/ مشاريعُ التَّغيير والإِصلاح والبناء تمسُّ العقل والضَّمير والقلب، ولا يمكنُ إِقناع هَذِهِ العناوين بالخِداع والكذِب والغُش، فكلَّما تعاملَ المُصلح صاحب الرِّسالة بشفافيَّة أَكبر مع أَنصارهِ ومعَ عمُوم الرَّأي العام كلَّما كانَ تأثيرهُ أَكبر وأَوسع وأَعمق في عقولهِم.
أَمَّا السريَّة والخِداع والتَّضليل فلا تقنع عقلاً ولا تترُك أَثراً في النُّفوس.
٣/ والإِصلاحُ كذلك يستند على فكرٍ وثقافةٍ وطريقةِ تفكيرٍ متميِّزة لا يُمكن خلقها وتأصيلها في النُّفوس إِذا لم يكُن صاحب المشرُوع واضحاً في كلِّ شَيْءٍ.
الباطنيُّون يُثيرون الشُّكوك دائماً.
وإِذا طالعنا كلَّ مشاريع التَّغيير الحقيقيَّة عِبر التَّاريخ الإِنساني، الإِلهيَّة منها وغيرِها، فسنُلاحظ أَنَّ سرَّ نجاح المُصلحين التاريخيِّين هو وضوحهُم وعدم توظيفهُم سياسات اللَّف والدَوران والخِداع والغُش والسريَّة سواء في المنهجِ أَو السِّيرةِ والأَهداف.
أَمَّا الذين يوظِّفون كلَّ ذَلِكَ في حركاتهِم [الإِصلاحيَّة] فلا يتركُونَ أَثراً في كُتبِ التَّاريخ ولا يُذكرَون بشيءٍ إِلَّا اللَّعن والنُّفور.
٤/ والشفافيَّة في التَّعامل هو المنهج القُرآني الذي التزمَ بهِ كلَّ الرُّسل والأَنبياء وحثَّ عليهِ المُشرِّع، وهو المنهج الذي أَسَّست لَهُ الآية الكريمة {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}.
وبالشفافيَّة والوضُوح والصَّراحة تتُم عمليَّة الإِقناع واليقين والثِّقة التي يستهدفها المُصلح في حركتهِ كما في قولهِ تعالى {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}.
وهي المنهج الذي كرَّسهُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) في كلِّ سيرتهِ مع الرعيَّة، فكانَ يَقُولُ ويُكرِّر {أَلاَ وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَلاَّ أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِرّاً إِلاَّ فِي حَرْبٍ}.
وأَكثر مِن هذا، فهو أَوَّل حاكم يتحدَّث للرَّأي العام عن حقوق الرَّعيَّة قبل أَن يتحدَّث عن حقوق الرَّاعي، ويتحدَّث عن واجبات الرَّاعي أَوَّلاً ثم عن واجبات الرَّعيَّة.
يَقُولُ (ع) {أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ؛ فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ؛ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْما تَعْلَمُوا.
وَأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ؛ فَالوَفَاءُ بِالبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ في الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ، وَالاِْجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ}.
وهو المنهج نفسهُ الذي سارَ عليهِ الحُسين السِّبط (ع) في قيامهِ وخروجهِ الإِصلاحي؛
أ/ لأَنَّهُ لم يشأ أَن يقودَ قطيعاً من البهائمِ مضحوكٌ عليهِ ومخدوعٌ لا يميِّزُ بين النَّاقة والجمل كما هو حال جيشُ الأَمويِّين.
ب/ وهو كانَ يبحث عن جُندٍ يشدُّ بهم ظهرهُ فلا يُسلموهُ عند النِّزال ولا يخونوهُ لحظة المُواجهة.
ج/ وكانَ يُؤَسِّس لجبهةٍ واعيةٍ تُحتذى تعرف على وجهِ التَّحديد لماذا قامت معهُ؟ ولماذا رفضت البيعة؟ ولماذا تُقاتل؟ ولماذا تستشهِد؟.
لقد اختارَ الحُسين السِّبط ع أَنصارهُ وأَصحابهُ اختياراً فلم يُفرض عليهِ أَحدٌ منهم أَبداً، أَو يُجبر على ضمِّهِ إِلى صفوفهِ، فلقد إِختارهم بعد أَن اختبرهُم وامتحنهُم حتَّى وصفهُم بقولهِ لأُختهِ العقيلة زينب (ع) في معرضِ جوابهِ على مخاوفِها من يَوْمِ عاشوراء {والله لقَد بلَوتَهُم فَما وَجدْتُ فيهِم إِلَّا الأَشوَس الأَقعَس يستأْنِسُون بالمَنيَّةِ دُوني استيناسَ الطِّفلِ إِلى مَحالِبِ أُمِّهِ} ووصْفهُ (ع) لهم {أمّا بَعْدُ، فَإنّي لا أعْلَمُ أصْحاباً أوْفَى وَلا خَيْراً مِنْ أصْحابي، وَلا أهْلَ بَيْتٍ أبَرَّ ولا أوْصَلَ مِنْ أهْلِ بَيْتِي، فَجَزاكُمْ اللهُ عَنِّي خَيْراً}.
د/ وبالشفافيَّة والصَّراحة والوضُوح التي تعامل بها الحُسين السِّبط (ع) شَكَّل جبهةً من المُؤمنينَ ليس فيهِم مُنافقٌ واحدٌ أَو مُزدوَج الشخصيَّة أَو كذَّابٌ أَو نمَّامٌ أَو جاهلٌ أَو جبان أَو مصلحي أَو وصولي يتحيَّن الفُرص أَو أَناني، فمثلُ هَذِهِ النَّماذج تخلقُها طريقة التَّعامل بالغُشِّ والتَّضليل والتَّضخيمِ والتَّهويل، أَمَّا الشفافيَّة والوضُوح التي تمنح المرء القُدرة على الإِختيار فلا تُنتِجُ مثل هَذِهِ النَّماذج الفاسِدة.
إِذا رأَيت جماعةً تتَّبِع مُخادعاً أَو دجَّالاً لا يتعامل معهُم بشفافيَّةٍ ووضوح، فتأَكَّد بأَنَّهم يضحكُون على بعضٍ، وهم إِمَّا مُستفيدُون أَو جاهلُونَ مخدوعُون.
هـ/ وأَخيراً فإِنَّ الحُسين السِّبط (ع) قطع الطَّريق بالشفافيَّة على أَخطر الظَّواهر الفاسِدة في المُجتمع، وأَقصد بها حياكةِ المُؤَامرات وتدبير الأَمور بالسرِّ وفِي الغُرف المُظلمة وتآمر جماعةٍ على أُخرى، هذه الظَّواهر التي تُحطِّم عادةً الثِّقة وتزرع الشَّك وتُفرِّق الجمع وتُشتِّت الصفِّ الواحد.
بالشفافيَّة حمى الحُسين السِّبط (ع) جبهتهُ من التشتُّت والتمزُّق، فكانت عاشوراء إِنتصاراً إِلهيّاً عظيماً.
١٣ أَيلول ٢٠١٩
لِلتَّواصُل؛
‏E-mail: nazarhaidar1@hotmail. com
‏Face Book: Nazar Haidar
‏Twitter: @NazarHaidar2
‏Skype: nazarhaidar1
‏Telegram; https://t.me/NHIRAQ
‏WhatsApp & Viber& Telegram: + 1(804) 837-3920

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close