قانون مجلس الأعمار: ملاحظات: الحلقة الثانية

د. أحمد إبريهي علي

نستكمل في هذه الحلقة الملاحظات حول مشروع قانون مجلس الأعمار الذي رفعته الحكومة الى مجلس النواب لأقراره.

بموجب القانون المقترح تنتقل الى “مجلس الأعمار” جميع واجبات الدوائر المختصة بالأستثمار الحكومي وبصلاحيات أوسع للمشاريع التي يضطلع بها. ويتعين، عند احترام نصوص القانون، تشكيل دوائر جديدة متكاملة ما يضيف أعباءا مالية ليست ضرورية. في حين يحتاج العراق الى خفض تكاليف الأدارة الحكومية؛ والمنتظر من مجلس الوزراء المباشرة بتطوير كافة منظومات العمل على مفردات المنهاج الأستثماري بدلا من تأسيس نسخة أخرى للقيام بجزء من مهام المنهاج. ويركز القانون على المشاريع الكبرى، إن لم يقتصر عليها، لكن معالجة عجز البنى التحتية ليست دائما بمشاريع تكاليفها أكثر من 250 مليار دينار، بل أكثرها صغيرة: مدرسة؛ مركز صحي؛ ملحق لبناية جامعة؛ شبكة صرف صحي جزئية أو لمدينة صغيرة ؛ تعبيد طريق بكلفة لا تزيد عن 25 مليار دينار؛ دائرة حكومية؛ والبرامج الأستثمارية الكبرى تجزأ عادة مثل شبكات الأرواء والمبازل… وغيرها.

كان الأمل في الأهتمام بحقائق الواقع، والمبادرة بفحص حلقات الأستثمار الحكومي وتنظيفها من ركام السنين وسموم النزاع على السلطة والشراهة، ومعها دوائر عقود التجهيزات، وليس تشكيل حكومة موازية. إستحداث وحدات الرقابة الهندسية- الكلفوية على المشاريع وليس مجلس إعمار. تكوين شركات متكاملة هندسيا، إداريا، ماليا، ذات إمكانات كبيرة واضحة تنتشر على كافة محافظات العراق، شركات كببرى متخصصة في البناء والأنشاء وتطوير البنى التحتية. إثنان أو ثلاثة من هذه الشركات لبناء المدارس تتشرف بها الحكومة أمام شعبها وترضي الوجدان النزيه. واخرى مثلها للصرف الصحي؛ و للطرق والجسور … وغيرها في بقية البنى التحتية، دون الأستجابة الى مقترحات مثل تشكيل مجلس إعمار.

في النفط والغاز، عماد الأقتصاد والموازنة والعملة الصعبة، تعمل على خفض التكاليف، تكاليف التطوير والأستخراج. تتأكد من تكاليف مشاريع الكهرباء وتصفية النفط والعديد من المشاريع التي انفقت عليها مبالغ طائلة، تتأكد ليس بمنطق إسقاط الفرض بل لأكتشاف الخلل لأنه موجود وتصحّح وتُغّير وتُطوّر لبناء الثقة المفقودة. وليس استحداث مجلس إعمار، الا يكفي مجلس الوزراء ودوائره بهذه الضخامة ومن يضمن ان المجلس المستحدث الذي ينوب عن الوزارات والدوائر سيعمل بطريقة أفضل.

لماذا تركت الحكومة الشُعَب والأقسام والمديريات التي زاولت إعداد المشاريع ومواصفاتها وتصاميمها وإدارة تنفيذها وراحت تستحدث جهازا جديدا. بدلا من هذا المجلس كان الأولى تشكيل فرق عمل مؤهلة

بشرف المقاصد وعلو الهمة تعمل مع الدوائر لأعادة تنظيمها ومنهجيات إدارة عمياتها، وعلى مستوى المديرية العامة لأنها الوحدة الأساسية لنظام الدولة، وليس هناك في الغرف المجاورة لمكاتب الرؤساء، هذا هو الحل، وبخلاف العمل على بناء أجهزة دولة فعالة لا أمل في تنمية إقتصادية جادة.

المتوقع من وزارة التخطيط الحفاظ على وحدة نظام الأستثمار العام، هذا واجبها، لأنها مبدئيا مسؤولة عن تنمية الأقتصاد على المستوى الكلي، وإلاّ ما معنى خطة التنمية القومية، فلماذا ترضى أن تسلب منها أهم أدواتها المتمثلة بالبرنامج الأستثماري. وزارة المالية عادة تؤكد وحدة النظام المالي للدولة، ومبدئيا المطلوب منها الاّ توافق حتى على نظام الموازنتين ناهيك عن هذه الترتيبات الغامضة. لأن الدولة تعمل بمبدأ التدقيق والموازنة Check and Balance إلى جانب التخصص وتقسيم العمل. وزارة التخطيط لا تعترض على تجزئة المنهاج الأستثماري! ووزارة المالية المسؤولة عن التوازن المالي لا يهمها أن تؤخذ “نسبة من الأيرادات” وإضافة أخرى عليها كي يتصرف بها جهاز موازي للتخطيط والمالية ومجلس الوزراء وكثير من الدوائر الأخرى على ضخامة نفقاتها ودرجات مسؤوليها!.

ونستكمل في هذه الحلقة ملاحظات على بعض الفقرات:

1- في الفصل الرابع ، مهام المجلس، رابعا وخامسا: “توفير تمويل أو ضمانت تمويل أو تسهيلات مالية للمشاريع المشمولة بأحكامه بالتنسيق مع المؤسسات المالية العراقية والأجنبية”؛” … ضمان سيادي بموافقة مجلس الوزراء “. هذا يعني ان المجلس سوف يقترض لتمويل المشاريع وهي سياسة خطرة لأن وحدة إدارة الدين الحكومي ضرورية وتتولاها وزارة المالية. وهي ثغرة أخرى، يأخذ المجلس نسبة من الموازنة العامة ومخصصات المشاريع التي يريد تنفيذها من المنهاج الأستثماري ثم يقترض. إن عجز الموازنة العامة واضح وسوف يتسع في المستقبل القريب لأن السياسة التي تقود نحو حل جذري لم تبدأ بعد. والأقتراض يضيف مشكلات جمة. المفترض تركيز الحكومة على خفض التكاليف عموما والأقتراض يكون من خلال الموازنة العامة فقط.

2- يبدو ان المشكلة الأساسية لم تكن ضاغطة في الدوائر العليا، العجز المزدوج منه فعلي ومنه محتمل، ولغة قانون مجلس الأعمار واهتماماته بعيدة عن حل المشكلة.

3- ليعلم الجميع، الراي والراي الآخر هذا في الحوار، وفي الواقع العملي لا توجد العديد من السبل للنهوض بالأقتصاد العراقي. وعلى الأغلب قد توجد رزمة سياسات واحدة ربما تؤدي الى نجاح، ولذلك يقتضي الواجب التحري المضني عن الحل . بين عامي 1980 و 2016 فقط ست دول نامية إستطاعت إجتياز عتبة 50% من متوسط الناتج المحلي الأمريكي للفرد، فلا يغركم هذا الأنشاء المرسل، فالمهمة في غاية الصعوبة، ولا بد من الأنتباه جيدا لخطورة إقصاء الراي آلآخر، على قصد أو دونه،، فقد يكون في هذا الرأي المزعج، وهو عادة لا يأتي من ذوي الصلة الوثيقة بالرؤساء، خير للعراق وشعبه.

4- في المادة الثامنة من الفصل الرابع ” للمجلس صلاحيات هيئة الأستثمار الوطنية …” وهيئة الأستثمار الوطنية باقية؛ وقد أخذ المجلس، أيضا، الصلاحيات المتعلققة بالمنهاج الأستثماري لجميع مراحل إعداد وتنفيذ المشاريع وأضاف اليها تشغيلها، في تعريف الأهداف. الأفضل إدماج

هيئة الأستثمار بوزارة التخطيط وتطوير جذري لنظام المنهاج الأستثماري وتقوية وزارة التخطيط وإجراءات أخرى معروفة… وهكذا. المشكلة ان المسؤولين في غالبيتهم ومستشاريهم ومساعديهم بدأوا عملهم في مواقع القيادة العليا وتصوراتهم عن عمل دوائر الدولة وإدارة عملياتها إسطورية.

5- في الفصل العاشر، المادة العاشرة، سادسا : ” توزع أرباح الأسهم المملوكة للمجلس في مشاريعه للمواطنين… وخلال مدة …”، وفي 19 من الفصل الخامس ” توزع الأرباح المتحققة من مشاريع المجلس على المواطنين العراقيين وفقا لنظام يصدره المجلس”. هي ارباح لمنشآت عامة تعامل مثل غيرها، لماذا هذا الأستثناء. ثم هل ان أموال الموازنة العامة ليست للمواطنين!!. وكم ستكون هذه الأرباح في تقدير المشرع، وأغلبها على الظاهر بنى تحتية تقدم خدماتها مجانا لكل الناس، اما التي تبيع سلعا وخدمات على اسس تجارية لنفترض ان مجموع رأسمالها أصبح 20 مليار دولار بعد عشر سنوات، وليكن العائد على راس المال 15%، فماذا يعني توزيع ثلاثة مليار دولار على 50 مليون مواطن. وايضا، اين وحدة النظام المالي، والضبط المالي، وأين وزارة المالية من هذا كله.

6- في سابعا لنفس الفصل والمادة ذكر القانون أساليب للتعاقد ” اسلوب التشييد والتشغيل ونقل الملكية( BOT) او اسلوب التشييد والتملك والتشغيل ونقل الملكية (BOOT )”، تفترض تلك العقود ان المشاريع تؤسس أنشطة تبيع خدماتها للمواطنين لأسترداد نفقاتها والعوائد المطلوبة على راس المال من تلك الأيرادات، مدة الأمتياز، وفي النهاية تعود للدولة. وفي المشاريع التي تقدم خدماتها مجانا تدفع الدولة الى صاحب المشروع مبالغ يتفق عليها للانتفاع من خدمات المشروع، في مثل هذه الحالة يكون التعاقد مكافئا لأقتراض بعيد الأمد يسدد عبر المدفوعات السنوية، الأيجار، او اقيام الخدمات المقدمة للمنتفعين مجانا. والأفضل، ايضا، ان تندرج هذه في قوام الأدارة الأقتصادية والمالية الأعتيادية دون أن توكل لتدابير استثنائية. نعم، يقال ان الوزارات والدوائر تتردد، لا تريد تحمل مسؤولية تعاقدات من هذا الطراز، الحل بسيط، يشارك مجلس الوزراء الدوائر المعنية هذه المسؤولية. او يخشى مجلس الوزراء خروقات الفساد لنعود الى نقطة البدء ولماذا الهروب من مهمة إغلاق منافذ الفساد في دوائر وإجراءات التعاقد عبر إعادة الهيكلة.

7- المادة 13، ثالثا، ” يدير كل مكتب … مدير ذو خبرة وكفاءة عاليتين بمستويات عالمية وإجادة إحدى اللغات الحية… ” والمقصود بهذا خريجي الجامعات الأجنبية وعندما تضاف الخبرة الى الكفاءة بمستويات عالمية فهم عادة، الذين لديهم تجربة عمل، مدّعاة، في مكان آخر من العالم فهي خبرة “عالمية” … وفي عصرنا هذا ثمة مقاييس للرصانة المهنية هي التي تُعتمد دون التحيز الثقافي المسبق لأنه معيب. فلا توجد هندسة عراقية وأخرى عالمية او فيزياء أو محاسبة عراقية وأخرى دولية. من الضروري التحرر من الأحكام المسبقة وأن تأخذ المعايير المستقلة، عن التحيز الذاتي والنشأة الثقافية، مجراها. ان التحيز يضيّع على الأنسان فرص الوصول الى الحقيقة، إن كانت هي ما يبتغيه. ويتكرر هذا المنحى في سابعا من المادة 14 ” إعتماد أنظمة عالمية رصينة لقياس الأداء والتعاقد مع الجهات المختصة بالتقويم والتحقق والتحقيق من غير

الجهات الرسمية” هذه المقصود بها أيضا جهات أجنبية. وفي ثانيا من المادة 17 ” للمجلس الأستعانة بشركات محاسبة وتدقيق عالمية … وهكذا. التنمية ليست تكديس كونكريت على الأرض، إنما الأرتقاء بالمهنية العراقية، وتكوين شركات ومنظمات ودوائر عراقية تنهض بالعراق، التطور لا يشترى من الأجانب لأن المجتمع هو الذي يتطور، أما الحفاظ على صورة المجتمع المسكين يشتري التنمية من الأجانب بدولارات النفط، هذه مشكلة كبيرة.

المادة 14 ، خامسا إعداد موازنة إستثمارية لأدراجها ضمن الموازنة العامة، وهذه تحتاج تنسيق مع المادة الأولى رابعا. وفي خامسا من المادة 14 إعداد موازنة تشغيلية، وحسب، دون الأشارة الى الموازنة العامة.

8- إختصت المواد 22 و 23 من الأحكام الختامية بتهيئة الأرض لمشاريع المجلس بلهجة حازمة، ومشكلة الأرض تعترض اغلب المشاريع الأستثمارية. والمطلوب إنهاء هذه المشكلة جذريا، وليس لمشاريع المجلس فقط. ثمة حاجة ماسة لقواعد عامة تحكم استخدام الأرض والتصرف بالأرض الحكومية. وتلك مشكلة قديمة ومؤجلة، مثل هذا الحماس من مجلس الوزراء مطلوب لجميع مشاريع المنهاج الأستثماري. وايضا، لقد تأخرت الجهات المعنية عن إعادة تصميم المدن ضمن نطاق توسعها المحتمل لأستيعاب الواقع القائم ومعالجة ما لا يمكن استيعابه. إن إعادة التصاميم والتسوية العادلة للتجاوز على حقوق الملكية ضرورية، إلى جانب إنصاف الضعفاء وحل مشكلة السكن للفقراء هذه متلازمات. ومن الممكن وخلال مدة لا تزيد على سنتين إعادة تصميم المدن وانهاء التجاوزات بعقلانية وعدالة. والحرص على كل ما هو مشيد على الأرض لأنه ثروة وطنية، ولا بد من المبادرة بتكييف القوانين والضوابط لأجل المعالجة العادلة والحريصة على المصلحة العامة. لا تزال العديد من دوائر الحكومة وكأنها روبوتات تشتغل على برامج قديمة لم تتغير من عشرات السنين. والحل ليس تركها على حالها ويناء مدينة فاضلة على جزء من الدولة، هذه الأنتقائية ليست لمجلس الوزراء.

الأسباب الموجبة للقانون هي واجبات الحكومة والوزارات المركزية، التخطيط والمالية، والوزارات القطاعية. وان وجد مجلس الوزراء عدم استطاعته فعلا المباشرة بمعالجة الخلل في أجهزة الدولة كي تؤدي واجباتها، فالحل لا يكون في “مجلس الأعمار”. المطلوب إعادة تنظيم أجهزة الدولة للأرتقاء بالأداء . وإذا كانت قناعة مجلس الوزراء انه لا يستطيع إدارة الأستثمار الحكومي بالترتيبات الحالية فيمكنه تشذيب دوائره بما في ذلك اللجنة الأقتصادية، وإذا تيقن فعلا من وجوب استحداث آليات عمل جديدة فلتكن لكل البرنامج الأستثماري، ووفق تراتبية السلطة التنفيذية ذاتها ، وليس عبر سلطة موازية. وأشهد ان إعادة العمل بنظام مجلس التخطيط وهيئته التوجيهية أفضل بكثير من ” مجلس الأعمار” ،إذا تأكدت الحاجة، عند الحكومة ومجلس النواب، الى منظومة إضافية. كما يمكن استثناء مشاريع معينة من ضوابط وتعليمات التنفيذ، أو مركزة بعض الصلاحيات. أما هذا المجلس فلا ينفع في إصلاح ولا يحقق للحكومة مكاسب سياسية سوى لمدة قصيرة، لأن الناس إعتادت على الأنبهار باللغة والتعلق بالأوهام، والتي سرعان ماتزول فتكون صافي النتيجة فقدان الثقة.

لا أستبعد موافقة مجلس النواب على القانون، وإن لم يوافق فليس للأسباب التي بينتها في هذه الحلقة والأولى. الأحزاب السياسية، والزعماء المعروفين، يتحملون المسؤولية في نظر الناس عن الخلل او عدم الأهتمام بمعالجته. ولحد الآن يعجز أكثر العراقيين عن معرفة المنظومة الفعلية لأحكامهم المعيارية في الدولة وإدارة شؤون العراق، على ماذا يتفقون ولماذا يختصمون.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close